الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

مقدمة التحقيق
إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه ، ونستعينُه ، ونستغفرُهُ ، ونعوذُ به مِن شُرُورِ أنفُسِنَا ، وَمِنْ سيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِه الله فَلا مُضِلَّ لَهُ ، ومن يُضْلِلْ ، فَلا هَادِي لَهُ.
وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبْدُه ورَسُولُه.
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران : 102].
{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء : 1].
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [الأحزاب : 70 ، 71].
أما بعد :
فهذا هو كِتَاب تَفْسِير القرآن العظيم ، للإمام العلامة ، المُفَسِّر ، المُؤرِّخ ، الحُجَّةِ الحَافِظِ إسْماعيلَ بْنِ عُمَرَ بْنِ ضَوْءِ بْنِ كَثيرٍ القُرَشِيِّ الشَّافِعِيِّ الدّمَشْقِيِّ - رَحِمَه اللهُ - أُقَدِّمُه لِقُرَّاء العَرَبِيَّةِ والعَالَم الإسْلامِيِّ ، بَعْدَ مُضيِّ قَرْنٍ من الزمان على طبعته الأولَى تقريبًا ، كادتْ - خِلال هذه الفَتْرَةِ - أن تُخْفى مَعَالِمُهُ ، وتَنمَحِي مُمَيِّزَاتُهُ مِنْ جَرَّاء عَبَثِ الوَرَّاقِين ، ومُمَارسَاتِ المتأكِّلِين مِنْ صَحفيّينَ وَكَتْبِيين.
أقدِّمُه بَعْد أن قُمْتُ بِأعْبَاءِ تَحْقِيقِهِ وضَبْط نَصِّهِ ، وتَخْرِيجِ أحَادِيثهِ والتَّعْلِيق عَلَيْهِ ، عَلَى نَحْوٍ يُيَسِّر الفَائِدةَ مِنْهُ ، ويُحقِّقُ رَغْبَةَ أهْل العِلْم الذين طالما تَمَنَّوْا أنْ يُنْشَرَ هَذَا الْكِتَابُ نَشْرَةً عِلْمِيَّةً مُوَثَّقةً ، خَالِيةً مِنَ التَّحْريفِ ، والسَّقْط والتَّصْحِيفِ.
وتَفْسير ابن كثير - رحمه الله - من أعْظَم وأجَلِّ كُتُبِ التفسير ، أمْضَى فيه مُؤَلِّفهُ - رحمه الله - عُمُراً طويلا وهو يُقلِّبُ فيه بين الفَيْنَةِ والأخرى ، مُحَلِّيًا إيَّاه بِفَائِدةٍ تَخْطُر له ، أو حكاية قولٍ أزْمَعَ تَحْقِيقهُ.
وقد احْتَوَى تَفْسيرُهُ على الكثير من الأحَاديثِ والآثارِ من مصادر شَتَّى ، حتى أتَى على مُسْنَدِ الإمام أحمد فَكَادَ يَسْتَوْعِبه ، كما نَقَل عن مصادر لا ذِكْرَ لها في عَالَمِ المخطوطات ، كتفسير الإمام أبي بَكْر بن مَرْدُويه ، وتفسير الإمام عَبْد بْنِ حُمَيْدٍ ، وتفسير الإمام ابن المنْذِر ، وغيرها كثير.
كما تَضَمَّنَ تفسيرُ ابن كثير - رحمه الله - بَعْضَ المباحِثِ الفِقْهيَّةِ والمسائل اللُّغَوِيَّةِ ، وقد قال الإمام

(1/7)


السُّيُوطِيُّ : لم يُؤلَّف على نَمَطٍ مِثْلُه.
والطَّرِيقةُ التي اتَّبَعَها الحافظُ ابنُ كَثِيرٍ في كِتَابِهِ أن يَذْكُرَ الآيةَ ، ثم يَذْكُر مَعْناها العام ، ثم يُورِدُ تَفْسيرَها من القُرْآنِ أو من السُّنَّةِ أو من أقوال الصَّحَابِة والتَّابِعينَ ، وأحْيانًا يَذْكُرُ كُلَّ ما يَتعلَّقُ بالآيةِ من قَضَايا أو أحْكَامٍ ، ويَحْشُد لذلك الأدِلةَ من الكِتَابِ والسُّنةِ ، وَيذْكرُ أقْوَالَ المذاهبِ الفِقْهِيَّةِ وأدِلتَهَا والتَّرْجِيحَ بَيْنَها.
وقد أبَانَ الحافظُ ابنُ كَثير عَنْ طَرِيقَتِهِ في مُقدِّمةِ تَفْسِيرِه ، قال : "فَإنْ قَالَ قَائِلٌ : فمَا أحْسَنُ طُرُقِ التَّفْسِيرِ ؟ فَالْجوابُ : إنَّ أصَحَّ الطُّرُقِ في ذلك أنْ يُفَسَّرَ القرآنُ بالقرآنِ ، فما أُجْمِلَ في مكَانٍ فإنه قد بُسِطَ في مَوْضِعٍ آخرَ ، فإن أعْياكَ فَعَلَيْكَ بالسُّنَّة ؛ فإنها شَارِحةٌ للقُرْآنِ وَمُوَضِّحةٌ له ، وحِينَئذٍ إذا لم نَجِدِ التفْسِيرَ فِي القُرآنِ ولا في السُّنةِ رَجَعْنا في ذلك إلى أَقْوالِ الصَّحابةِ ؛ فإنهم أدْرَى بذلك لما شَاهَدُوا من القَرائِنِ والأحْوالِ التي اخْتُصُّوا بها ، ولِما لهم مِنَ الفَهْمِ التَّامِ والعِلْم الصَّحِيح والعَمَلِ الصَّالِحِ ، لاسيَّما عُلَماءَهُم وكُبَراءَهُمْ كالأئمَّةِ الأربعةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدين ، والأئمة المهتدِينَ الْمهدِيِّينَ ، وعَبْدَ الله بن مَسْعودٍ - رضي الله عنهم أجمعين - وإذا لم تَجِدِ التفْسِيرَ في القُرآنِ ولا في السُّنةِ ولا وَجَدْتَهُ عنِ الصَّحابةِ فقد رَجَعَ كَثير من الأئمةِ في ذلك إلى أقوالِ التَّابِعينَ".
طَبَعاتُ الكتابِ :
وقد طُبِعَ هذا التفسيرُ لأوَّلِ مرة في المطْبَعَةِ الأمِيريَّة من سنة 1300 هـ إلى سنة 1302 هـ بهامش تفسير "فَتْح البَيَان" لِصدّيقِ حَسَن خَان ، ثم طَبَعهُ الشيخُ رَشِيد رِضَا - رحمه الله - ومعه تَفْسيرُ البَغَوِيِّ في تِسْعَةِ مُجلَّداتٍ بأمر جَلالِة الملِكِ عبدِ الْعَزيزِ بْنِ عبدِ الرَّحْمنِ آلِ سُعُود - رحمه الله - من سنة 1343 هـ إلى سنة 1347 هـ ، واجْتَهدَ - رحمه الله - في تَصحِيحهِ ما اسْتَطَاعَ ، ولكن فَاتَهُ الشَّيْءُ الكَثِيرُ.
ثُمَّ تَدَاولتِ المطَابِعُ طَبْعَهُ طبعاتٍ تِجاريَّة ، ليس فيها تَصْحِيح ولا تَحْقيقٌ وَلا مُراجَعَةٌ ، وإنما اعْتَمَدُوا طَبْعَة "المنار" ، فأخذوها بما فيها من أغْلاطٍ ، ثم زادوها ما استطاعوا من غَلَط أو تَحْريفٍ.
فَكَانَ انتفاعُ النَّاسِ بهذا التفْسيرِ انتفاعًا قاصرًا ؛ لما امتلأتْ بِهِ طَبَعاتُهُ مِنْ غَلَطٍ وَتَحْريفٍ ، يَجِبُ معهما أن يُعادَ طَبْعُهُ طبعةً عِلْمِيةً مُحَقَّقةً ، ويُرجَعُ فيها إلى النُّسَخِ المخْطُوطةِ منه ما أمْكَنَ ، ثم الرجوع إلى مصادر السُّنَّةِ الَّتِي يَنْقِلُ عنها الحافظُ ابْنُ كَثيرٍ ، وإلى كُتُبِ رِجَالِ الحديثِ والتَّراجُمِ لتَصْحِيحِ أسْماءِ الرجالِ في الأسانيدِ ، وهم شَيءٌ كثيرٌ وعدَدٌ ضَخْمٌ (1).
حتى جاءت سنة 1390 هـ فَخَرجتْ طَبعةٌ جَديدةٌ لهذا التَّفْسير من دار الشَّعْبِ بتَحْقيقِ الأساتذةِ :
__________
(1) عمدة التفسير للشيخ أحمد شاكر (1/ 6).

(1/8)


عبد العزيز غُنَيم ، ومُحمَّد أحمد عاشور ، ومحمد إبراهيم البَنَّا.
لكنهم اعْتَمَدوا على نُسخةِ الأزْهرِ ، وهي نسخةٌ قديمةٌ وجَيِّدةٌ ، لكن بمقارنتها بِبَقِيَّةِ النُّسَخِ فإنَّهَا يَكْثُر فيها السَّقْطُ والتَّصْحِيفُ (1).
وقد تَعَقَّبَ الدكتورُ إسماعيلُ عبد العالِ هذه الطَّبْعَة في كتابه "ابن كَثيرٍ ومنْهَجهُ في التَّفْسيرِ" (2) ثُمَّ قَالَ :
"وأرَى مِنْ الواجبِ عَلَى مَنْ يَتصدَّى لتحقيقِ تفسيرِ ابْنِ كثيرِ - تحقيقًا عِلْميا دَقِيقًا سَلِيمًا مِنَ المآخِذ - ألا يَعْتمِد عَلَى نُسْخَةٍ واحِدَةٍ ، بل عليه أن يَجْمَعَ كُلَّ النُّسَخِ المخطوطةِ والمطبوعةِ ، ويُوازِنَ بينها مع إثباتِ الزِّيادةِ والنَقْصِ ، والتَّحريفِ والتَّصحيفِ".
وكُنْتُ مُنْذُ خَمْسِ سَنَواتٍ قد بَدَأتُ الْعَمَلَ عَلَى تَحْقِيقِ هَذَا الْكِتابِ بِجَمْعِ مَخْطوطاتِهِ ، وَتَوْثِيقِ نُصُوصِهِ وإصْلاحِ ما وَقَعَ في طَبَعاتهِ السَّابقةِ مِنْ تَحْريفٍ ونَقْصٍ ، حتى خَرَجَ في هَيْئةٍ أحْسَبُ أنها أقْرَبُ ما تَكُونُ إلى ما أرَادَهُ المُصَنِّفُ - رحمه الله.
وقد سَاعَدنِي في كثيرٍ مِنَ مراحلِ الْعَملِ إخْوةٌ أفَاضِلُ ، فَلَهُمْ مِنِّي خَالصُ الدُّعاءِ وجَزِيلُ الشُّكْرِ.
وبعد :
فقد مَرَّتْ عليَّ أثناء الْعَملِ في هذا الكِتابِ سُنونَ شَديدةٌ ، اللهُ وحدَهُ بها عَلِيمٌ ، قَاسَيتُ فيها شَدائدَ ، وواجَهْتُ فيها عَقَباتٍ ، إلا أنَّ هِمَّتِي أَبَتْ إلا إتْمامَهُ ، ونَفْسِي تَاقتْ إلى التَّشَرُّفِ بخِدْمَتِهِ.
وقد كَابدتُ في هَذا الكتابِ جَهْدِي ، وبَذَلْتُ فيه مَالِي ، واسْتنفَقْتُ له وَقْتِي ، فكَمْ من لَيالٍ أنْفقتُهَا في تَصْويبِ تَحْريفٍ ، أو تَقْويمِ تَصْحيفٍ.
أقولُ ذلك ملتمِسًا العُذْرَ مِنْ عالِمٍ سَقَط عَلَى زَلَلٍ ، أو قارئٍ وَقَعَ على خَطَأ ، فَمِثْلُ هذَا العَمَلِ الكبِيرِ لا بُدَّ أنْ تَظْهرَ فيهِ بَعْضُ الأخطاءِ المطبعيةِ ، والأوْهامِ الْيَسِيرةِ ، وصَدَقَ المُزَنيُّ - رحمه الله - حين قال : "لَوْ عُورضَ كتابٌ سَبْعينَ مرةً لَوُجِدَ فيه خَطَأ ، أبَى اللهُ أن يكون صَحِيحًا غَيْر كِتابِهِ" ، فالمرْجُو من أهْلِ العِلْمِ أن يُرْسِلُوا لِي ما لَدَيْهِم من مُلاحظاتٍ أو اسْتِدْراكٍ أو تَعْقِيبٍ حتى أتدَاركَ ذلك في الطبعةِ اللاحقةِ إن شَاءَ اللهُ.
ولا أنْسَى في خِتَامِ كَلِمَتي أنْ أرْفَعَ شُكْرِي إلى مَقَامِ والديَّ الَّلذَيْنِ كان لهما الفَضْلُ في تَنْشِئَتِي ، وإرْشَادِي إلى العِلْمِ وحُبِّهِ ، والاجْتِهادِ فِي طَلَبِهِ : { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا } [نوح : 28].
__________
(1) وقد سدت هذه الطبعة فراغًا آنذاك ، ولكن يتعين بعد اليوم عدم اعتمادها في دراسة أو قراءة لكثرة ما فيها من السقط والأوهام.
(2) ص 128.

(1/9)


وأشْكُرُ الأستاذَ الفاضِلَ/ سعد بن صالح الطويل ، وكيلَ عِمادةِ شُؤون المكتبات بجَامِعَةِ الإمامِ محمد بن سعود الإسلامية سَابِقًا ، والأستاذ الفاضل/ صالح الحجي ، مُدِير قِسْمِ المخطوطات بجامعة الملك سُعُود ، وأشْكُرُ كُلّ أخٍ ساعدنِي أو شَجَّعنِي لمواصلة طريقِي.
واللهَ أسْألُ أنْ يَنْفعَ به الجميعَ ، وأنْ يجْعَلَهُ خالصًا لِوجْهِهِ الْكَرِيم ، وأنْ يَكُونَ من الثَّلاث التي يَنْقطِعُ عَمَلُ ابْنِ آدمَ إذا مات إلا مِنْها ، وأنْ يكْتُبَ لجميع من أسْهَمَ فيه الأجْرَ والمثوبَةَ ، إنه وَلِيُّ ذلك والقادِرُ عليه ، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِه أجْمَعينَ. وكتبه :
سامي بن محمد بن عبد الرحمن بن سلامة
الرياض : 5/ 5/ 1417هـ

(1/10)


القسم الأول
الدراسة
وقد اشتمل على مبحثين :
المبحث الأول : ترجمة الحافظ ابن كثير.
المبحث الثاني : كتاب تفسير القرآن العظيم.

(1/11)


المبحث الأول
ترجمة الحافظ ابن كثير
1 - نسبه وميلاده :
هو الإمام الحافظ ، المحدث ، المؤرخ ، عماد الدين ، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن درع القرشي الدمشقي الشافعي.
ولد بقرية "مِجْدَل" من أعمال بصرى ، وهي قرية أمه ، سنة سبعمائة للهجرة أو بعدها بقليل.
2 - نشأته :
نشأ الحافظ ابن كثير في بيت علم ودين ، فأبوه عمر بن حفص بن كثير أخذ عن النواوي والفزاري وكان خطيب قريته ، وتوفى أبوه وعمره ثلاث سنوات أو نحوها ، وانتقلت الأسرة بعد موت والد ابن كثير إلى دمشق في سنة (707 هـ) ، وخلف والده أخوه عبد الوهاب ، فقد بذل جهدًا كبيرًا في رعاية هذه الأسرة بعد فقدها لوالدها ، وعنه يقول الحافظ ابن كثير : "وقد كان لنا شقيقا ، وبنا رفيقًا شفوقًا ، وقد تأخرت وفاته إلى سنة (750 هـ) فاشتغلت على يديه في العلم فيسر الله منه ما تيسر وسهل منه ما تعسر" (1)
3 - شيوخه :
1 - شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية ، رحمه الله.
2 - الحافظ أبو الحجاج يوسف المزي ، رحمه الله.
3 - الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي ، رحمه الله.
4 - الشيخ أبو العباس أحمد الحجار الشهير بـ "ابن الشحنة".
5 - الشيخ أبو إسحاق إبراهيم الفزاري ، رحمه الله.
6 - الحافظ كمال الدين عبد الوهاب الشهير بـ "ابن قاضي شهبة".
7 - الإمام كمال الدين أبو المعالي محمد بن الزملكاني ، رحمه الله.
8 - الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى الشيباني ، رحمه الله.
9 - الإمام علم الدين محمد القاسم البرزالي ، رحمه الله.
10 - الشيخ شمس الدين أبو نصر محمد الشيرازي ، رحمه الله.
11 - الشيخ شمس الدين محمود الأصبهاني ، رحمه الله.
12 - عفيف الدين إسحاق بن يحيى الآمدي الأصبهاني ، رحمه الله.
__________
(1) البداية والنهاية (14/ 32).

(1/12)


13 - الشيخ بهاء الدين القاسم بن عساكر ، رحمه الله.
14 - أبو محمد عيسى بن المطعم ، رحمه الله.
15 - عفيف الدين محمد بن عمر الصقلي ، رحمه الله.
16 - الشيخ أبو بكر محمد بن الرضى الصالحي ، رحمه الله.
17 - محمد بن السويدي ، بارع في الطب.
18 - الشيخ أبو عبد الله بن محمد بن حسين بن غيلان ، رحمه الله.
19 - الحافظ أبو محمد عبد المؤمن الدمياطي ، رحمه الله.
20 - موسى بن علي الجيلي ، رحمه الله.
21 - جمال الدين سليمان بن الخطيب ، قاضي القضاة.
22 - محمد بن جعفر اللباد ، شيخ القراءات.
23 - شمس الدين محمد بن بركات ، رحمه الله.
24 - شمس الدين أبو محمد عبد الله المقدسي ، رحمه الله.
25 - الشيخ نجم الدين بن العسقلاني.
26 - جمال الدين أبو العباس أحمد بن القلانسي ، رحمه الله.
27 - الشيخ عمر بن أبي بكر البسطي ، رحمه الله.
28 - ضياء الدين عبد الله الزربندي النحوي ، رحمه الله.
29 - أبو الحسن علي بن محمد بن المنتزه ، رحمه الله.
30 - الشيخ محمد بن الزراد ، رحمه الله.
4 - تلاميذه :
1 - الحافظ علاء الدين بن حجي الشافعي ، رحمه الله.
2 - محمد بن محمد بن خضر القرشي ، رحمه الله.
3 - شرف الدين مسعود الأنطاكي النحوي ، رحمه الله.
4 - محمد بن أبي محمد بن الجزري ، شيخ علم القراءات ، رحمه الله.
5 - ابنه محمد بن إسماعيل بن كثير ، رحمه الله.
6 - الإمام ابن أبي العز الحنفي ، رحمه الله.
7 - الحافظ أبو المحاسن الحسَيني ، رحمه الله.

(1/14)


5 - مؤلفاته :
أ - في علوم القرآن :
1 - تفسير القرآن العظيم : وسيأتي الكلام عليه في المبحث الثاني إن شاء الله تعالى.
2 - فضائل القرآن : وهو ملحق بالتفسير في النسخة البريطانية ، والنسخة المكية ، وقد اعتمدت إلحاقه بالتفسير لقرب موضوعه من التفسير ؛ ولأن هاتين النسختين هما آخر عهد ابن كثير لتفسيره.
وقد طبعت مفردة بتحقيق الأستاذ محمد البنا في مؤسسة علوم القرآن ببيروت.
ب - في السنة وعلومها :
3 - أحاديث الأصول.
4 - شرح صحيح البخاري.
5 - التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والمجاهيل : منه نسخة بدار الكتب المصرية برقم (24227) في مجلدين ، وهي ناقصة ولديَّ مصورة عنها.
6 - اختصار علوم الحديث : نشر بمكة المكرمة سنة (1353 هـ) بتحقيق الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ، ثم شرحه الشيخ أحمد شاكر ، رحمه الله ، وطبع بالقاهرة سنة (1355 هـ).
7 - جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن : منه نسخة بدار الكتب المصرية برقم (184) حديث ، ونشره مؤخرًا الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي ، وطبع بدار الكتب العلمية ببيروت.
8 - مسند أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه.
9 - مسند عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : نشره الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي ، وطبع بدار الوفاء بمصر.
10 - الأحكام الصغرى في الحديث.
11 - تخريج أحاديث أدلة التنبيه في فقه الشافعية.
12 - تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب : طبع مؤخرًا بتحقيق الكبيسي ، ونشر في مكة.
13 - مختصر كتاب "المدخل إلى كتاب السنن" للبيهقي.
14 - جزء في حديث الصور.
15 - جزء في الرد على حديث السجل.
16 - جزء في الأحاديث الواردة في فضل أيام العشرة من ذي الحجة.
17 - جزء في الأحاديث الواردة في قتل الكلاب.
18 - جزء في الأحاديث الواردة في كفارة المجلس.

(1/15)


جـ - في الفقه وأصوله :
19 - الأحكام الكبرى.
20 - كتاب الصيام.
21 - أحكام التنبيه.
22 - جزء في الصلاة الوسطى.
23 - جزء في ميراث الأبوين مع الإخوة.
24 - جزء في الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها.
25 - جزء في الرد على كتاب الجزية.
26 - جزء في فضل يوم عرفة.
27 - المقدمات في أصول الفقه.
د - في التاريخ والمناقب :
28 - البداية والنهاية : مطبوع عدة طبعات في مصر وبيروت ، أحسنها الطبعة التي حققها الدكتور علي عبد الستار وآخرون.
والنهاية مطبوع في مصر بتحقيق أحمد عبد العزيز.
29 - جزء مفرد في فتح القسطنطينية.
30 - السيرة النبوية : مطبوع باسم الفصول في سيرة الرسول بدمشق.
31 - طبقات الشافعية : منه نسخة في شستربيتى بإيرلندا ، وقد طبع مؤخرًا في مصر.
32 - الواضح النفيس في مناقب محمد بن إدريس : منه نسخة في شستربيتى بإيرلندا.
33 - مناقب ابن تيمية.
34 - مقدمة في الأنساب.
6 - ثناء العلماء عليه :
كان ابن كثير ، رحمه الله ، من أفذاذ العلماء في عصره ، أثنى عليه معاصروه ومن بعدهم الثناء الجم :
فقد قال الحافظ الذهبي في طبقات شيوخه : "وسمعت مع الفقيه المفتي المحدِّث ، ذى الفضائل ، عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الشافعي.. سمع من ابن الشحنة وابن الزراد وطائفة ، له عناية بالرجال والمتون والفقه ، خرَّج وناظر وصنف وفسر وتقدم" (1).
وقال عنه أيضًا في المعجم المختص : "الإمام المفتي المحدِّث البارع ، فقيه متفنن ، محدث متقن ، مفسر نقال" (2).
__________
(1) طبقات الحفاظ للذهبي (4/ 29) وعمدة التفسير لأحمد شاكر (1/ 25)
(2) المعجم المختص للذهبي.

(1/16)


وقال تلميذه الحافظ أبو المحاسن الحسيني : "صاهر شيخنا أبا الحجاج المزي فأكثر ، وأفتى ودرس وناظر ، وبرع في الفقه والتفسير والنحو وأمعن النظر في الرجال والعلل" (1).
وقال العلامة ابن ناصر الدين : "الشيخ الإمام العلامة الحافظ عماد الدين ، ثقة المحدثين ، عمدة المؤرخين ، علم المفسرين" (2).
وقال ابن تغري بردي : "لازم الاشتغال ، ودأب وحصل وكتب وبرع في الفقه والتفسير والفقه والعربية وغير ذلك ، وأفتى ودرس إلى أن توفى" (3).
وقال ابن حجر العسقلاني : "كان كثير الاستحضار ، حسن المفاكهة ، سارت تصانيفه في البلاد في حياته ، وانتفع الناس بها بعد وفاته" (4).
وقال ابن حبيب : "إمام روى التسبيح والتهليل ، وزعيم أرباب التأويل ، سمع وجمع وصنف ، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف ، وحدث وأفاد ، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد ، واشتهر بالضبط والتحرير ، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ ، والحديث والتفسير" (5).
وقال العيني : "كان قدوة العلماء والحفاظ ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ ، وسمع وجمع وصنف ، ودرس ، وحدث ، وألف ، وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والتاريخ ، واشتهر بالضبط والتحرير ، وانتهى إليه رياسة علم التاريخ والحديث والتفسير وله مصنفات عديدة مفيدة" (6).
وقال تلميذه ابن حجي : "أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث ، وأعرفهم بجرحها ورجالها وصحيحها وسقيمها ، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك ، وكان يستحضر شيئا كثيرا من الفقه والتاريخ ، قليل النسيان ، وكان فقيها جيد الفهم ، ويشارك في العربية مشاركة جيدة ، ونظم الشعر ، وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه" (7).
وقال الداودي : "أقبل على حفظ المتون ، ومعرفة الأسانيد والتعلل والرجال والتاريخ حتى برع في ذلك وهو شاب" (8).
7 - وفاته ورثاؤه :
في يوم الخميس السادس والعشرين من شهر شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة توفي الحافظ ابن كثير بدمشق ، ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية ، رحمه الله.
وقد ذكر ابن ناصر الدين أنه "كانت له جنازة حافلة مشهودة ، ودفن بوصية منه في تربة شيخ الإسلام ابن تيمية بمقبرة الصوفية".
وقد قيل في رثائه ، رحمه الله :
لفقدك طلاب العلوم تأسفوا... وجادوا بدمع لا يبير غزير
ولو مزجوا ماء المدامع بالدما... لكان قليلا فيك يا بن كثير
__________
(1) ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني ص 58 ، وعمدة التفسير لأحمد شاكر (1/ 26).
(2) الرد الوافر.
(3) النجوم الزاهرة (11/ 123).
(4) الدرر الكامنة.
(5) شذرات الذهب لابن العماد (6/ 232).
(6) النجوم الزاهرة (11/ 123).
(7) شذرات الذهب لابن العماد (6/ 232).
(8) طبقات المفسرين.

(1/17)


المبحث الثاني
كتاب تفسير القرآن العظيم
1 - تاريخ كتابته :
لم يحدد الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، تاريخ بدايته في كتابة هذا التفسير ولا تاريخ انتهائه منه ، لكن ثمة دلائل تدل على تاريخ انتهائه منه ، فإنه ذكر عند تفسير سورة الأنبياء شيخه المزي ودعا له بطول العمر مما يفهم منه أنه قد ألف أكثر من نصف التفسير في حياة شيخه المزي المتوفى سنة (742 هـ).
واقتبس منه الإمام الزيلعي في كتابه تخريج أحاديث الكشاف (2 - 180) والزيلعي توفي سنة (762 هـ) ، مما يدل على أن كتاب الحافظ ابن كثير انتشر في هذه الفترة.
هذا وتعتبر النسخة المكية أقدم النسخ التي وقعت بأيدينا ، وقد جاء بآخرها : "آخر كتاب فضائل القرآن وبه تم التفسير للحافظ العلامة الرحلة الجهبذ مفيد الطالبين الشيخ عماد الدين إسماعيل الشهير بابن كثير ، على يد أفقر العباد إلى الله الغني محمد بن أحمد بن معمر المقري البغدادي ، عفا الله عنه ونفعه بالعلم ، ووفقه للعمل به آمين.... بتاريخه يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة من سنة تسع وخمسين وسبعمائة هلالية هجرية".
2 - أهميته :
يعد تفسير الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، من الكتب التي كتب الله لها القبول والانتشار ، فلا تكاد تخلو منه اليوم مكتبة سواء كانت شخصية أو عامة.
وقد نهج الحافظ ابن كثير فيه منهجًا علميًا أصيلا وساقه بعبارة فصيحة وجمل رشيقة ، وتتجلى لنا أهمية تفسير الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، في النقاط التالية : 1 - ذكر الحديث بسنده.
2 - حكمه على الحديث في الغالب.
3 - ترجيح ما يرى أنه الحق ، دون التعصب لرأي أو تقليد بغير دليل.
4 - عدم الاعتماد على القصص الإسرائيلية التي لم تثبت في كتاب الله ولا في صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وربما ذكرها وسكت عليها ، وهو قليل.
5 - تفسيره ما يتعلق بالأسماء والصفات على طريقة سلف الأمة ، رحمهم الله ، من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل.
6 - استيعاب الأحاديث التي تتعلق بالآية ، فقد استوعب ، رحمه الله ، الأحاديث الواردة في عذاب القبر ونعيمه عند قوله تعالى : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ }

(1/18)


وكذا استوعب أحاديث الإسراء والمعراج عند قوله تعالى : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } وكذا الأحاديث الواردة في الصلاة على النبي عند قول الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } وكذا الأحاديث الواردة في فضل أهل البيت عند تفسير قوله تعالى : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } وغير هذا كثير (1).
وقد قال السيوطي في ترجمة الحافظ ابن كثير : "له التفسير الذي لم يؤلف على نمط مثله".
وقال الشوكاني : "وله تصانيف ، منها التفسير المشهور وهو في مجلدات ، وقد جمع فيه فأوعى ، ونقل المذاهب والأخبار والآثار ، وتكلم بأحسن كلام وأنفسه ، وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها".
3 - مصادره :
أما مصادر الحافظ ابن كثير في تفسيره فقد سردها الدكتور إسماعيل عبد العال في كتابه " ابن كثير ومنهجه في التفسير" أنقلها هنا حسب ترتيب المواضيع :
أولا الكتب السماوية :
1 - القرآن الكريم.
2 - التوراة ، وأشار أنه نقل من نسختين.
3 - الإنجيل.
ثانيا : في التفسير وعلوم القرآن :
أ - في التفسير :
4 - تفسير آدم بن أبي إياس ، المتوفى سنة / 220 هـ أو 221 هـ.
5 - تفسير أبي بكر بن المنذر ، المتوفى سنة / 318 هـ 0
6 - تفسير ابن أبي حاتم ، المتوفى سنة /223 هـ/. (ط) قسم منه.
7 - تفسير أبو مسلم الأصبهاني (محمد بن بحر) ، المتوفى سنة /322 هـ ، واسم كتابه : "جامع التأويل لمحكم التنزيل".
8 - تفسير ابن أبي نجيح (عبد الله بن يسار الأعرج المكي مولى ابن عمر).
9 - تفسير البغوي (أبو محمد الحسن بن مسعود بن محمد الفراء) ، المتوفى سنة 516 ، واسم كتابه (معالم التنزيل). (ط).
10 - تفسير ابن تيمية (تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم) ، المتوفى سنة 728 هـ ، وهو جزء في تفسير قوله تعالى : { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } (ط).
__________
(1) مقدمة الشيخ مقبل الوادعي (ص 5).

(1/19)


11 - تفسير الثعلبي (أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق النيسابوري) ، المتوفى سنة 427 هـ (مخطوط) في المكتبة المحمودية.
12 - تفسير الجبائي (أبي علي) المتوفى سنة 303 هـ.
13 - تفسير ابن الجوزي (عبد الرحمن بن علي) ، المتوفى سنة 597 هـ ، واسم الكتاب (زاد المسير في علم التفسير) وهو مخطوط بدار الكتب تحت رقم 123 تفسير في أربعة مجلدات. (ط).
14 - تفسير ابن دحيم ( أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم) ، المتوفى سنة 319 هـ.
15 - تفسير الرازي (محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري أبو عبد الله المشهور بفخر الدين الرازي) ، المتوفى سنة 606 هـ ، وكتابه يسمى "التفسير الكبير" المشهور بمفاتيح الغيب. (ط).
16 - تفسير الزمخشري (جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الخوارزمي) ، المتوفى سنة 538 هـ وكتابه يدعى (الكشاف عن حقائق التنزيل ، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل). (ط).
17 - تفسير السدي الكبير ، المتوفى سنة 137 هـ - 745 م.
18 - تفسير سنيد بن داود ، المتوفى سنة 226 هـ.
19 - تفسير شجاع بن مخلد ، المتوفى سنة 235 هـ.
20 - تفسير الطبري ، المتوفى سنة 310 هـ (ط).
21 - تفسيرعبد بن حميد ، المتوفى سنة 249 هـ.
22 - تفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، المتوفى سنة 182 هـ.
23 - تفسير عبد الرزاق الصنعاني ، المتوفى سنة 211 هـ. (ط).
24 - تفسير ابن عطية العوفي ، المتوفى سنة 111 هـ.
25 - تفسير القرطبي (أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي) ، المتوفى سنة 671 هـ ، وتفسيره يسمى "الجامع لأحكام القرآن الكريم". (ط).
26 - تفسير مالك بن أنس إمام دار الهجرة ، وهو جزء مجموع له.
27 - تفسير الماوردي (أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب) ، المتوفى سنة 450 هـ ، واسم تفسيره "النكت والعيون".
28 - تفسير ابن مردويه.
29 - تفسير الواحدي (علي بن أحمد بن محمد بن علي أبي الحسن) ، المتوفى سنة 468 هـ. (ط) الوسيط.
30 - تفسير وكيع بن الجراح ، المتوفى سنة 197 هـ.

(1/20)


ب - في علوم القرآن :
31 - "البيان" لأبي عمرو الداني (الحافظ أبي عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد المعروف بالداني (371 - 444 هـ) ، وهو حافظ محدث مفسر ، واسم الكتاب "جامع البيان في القراءات السبع" وهو من أحسن مصنفاته يشتمل على نيف وخمسمائة رواية وطريق ، قيل : إنه جمع فيه كل مايعلمه في هذا العلم.
32 - "التبيان" لأبي زكريا النواوي (محيي الدين يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة 677 هـ) ، أما اسم الكتاب فهو "التبيان في آداب حملة القرآن" ، وقد رتب على عشرة أبواب ثم اختصره ، وسماه "مختار التبيان" (ط).
33 - جزء فيمن جمع القرآن من المهاجرين للحافظ ابن السمعاني القاضي أبي سعيد عبد الكريم بن أبي بكر ، محمد بن أبي المظفر المنصور التميمي المروزي ، المتوفى سنة 512 هـ.
34 - جميع مصاحف الأئمة.
35 - شرح الشاطبية للشيخ شهاب الدين أبي شامة (عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الدمشقي المتوفى سنة 665 هـ).
36 - فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام ، المتوفى سنة 224 هـ. (ط).
37 - مصحف أبيّ بن كعب ، وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن (زيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبو زيد الأنصاري) ، وقد توفى أبيّ سنة 19 هـ وقيل 20 أو 22 أو 23.
38 - معاني القرآن للزجاج (أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج المتوفى سنة 311 هـ). (ط).
39 - الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد القاسم بن سلام. (ط).
ثالثا : كتب السنة وعلوم الحديث وشروحه :
أ - الكتب الستة مضافًا إليها مسند أحمد بن حنبل :
40 - الجامع الصحيح للإمام البخاري. (ط).
41 - صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ، المتوفى سنة (261 هـ - 875 م). (ط).
42 - سنن أبي داود (سليمان بن الجارود بن الأشعث الأزدي السجستاني) ، المتوفى سنة ( 275 هـ 889 م). (ط).
43 - سنن الترمذي (الجامع) لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سهل الترمذي ، المتوفى (279 هـ - 892 م). (ط).
44 - سنن النسائي (أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي) ، المتوفى سنة 303 هـ ، 915 م. (ط).
45 - سنن ابن ماجه (أبي عبد الله محمد بن يوسف بن ماجه القزويني) ، المتوفى سنة 327 هـ - 886 م. (ط).

(1/21)


46 - مسند الإمام أحمد بن حنبل (أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الذهلي) ، المتوفى 241 هـ - 855 م ، وصاحب المذهب الحنبلي المشهور. (ط).
ب - بقية كتب السنة وعلوم الحديث وشروحه :
47 - أحاديث الأصول للحافظ ابن كثير.
48 - الأحوذي في شرح الترمذي للإمام أبي بكر محمد بن العربي ، المتوفى سنة 543 هـ ، واسم الكتاب (عارضة الأحوذي في شرح الترمذي). (ط).
49 - الأسماء والصفات للبيهقي (أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي) ، المتوفى سنة 453 هـ ، والكتاب يتضمن الأحاديث الواردة في أسماء الله تعالى وصفاته وهو مطبوع بمطبعة أنوار أحمدي بالهند سنة 1313 هـ.
50 - الأربعين الطائية لأبي الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي الهمداني ، المتوفى سنة 555 هـ. وقد ذكر فيه أنه أملى أربعين حديثا من مسموعاته عن أربعين شيخا ، كل حديث عن واحد من الصحابة ، فذكر ترجمته وفضائله ، وأورد عقيب كل حديث بعض ما اشتمل عليه من الفوائد ، وشرح غريبه وأتبع بكلمات مستحسنة وسماه (الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل اليقين).
51 - الأطراف لأبي الحجاج المزي. (ط) باسم تحفة الأشراف.
52 - الأفراد للدارقطني (أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني الشافعي) المولود في دار قطن من محال بغداد (306 هـ - 918 م) والمتوفى (385 هـ - 995 م) أما اسم الكتاب فهو : (فوائد الأفراد).
53 - الأمالي لأحمد بن سليمان النجاد (أبي بكر أحمد بن سليمان بن الحسن الحنبلي المعروف بالنجاد ، فقيه محدث) ، توفى 348 هـ - 960 م ، ويبدو أن كتابه هذا هو ما أملاه في دروسه التي كان يعقدها بعد صلاة الجمعة (وكانت له حلقتان في جامع المنصور : حلقة قبل الصلاة للفتوى على مذهب الإمام أحمد ، وبعد الصلاة لإملاء الحديث ، واتسعت رواياته وانتشرت أحاديثه ومصنفاته ، وكان رأسا في الفقه رأسا في الحديث).
54 - الأنواع والتقاسيم في الحديث لابن حبان (الحافظ محمد بن أحمد بن حبان البستي) المولود في بست من نواحي سجستان بين هراه وغزنة ، والمتوفى (354 هـ 965 م) (ط) بترتيب الفارسي.
55 - الثقات لابن حبان. (ط).
56 - جامع الأصول لابن الأثير (المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري المتوفى 606 هـ) أما الكتاب فهو (جامع الأصول من أحاديث الرسول) جمع فيه ابن الأثير الأصول الستة : البخاري ، ومسلم ، والموطأ ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، وله مختصر يسمى (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) لابن الديبع الشيباني ، المتوفى سنة 944 هـ وهو مطبوع بالمكتبة التجارية بتحقيق الشيخ حامد الفقي ، وبتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط.

(1/22)


57 - جامع الثوري (سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري) ، المتوفى سنة 161هـ وجامعه يسمى (الجامع الكبير) يجرى مجرى الحديث رواه عنه جماعة منهم يزيد بن أبي حكيم وعبد الله بن الوليد ، وله أيضًا (كتاب الجامع الصغير وكتاب الفرائض).
58 - الجامع لآداب الراوي والسامع : للخطيب البغدادي (أبي أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب) ، البغدادي والمتوفى سنة 463 هـ. (ط).
59 - جامع المسانيد لابن الجوزي.
60 - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم. (ط).
61 - جزء في الأحاديث التي تنهى عن إتيان النساء في أدبارهن للذهبي.
62 - جزء في الأحاديث الواردة في الاستغفار للدارقطني.
63 - جزء في الأحاديث الواردة في فضل الأيام العشرة من ذي الحجة لابن كثير.
64 - جزء في الأحاديث الواردة في كفارة المجلس لابن كثير.
65 - جزء في حديث الصور لابن كثير أيضًا.
66 - جزء في الرد على حديث السجل لابن كثيركذلك.
67 - الخلافيات للبيهقي. قال السبكي في طبقات الشافعية : (وأما كتاب الخلافيات فلم يسبق إلى نوعه ، ولم يصنف مثله ، وهو طريقة مستقلة حديثة لا يقدر عليها إلا مبرز في الفقه والحديث قيم بالنصوص). (ط).
68 - دلائل النبوة لأبي زرعة الرازي (عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد فروخ الرازي (أبي زرعة) محدث حافظ ، توفى (264 هـ - 878 م).
69 - دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (أحمد بن عبد الله الأصبهاني) ، المتوفى سنة 420 هـ ، صاحب حلية الأولياء ، وكتابه ذاك ثلاثة أجزاء ، ذكر منها مؤلفها الأحاديث الواردة في شأن النبي صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بحياته ونشأته وبعثته وزواجه وغزواته إلخ. وهو مطبوع بمطبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن بالهند سنة 1320 هـ.
70 - دلائل النبوة للبيهقي ، وموضوعه كسالفه. (ط).
71 - السنة للطبراني ، (أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني) صاحب المعاجم الثلاثة (الكبير والأوسط والأصغر) (260 - 360 هـ).
72 - السنن لأبي بكر بن عاصم (الحافظ أحمد بن عمر الشيباني) ، المتوفى 287 هـ. (ط).
73 - سنن أبي بكر الأثرم ، (من أصحاب أحمد بن حنبل واسمه أحمد بن محمد بن هاني ويكنى أبا بكر) ، له من الكتب كتاب السنن في الفقه على مذهب أحمد وشواهده من الحديث ، وكتاب التاريخ وكتاب العلل وكتاب الناسخ والمنسوخ في الحديث.
74 - سنن أبي بكر البيهقي. (ط).

(1/23)


75 - سنن الدارقطني. (ط).
76 - سنن سعيد بن منصور الخراساني ، المتوفى 227 هـ ، وله تفسير كما ذكر الثعلبي في الكشف (ط) قسم منه.
77 - شرح البخاري للحافظ ابن كثير ، وهو من الكتب المفقودة.
78 - شرح مسلم للنووي. (ط).
79 - صحيح ابن خزيمة (محمد بن إسحاق النيسابوري) ، المتوفى سنة 311 هـ. (ط). قسم منه.
80 - علل الخلال (أبي بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي المعروف بالخلال) ، المتوفى 311 هـ. (ط).
81 - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (الحافظ أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي) ، المتوفى 0 26 هـ 971 م. (ط).
82 - المختارة للضياء المقدسي ، واسمه "الأحاديث المختارة" يقول ابن كثير في كتابه (اختصار علوم الحديث) : (وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في ذلك كتابا سماه (المختارة) ، ولم يتم ، وكان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم والله أعلم) ، وعلق الشيخ شاكر على هذا فقال : كأنه يعني شيخه الحافظ ابن تيمية ، رحمه الله ، وقال السيوطي في اللآلئ : (ذكر الزركشي في تخريج الرافعي أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الترمذي وابن حبان) وقال ابن كثير في البداية والنهاية : (وهي أجود من مستدرك الحاكم لو كمل). (ط) قسم منه.
83 - المراسيل لأبي داود. (ط).
84 - المستخرج على البخاري للحافظ أبي بكر البرقاني (أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي) ، المتوفى 425 هـ.
85 - المستخرج على الصحيحين للضياء المقدسي.
86 - مستدرك الحاكم للنيسابوري (أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن حمد بن نعيم الضبي النيسابوري الشهير بالحاكم وبابن البيع) ، المتوفى 404 هـ ، وكتابه يسمى (المستدرك على الصحيحين) ، وفيه يدافع الحاكم عن كثير من الأحاديث التي لم يدخلها البخاري ومسلم في صحيحيهما ويبرهن على أنها مستكملة لشروطهما تمامًا وإن عدلا عن ضمها إلى كتابيهما. (ط).
87 - مسند أبي بكر البزار (أحمد بن عمرو البصري البزار) ، المتوفى 291 هـ أو 292. (ط). قسم منه.
88 - مسند أبي بكر الحميدي (الحافظ عبد الله بن الزبير المكي) ، المتوفى 219 هـ. (ط).
89 - مسند أبي بكر الصديق لابن كثير.

(1/24)


90 - مسند أبي داود الطيالسي ، سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي الفارسي مولى بني الزبير المتوفى 202 هـ ، وقيل 204 هـ ، والكتاب مطبوع بحيدر آباد بالهند سنة 1321هـ.
91 - مسند أبي يعلى الموصلي (الحافظ أحمد بن علي بن المثنى الموصلي) ، المتوفى 307 هـ - 918 م. (ط).
92 - مسند الحارث بن أبي أسامة (أبي محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التهيمي البغدادي) 186 - 282 هـ.
93 - مسند الدارمي (عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي ، شيخ مسلم وأبي داود والترمذي) ، المتوفى 255 هـ - 869 م ، وقد نشر الكتاب في حيدر آباد سنة 1309 هـ ، وفي دلهى سنة 1337 هـ.
94 - مسند الشافعي (الإمام الكبير صاحب المذهب المعروف باسمه محمد بن إدريس الشافعي) المولود (150 هـ - 767 م) والمتوفى (204 هـ - 820 م) (ط).
95 - مسند ابن عباس رضي الله عنه ، الجزء الثاني منه للحافظ أبي يعلى الموصلي.
96 - مسند عبد بن حميد.
97 ، 98 - مسند عمر بن الخطاب للحافظ ابن كثير. (ط).
99 - المسند الكبير لابن كثير (واسمه جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن). (ط).
100 - مسند محمد بن يحيى العبدي (الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده بن الوليد العبدي) ، المتوفى 395 هـ - 1005 م.
101 - مسند الهيثم بن كليب (ابن شريح الشاشي أبي سعيد) ، المتوفى 335 هـ - 945 م وكتابه يسمى (المسند الكبير في الحديث) في مجلدين. (ط) قسم منه.
102 - مشكل الحديث لأبي جعفر الطحاوي (أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري الطحاوي) ، المتوفي 321 ، وقيل : 322 هـ. (ط).
103 - مشكل الحديث لابن قتيبة (عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبي محمد) ، 213 - 276 هـ. (ط).
104 - مصنف عبد الرزاق الصنعاني. (ط).
105 - المطولات للطبراني. (ط).
106 - معجم أبي العباس الدغولي ، المتوفى (325 هـ - 937 م) (أبي العباس محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السرخسي الدغولي).
107 - معجم أبي القاسم البغوي (عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، ويعرف بابن بنت منيع) المتوفى 317 هـ ، وله المعجم الكبير والمعجم الصغير وكتاب السنن على مذاهب الفقهاء.
108 - المعجم الكبير للطبراني. (ط).

(1/25)


109 - الموضوعات لأبي الفرج الجوزي. قال ابن كثير عنه : (وقد صنف الشيخ أبو الفرج الجوزي كتابًا حافلا في الموضوعات غير أنه أدخل فيه ما ليس منه وخرج عنه ما كان يلزمه ذكره فسقط عليه ولم يهتد إليه). (ط) الصغرى منه.
110 - الموطأ للإمام مالك. (ط).
111 - نوادر الأصول للترمذي واسم الكتاب كاملا (نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول) لأبي عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي. (ط). مجردا عن الأسانيد.
رابعا : مصادره في الفقه وأصوله :
112 - الأحكام الكبرى للحافظ ابن كثير.
113 - الإرشاد في أصول الفقه لإمام الحرمين الجويني أبي المعالى عبد الملك بن عبد الله بن يوسف المتوفى 478 هـ. (ط).
114 - الاستذكار لأبي عمر بن عبد البر (يوسف بن عبد البر النمري القرطبي الأندلسي) ، المتوفى 643. (ط).
115 - الإملاء للإمام الشافعي.
116 - الأم للإمام الشافعي. (ط).
117 - الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها لأبي عبيد القاسم بن سلام. (ط).
118 - الإيجاز في علم الفرائض لابن اللبان (أبي الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان المصري) ، المتوفى 402 هـ.
119 - الإيضاح لأبي علي الطبري (أبي علي الحسن بن القاسم الطبري الشافعي) ، المتوفى 305 هـ ، واسم الكتاب (الإيضاح في الفروع).
120 - الحواشي للمنذري (للحافظ عبد العظيم بن عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري زكي الدين أبي محمد محدث فقيه).
121 - جزء في تطهير المساجد لابن كثير.
122 - جزء في الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها.
123 - جزء في فضل يوم عرفة لابن كثير.
124 - جزء في الميراث لابن كثير.
125 - الشامل للصباغ (واسمه الشامل في فروع الشافعية) لأبي نصر عبد السيد بن محمد المعروف بابن الصباغ الشافعي ، المتوفى 477 هـ ، قال ابن خلكان : وهو من أجود كتب الشافعية وأصحها نقلا.
126 - شرح المهذب للنووي. قال ابن كثير : (اعتنى - النووي - بالتصنيف فجمع شيئًا كثيرًا ، منها ما أكمله ، ومنها ما لم يكمله ، فما كمل شرح مسلم والروضة ، والمنهاج ، والرياض ، والأذكار ،

(1/26)


والتبيان ، وتحرير التنبيه وتصحيحه وتهذيب الأسماء واللغات وطبقات الفقهاء وغير ذلك. ومما لم يتمه - ولو كمل لم يكن له نظير في بيان : شرح المهذب الذي سماه (المجموع) وصل فيه إلى كتاب الربا فأبدع فيه وأجاد ، وأفاد وأحسن الانتقاء وحرر الفقه فيه في المذهب وغيره وحرر الحديث على ما ينبغي. (ط).
127 - الشرح الكبير للرافعي ( أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني الرافعي) ، المتوفى سنة 623 هـ ، وكتابه يسمى : (العزيز في شرح الوجيز) وله أيضًا الشرح الصغير) و (المحرر) و (شرح مسند الشافعي). (ط).
128 - الصلاة للمروزي (أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي) كان من أشهر المحدثين في زمانه) ، توفى 294 هـ - 906 م. (ط).
129 - الصيام لابن كثير.
130 - العبادة للكامل الهذلي (أبي القاسم يوسف بن علي بن جبارة بن محمد الهذلي المغربي المتوفى 465 هـ - 1074 م).
131 - العدة للرافعي.
132 - فضائل الأوقات للبيهقي.
133 - فضائل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأحمد بن فارس اللغوي ، أبي الحسين القزويني ، المتوفى (395 هـ - 1004) م.
134 - فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للقاضي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأذري أبي إسحاق ، المتوفى 282 هـ - 896 م. (ط).
135 - كتاب جمعه الذهبي في الكبائر. (ط).
136 - كتاب لابن تيمية في إبطال التحليل تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل. (ط). ضمن الفتاوى.
137 - كشف الغطا في تبيين الصلاة الوسطى للحافظ أبي محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي.
138 - المحلى لابن حزم ( أبي محمد بن حزم علي الظاهري) ، المتوفى 456 هـ. (ط).
139 - المختصر للإمام الشافعي.
140 - مصنف للإمام أبي عبد الله البخاري في مسألة القراءة خلف الإمام. (ط).
141 - المقدمات لابن كثير.
142 - النهاية للإمام الجويني ، واسم الكتاب (نهاية المطلب في دراية المذهب).
143 - الياسق لجنكيزخان المتوفى (624 هـ) والكتاب عبارة عن أحكام اقتبست من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك وكان دستور التتار.

(1/27)


خامسا : في التاريخ والسير والتراجم :
144 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر. (ط).
145 - أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير. (ط).
146 - أسماء الصحابة للحافظ أبي نعيم الأصبهاني.
147 - الإكليل للهمذاني (أبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمذاني اليمني) ، المتوفى سنة 334 هـ ، والكتاب يسمى "الأكامل في أنساب حمير وأيام ملوكها" وهو كتاب عظيم الفائدة يتم في عشر مجلدات ، ويشتمل على عشرة متون.
148 - البداية والنهاية لابن كثير. (ط).
149 - تاريخ الخطيب للبغدادي. ( ط).
150 - تاريخ ابن عساكر (علي بن الحسن) ، المتوفى سنة 571 هـ. (مخطوط).
151 - التاريخ الكبير للإمام البخاري. (ط).
152 - تاريخ مكة للأزرقي (أبي الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي) ، توفى بعد سنة 244 هـ بقليل. (ط).
153 - تهذيب الأسماء واللغات للنووي "جمع فيه الأسماء والألفاظ الموجودة في كتب : مختصر أبي إبراهيم المزني ، والمهذب ، والتنبيه ، والوسيط ، والوجيز ، والروضة ، وهو الكتاب الذي اختصرته من شرح الوجيز للإمام أبي القاسم الرافعي". (ط).
154 - التنوير في مولد السراج المنير للحافظ أبي الخطاب عمر بن دحية (عمر بن الحسن بن علي بن محمد بن دحية الكلبي الأندلسي الظاهري المذهب "مجد الدين - أبي الخطاب - أبي الفضل - أبي حفص" ، المحدث الحافظ ، المتوفى 632 هـ - 1235 م).
155 - جزء في فتح القسطنطينية للحافظ ابن كثير.
156 - الروض الأنف للسهيلي (عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي) ، المتوفى 581 هـ - 1185م ، وكتابه يدعى "الروض الأنف الباسم" في شرح السيرة. (ط).
157 - سيرة عمر بن الخطاب لابن كثير.
158 ، 159 - السيرة لابن كثير (مطولة وموجزة). (ط).
160 - سيرة الفقهاء للفقيه يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي أبي زكريا من أهل قرطبة بالأندلس.
161 - الشفاء للقاضي عياض اليحصبي ، المتوفى (544 هـ - 1149 م). (ط).
162 - الطبقات الكبرى لابن سعد (أبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع) تلميذ الواقدي ومساعده ، فلقب من أجل ذلك ، كان الواقدي توفي (0 23 هـ 845 م). (ط).
163 - معرفة الصحابة لابن منده (أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد المعروف بابن منده ، حفيد أبي عبد الله محمد بن يحيى).

(1/28)


164 - معرفة الصحابة للموصلي (الحافظ أبي يعلى الموصلي).
165 - مغازي الأموي سعيد بن يحيى الأموي.
166 - مغازي عبد الله بن لهيعة ، المتوفى (174 هـ 790م).
167 - المغازي لمحمد بن إسحاق بن يسار ، صاحب السيرة ، المتوفى (150 أو ؟ هـ). (ط) قسم منه.
168 - المغازي لموسى بن عقبة بن أبي العباس الأسدي ، المتوفى سنة 141 هـ.
169 - (نهاية البداية والنهاية) لابن كثير ، وقد ذكره بقوله (كتاب في التحذير من الفتن). (ط).
سادسا : في علوم اللغة :
170 - الجمل لابن القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي.
171 - الزاهر لابن الأنباري (أبي بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار المشهور بابن الأنباري المتوفى 228 هـ). (ط).
172 - الصحاح لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري ، المتوفى 393 هـ وقيل : 398 أو 400 هـ. (ط).
173 - الغريب لأبي عبيد القاسم بن سلام. (ط).
هذه أربعة كتب في علوم اللغة ، منها ما ذكر مرة واحدة "كالزاهر" لابن الأنباري ، ومنها ما ذكر كثيرًا كالغريب والصحاح : أما "الجمل" فكان يرجع إليه ابن كثير إذا احتاج إليه في مسألة نحوية أو تركيب لغوي.
سابعا : مصادر في موضوعات مختلفة :
174 - إثبات عذاب القبر للبيهقي.
175 - الأذكار للنسائي.
176 - الأذكار للنووي. (ط).
177 - الأذكار للمعري (الحسن بن علي بن شبيب بن المحدثين الفقهاء).
178 - الأذكار وفضائل الأعمال للحافظ ابن كثير.
179 - الأشراف على مذاهب الأشراف للوزير أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة ، المتوفى 560 هـ - 1165 م.
180 - الاعتقاد للبيهقي. (ط).
181 - الأنباه على ذكر أصول القبائل الرواة لابن عبد البر.
182 - الأهوال لابن أبي الدنيا (أبي بكر عبد الله أو عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي بالولاء) ، المتوفى 281 هـ - 894 م. (ط).
183 - التذكرة للقرطبي. (ط).
184 - التفكر والاعتبار لابن أبي الدنيا.

(1/29)


185 - التقوى لابن أبي الدنيا.
186 - التوحيد للإمام ابن إسحاق بن خزيمة.
187 - جزء في الإسراء والمعراج للحسن بن عرفة بن يزيد العبدي البغدادي (أبي علي) ، المحدث.
188 - جزء في دخول مؤمن الجن الجنة لابن كثير.
189 - جزء مجموع في الجراد لابن عساكر.
190 - خطبة لمروان بن الحكم.
191 - الخمول والتواضع لابن أبي الدنيا. (ط).
192 - ذم الطفيليين للخطيب البغدادي.
193 - ذم المسكر لابن أبي الدنيا. (ط).
194 - الرد على الجهمية للإمام أحمد بن حنبل. (ط).
195 - الرد على الجهمية للدارمي (عثمان بن سعيد بن خالد التميمي الدارمي (أبي سعيد) المتوفى 280 هـ - 894 م). (ط).
196 - الزهد لعبد الله بن المبارك ، ويكنى أبا عبد الرحمن ، المتوفى سنة 181 هـ. (ط).
197 - السابق واللاحق للخطيب البغدادي.
198 - السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم ، المنسوب لأبي عبد الله الرازي.
199 - صفة أهل الجنة للحافظ أبي عبد الله المقدسي.
200 - صفة العرش لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة ، المتوفى سنة 297 هـ.
201 - صفة النار للحافظ ابن كثير.
202 - العجائب الغريبة للحافظ محمد بن المنذر (أبي عبد الرحمن محمد بن المنذر بن سعيد بن عثمان السلمي المعروف بشكر).
203 - الفكاهة للزبير بن بكار (أبي عبد الله الزبير بن بكار بن أحمد بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير) ، المتوفى 256 هـ - 870 م.
204 - القبور لابن أبي الدنيا.
205 - القصد والأمم بمعرفة أصول أنساب العرب لابن عبد البر.
206 - كتاب في الروح للحافظ أبي عبد الله بن منده.
207 - ما قررته المجامع النصرانية سنة 400 هـ نقلا عن سعيد بن بطريق ، يعد من علماء النصارى.
208 - مسانيد الشعراء لابن مردويه.
209 - مساوئ الأخلاق (الجزء الثاني منه) لأبي بكر الخرائطي (محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي) ، المتوفى 327 هـ - 938 م. (ط).
210 - المستقصى للحافظ البهائي.

(1/30)


211 - المشهور في أسماء الأيام والشهور للشيخ علم الدين السخاوي. (علي بن محمد بن عبد الرحمن الهمذاني شيخ القراء بدمشق المتوفى 643 هـ).
212 - المعارف لابن قتيبة. (ط).
213 - مقدمة في الأنساب لابن كثير.
214 - مقصورة ابن دريد (أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد المتوفى سنة 321 هـ).
215 - مكارم الأخلاق للخرائطي. (ط).
216 - النسب للزبير بن بكار. (ط).
217 - نوادر الأصول للقرطبي.
هذه مصادر ابن كثير ، رحمه الله ، في تفسيره ، ومن خلال هذا العدد الهائل من المصادر يتضح لنا الجهد العظيم الذي بذله الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، في إخراج كتابه.
4 - رأيه في الإسرائيليات :
الحافظ ابن كثير ، رحمه الله له كلمات قوية في شأن الإسرائيليات وروايتها ، وتفسيره يعد من الكتب الخالية من الإسرائيليات ، اللهم إلا القليل الذي يحكيه ثم ينبه عليه ، والنادر الذي يسكت عنه ، وقد نبهت عليه في الحاشية.
ومن كلماته في الإسرائيليات (1)
قال في مقدمة تفسيره - بعد أن ذَكر حديثَ "بلّغُوا عنِّي ولو آيةً ، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَجَ ، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأْ مقعده من النار" - : "ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُُذكر للاستشهاد ، لا للاعتضاد. فإنها على ثلاثة أقسام : أحدها : ما علمنا صحتَه مما بأيدينا مما نشهدُ له بالصدق ، فذاك صحيح. والثاني : ما علمنا كذبَه بما عندنا مما يخالفه. والثالث : ما هو مسكوت عنه ، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل ، فلا نؤمِنُ به ولا نكذّبه ، وتجوزُ حكايتُه لما تقدّم. وغالبُ ذلك مما لا فائدة فيه تعودُ إلى أمرٍ دينيّ. ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا ، ويأتي عن المفسرين خلافٌ بسبب ذلك. كما يَذكرون في مثل أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم وعِدّتهم ، وعصا موسى من أيِّ شجر كانت ؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم ، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البقرة ، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن ، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. ولكن نقلُ الخلاف عنهم في ذلك جائز. كما قال تعالى : { سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } إلى آخر الآية [الكهف : 22].
وقال عند تفسير الآية : (50) من سورة الكهف - بعد أن ذكر أقوالا في "إبليس" واسمه ومن أيّ قبيلٍ هو ؟! - : "وقد رُوى في هذا آثار كثيرة عن السلف ، وغالبُها من الإسرائيليات التي تُنقل ليُنْظَر فيها ، والله أعلم بحال كثير منها ، ومنها ما قد يُقْطَع بكذبه ، لمخالفته للحقّ الذي بأيدينا.
__________
(1) استفدت هذه الكلمات من عمدة التفسير للشيخ أحمد شاكر (1/14 - 18) ومن كتاب "ابن كثير وتفسيره" للدكتور إسماعيل عبد العال (ص 228 - 232).

(1/31)


وفي القرآن غُنْيَةٌ عن كلّ ما عداه من الأخبار المتقدمة ؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان ، وقد وُضِعَ فيها أشياء كثيرة. وليس لهم من الحفّاظ المُتْقِنين الذين يَنْفُون عنها تحريفَ الغَالِين وانتحال المبطلين ، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء ، والسادة والأتقياء ، والبررة والنجباء ، من الجهابذة النقّاد ، والحُفَّاظ الجياد ، الذين دَوَّنوا الحديث وحَرَّرُوه ، وبيَّنوا صحيحَه من حَسَنه من ضعيفه ، من منكَره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه ، وعرفوا الوضَّاعِين والكذّابين والمجهولين ، وغير ذلك من أصناف الرجال. كلُّ ذلك صيانةً للجناب النبويّ والمقام المحمديّ ، خاتم الرسل وسيد البشر ، صلى الله عليه وسلم - أن يُنْسَب إليه كذبٌ أو يُحَدَّثَ عنه بما ليس منه. فرضي الله عنهم وأرضاهم ، وجَعَل جنّاتِ الفردوس مأواهم. وقد فَعَلَ".
وقال عند تفسير الآيات (51 - 56) من سورة الأنبياء ، بعد إشارته إلى حال إبراهيم ، عليه السلام ، مع أبيه ، ونظره إلى الكواكب والمخلوقات - : "وما قَصَّه كثيرٌ من المفسّرين وغيرهم ، فعَامّتُها أحاديثُ بني إسرائيل. فما وافقَ منها الحقّ مما بأيدينا عن المعصوم قَبِلْناه ، لموافقته الصحيح ، وما خالف منها شيئًا من ذلك ردَدْناه ، وما ليس فيه موافقةٌ ولا مخالفةٌ ، لا نصدّقه ولا نكذّبه ، بل نجعله وَقْفًا. وما كان من هذا الضَّرْبِ منها فقد رخَّص كثير من السلف في روايته. وكثيرٌ من ذلك مما لا فائدة فيه ، ولا حاصلَ له مما يُنْتَفَع به في الدّين. ولو كانت فائدتُه تعود على المكلَّفين في دينهم لبيَّنَتْه هذه الشريعةُ الكاملةُ الشاملةُ. والذي نَسْلُكُه في هذا التفسير الإعراضُ عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية ، لما فيها من تضييع الزمان ، ولما اشتَمل عليه كثيرٌ منها من الكذب المُرَوَّج عليهم. فإنهم لا تَفْرِقَةَ عندهم بين صحيحها وسقيمها. كما حَرّره الأئمةُ الحُفّاظ المُتْقِنُون من هذه الأمة".
وقال عند تفسير الآية : (102) من سورة البقرة : "وقد رُوي في قصة هاروتَ وماروتَ عن جماعة من التابعين ، كمجاهد والسُّدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والرَّبيع بن أنس ومقاتل ابن حيّان وغيرهم ، وقصَّها خلقٌ من المفسّرين ، من المتقدّمين والمتأخرين. وحاصلُها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل ، إذ ليس فيها حديثٌ مرفوع صحيح متّصلُ الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وظاهرُ سياق القرآن إجمالُ القصة من غير بسْطٍ ولا إطنابٍ فيها ، فنحن نؤمِن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى ، والله أعلم بحقيقة الحال".
وقال في أول سورة ق : "وقد رُوي عن بعض السلف أنهم قالوا : ق ، جبل مُحيطٌ بجميع الأرض ، يقال له جبل قاف!!! وكأنّ هذا - والله أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعضُ الناس ، لِمَا رأَى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدَّق ولا يُكَذَّب. وعندي أن هذا وأمثالَه وأشباهَه من اختلاقِ بعض زنادقتهم ، يَلْبِسُون به على الناس أمرَ دينهم. كما افْتُريَ في هذه الأمة - مع جلالة قدر علمائها وحُفّاظها وأئمتها - أحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وما بالعَهْدِ من قِدَمٍ. فكيف بأمةِ بني إسرائيل ، مع طول المَدَى ، وقلة الحُفَّاظ النُّقَّاد فيهم ، وشربهم الخمور ، وتحريف علمائِهم الكلمَ عن مَوَاضعه وتبديلِ كُتُب الله وآياتِه. وإنما أباح الشارعُ الروايةَ عنهم في قوله : "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" فيما قد يُجَوِّزُه العقل. فأما فيما تحِيلُه العقول ، ويُحْكَم فيه بالبُطلان ، ويَغْلبُ على الظنون كذبُه ، فليس من هذا القبيل".

(1/32)


وقال عند تفسير الآيات (41 - 44) من سورة النمل - وقد ذكر في قصة ملكة سبأ أثرًا طويلا عن ابن عباس ، وَصَفَه بأنه "منكر غريب جدًا" - ثم قال : "والأقربُ في مثل هذه السياقات أنها متلقَّاةٌ عن أهل الكتاب ، مما وُجد في صُحُفهم ، كروايات كعب ووَهْب ، سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل ، من الأوابد والغرائب والعجائب ، مما كان وما لم يكن ، ومما حُرِف وبدِّل ونُسِخَ. وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصحُّ منه وأنفعُ وأوضحُ وأبلغُ. ولله الحمد والمنة".
وقال عند تفسير الآية : (46) من سورة العنكبوت - بعد أن رَوَى الحديث : "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" - قال : "ثم ليُعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل وما أقل الصدق فيه ، ثم ما أقل فائدته".
وقال عند تفسير قوله تعالى : { وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } [طه : 18] : "أي مصالح ومنافع وحاجات أخرى غير ذلك ، وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمته ، فقيل : كانت تضيء له بالليل ، وتحرس له الغنم إذا نام ، ويغرسها فتصير شجرة تظله ، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة ، والظاهر أنها لم تكن كذلك ، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى ، عليه الصلاة والسلام ، صيرورتها ثعبانًا ، فما كان يفر منها هاربًا ، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية".
5 - العنوان والتوثيق :
إن صحة نسبة كتاب التفسير للحافظ ابن كثير أمر مقطوع به ، ولولا أن الباحثين اعتادوا ذكر هذا الفصل وإلا لما ذكرته لشهرة هذا التفسير.
وممن ذكر هذا التفسير وعزاه لمؤلفه :
1 - الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف.
2 - الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
3 - ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية.
4 - السيوطي في الدر المنثور.
5 - الشوكاني في فتح القدير.
6 - الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تيسير العزيز الحميد.
7 - الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في فتح المجيد.
وأما عنوانه ، فالمشهور "تفسير القرآن العظيم" ، وجاء ذلك على طرة النسخة "ط" ، وبعض النسخ تسميه : "تفسيرابن كثير".
6 - نسخ الكتاب :
يعتبر تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير من الكتب التي انتشرت في خزائن المكتبات الإسلامية ، فقد وجدت نسخه في مكة والرياض ومصر واسطنبول والهند والمغرب وإيرلندا وباريس.

(1/33)


والاختلاف بين هذه النسخ اختلاف كبير ، فالنسخ التي في الرياض مثلا يغلب عليها الاختصار وحذف الأسانيد والتصرف في الكتاب ، هذا في الغالب فلا يستغرب ، أو أقول : لا يعتمد أن توجد نسخة ليس فيها قصة العتبي المذكورة في سورة النساء ؛ لأن هذه النسخة حديثة جدًا مع ما ذكرت من المنهج في النسخ الموجودة في نجد وغيرها من النسخ المعتمدة ذكر هذه القصة ، وقد نبهت عليها في موضعها.
وكم يجد الباحث نفسه متحيرًا أمام إثبات نص ثبت في نسخة ولم يثبت في الأخرى ، لذلك فقد حاولت قدر المستطاع جمع مخطوطات الكتاب لكي تزول هذه العقبة فوقع لي - والحمد لله - قدر منها ، وإليك وصفها :
1 - النسخة الأزهرية (هـ) :
وأحيانًا أطلق عليها الأصل.
وهي نسخة محفوظة بمكتبة الأزهر برقم (168) تفسير ، وتحتوي على الكتاب كاملا في سبعة مجلدات ، وفي المجلد الثالث منها خروم.
وصفها الشيخ أحمد شاكر بأنها : نسخة يغلب عليها الصحة ، والخطأ فيها قليل.
وطبعت بدار الشعب سنة (1390 هـ) بتحقيق عبد العزيز غنيم ، ومحمد أحمد عاشور ، ومحمد إبراهيم البنا.
وبالتتبع فإنها نسخة جيدة ، لكنها لا توصف بأنها أصح النسخ ، بل غيرها أفضل منها لو كمل. وقد اعتمدت على طبعة دار الشعب المأخوذة عن هذه النسخة لأمرين :
الأول : أني حاولت الحصول على مصورة لهذه النسخة فلم أستطع ، فأرسلت إلى المكتبة طلبًا للتصوير ، ثم أرسلت الطلب بصورة رسمية عن طريق جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ثم علمت بعد ذلك أن هذا دأب هذه المكتبة ، وأخبرت عن طرق لاستخراج المخطوطة من هذه المكتبة لكن هذه الطرق ليست موافقة لعملي.
الثاني : أن عمل الأخوة في طبعة الشعب عمل جيد في إخراج النص حسب ما ورد في المخطوطة ، ولهم اجتهادات أصابوا في بعضها وأخطؤوا في بعضها ، فأقررتهم على ما أصابوا فيه ، ولم أوافقهم على ما +أخطئوا فيه ، وقد اعتمدت إشاراتهم إلى المخطوطة في الهامش ، فاستفدت منها وسلكت في ذلك مسلكًا جيدًا حتى كأن العمل على المخطوطة لا المطبوعة.
الناسخ : محمد بن علي الصوفي.
تاريخ النسخ : فرغ الكاتب من نسخها في العاشر من جمادى الأولى سنة (825 هـ).
عدد الأوراق : 2195.
2 - نسخة تشستربتي (ط) :
وهي نسخة محفوظة بمكتبة تشستربتي بإيرلندا برقم (3430) ، وتحتوي على الجزء الأول ويبدأ

(1/34)


من أول التفسير وينتهي بتفسير الآية { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } الآية : [البقرة : 218] ، وهو آخر الجزء التاسع من أجزاء المؤلف ، وفيها سقط وبها حواش من خط المؤلف وعليها تصحيحات ، وهي من مصورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وهي في غاية الدقة والحسن لو كملت.
الناسخ : أحمد بن محمد بن المحب ، المتوفى سنة (776 هـ) ، وله ترجمة في الدرر الكامنة (1\ 244).
تاريخ النسخ : يظهر أنها كتبت في عهد المؤلف ، فيها حواش بخطه ، وكاتبها توفى سنة (776 هـ) أي بعد وفاة الحافظ ابن كثير بعامين.
عدد الأوراق : 224 مقاس 18.3 × 26.7 سم.
عدد الأسطر : 27 سطرا.
الخط : نسخ معتاد ممتاز.
3 - نسخة تشستربتي (ب) :
وهي نسخة محفوظة بمكتبة تشستربتي بإيرلندا برقم (4052) ، وتحتوي على الجزء الأول - ناقص بشيء يسير من المقدمة - ويبدأ بـ "فإن قال قائل : فما أحسن طرق التفسير ؟ " وينتهي بتفسير الآية : (47) من سورة البقرة وهي قوله تعالى { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }
بها حواش كثيرة وتصحيحات ، والحبر منتشر على بعض الصفحات.
وهي من مصورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
الناسخ : لم يعرف ، والظاهر أنه معاصر للمؤلف.
تاريخ النسخ : كتبت في القرن الثامن تقديرًا ، أي : في عهد المؤلف ، رحمه الله.
عدد الأوراق : 177 مقاس 15.5 × 22 سم.
عدد الأسطر : 19 سطرا.
الخط : نسخ معتاد جيد.
4 - نسخة الحرم المكي (جـ) :
وهي نسخة محفوظة بمكتبة الحرم المكى بمكة المكرمة برقم (91) وتحتوي على الجزء الأول ، ويبدأ بأول التفسير ، وينتهي عند قوله تعالى { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } الآية [النساء : 31].
وكأن النسخة ملفقة من نسختين ، فإن الخط يستمر نسخًا معتادًا إلى الآية (255) من سورة البقرة ثم خط مغاير وهو أقدم من الأول ويستمر إلى الآية المذكورة.
وعلى النسخ أثر البلل في كثير من أوراقه.
الناسخ : لم يعرف.

(1/35)


تاريخ النسخ : جاء بعد تفسير الآية (255) من سورة البقرة وهو نهاية الخط الأول : "وكان الفراغ من نسخ هذا الجزء يوم السبت المبارك في ثمانية وعشرين مضين من شهر جمادى الآخر من شهور سنة ستة وعشرين ومائتين وألف من الهجرة النبوية" ، والخط الآخر لعله من خطوط القرن العاشر.
عدد الاوراق : 411 مقاس 29 ×20 سم.
عدد الأسطر : 20 - 25 سطرًا.
5 - نسخة الحميدية (أ) :
وهي نسخة محفوظة بالمكتبة الحميدية بتركيا ، وتحتوي على الكتاب كاملا وخطها دقيق ومزينة بالذهب ، وهي حديثة ومنقولة عن نسخة معتمدة.
الناسخ : لم يعرف.
تاريخ النسخ : كتبت سنة ( ؟).
عدد الأسطر : 35 - 40 سطرا.
6 - نسخة الحرم المكي (ف) :
وهي نسخة محفوظة بمكتبة الحرم المكي بمكة المكرمة برقم (91) وتحتوي على تفسير أول سورة النمل إلى نهاية تفسير سورة الأحزاب.
وهي نسخة رديئة وخطها متحد مع خط القسم الثاني من النسخة (ج) ، وبها أثر الرطوبة.
الناسخ : لم يعرف.
تاريخ النسخ : لعله من خطوط القرن العاشر.
عدد الأوراق : 236 مقاس 29 × 20 سم.
عدد الأسطر : 37 سطرًا.
7 - نسخة الحرم المكي (ك) :
وهي نسخة محفوظة بمكتبة الحرم المكي بمكة برقم (91) ، وتبدأ من أول سورة الأعراف ، وتنتهي بنهاية تفسير سورة التوبة.
والنسخة جيدة ، وعليها تصويبات وتقييدات بالهامش وفيها أثر رطوبة.
الناسخ : لم يعرف.
تاريخ النسخ : كتبت سنة (780 هـ).
عدد الأوراق : 228 مقاس 27× 18 سم.
عدد الأسطر : 26 سطرًا.
الخط : نسخ معتاد قديم.

(1/36)


8 - نسخة جامعة الرياض (د) :
وهي نسخة محفوظة بجامعة الملك سعود بالرياض برقم (4052) وتبدأ من تفسير الآية : 31 من سورة النساء ، وتنتهي بتفسير الآية 36 من سورة التوبة.
وهي نسخة حديثة وخطها مقروء ، لكن يغلب عليها الاختصار وحذف الأسانيد.
الناسخ : لم يعرف.
تاريخ النسخ : كتبت في حدود سنة ( 1155 هـ) أو بعدها بقليل.
عدد الأوراق : 218.
عدد الأسطر : 23 سطرًا.
9 - نسخة الحرم المكي (س) :
وهي نسخة محفوظة بمكتبة الحرم المكي برقم (91) ، وتبدأ بتفسير سورة سبأ وتنتهي بتفسير سورة فصلت.
وهي نسخة مقابلة على أصل المؤلف ، كما جاء في آخر ورقة ، وعليها أثر البلل في كثير من أوراقها.
الناسخ : محمد بن بهاء الدين عبد الله الشجاعي.
تاريخ النسخ : سنة (769 هـ).
عدد الأوراق : 178 مقاس : 26 × 18 سم.
عدد الأسطر : 24 سطرًا.
الخط : نسخ معتاد.
10 - نسخة مكتبة الأوقاف ببغداد (م) :
وهي نسخة قديمة ، وهي أقدم نسخ التفسير ، والموجود منها ثلاثة أجزاء ، الجزء الرابع في مكتبة تشستربتي برقم (3143) ، ويبدأ بتفسير سورة الأنعام ، وينتهي بتفسير الآية (60) من سورة الأنفال. والجزآن التاسع والعاشر محفوظان بمكتبة الحرم المكي برقم (91) ويبدأ الجزء التاسع بتفسير سورة الشورى وينتهي العاشر بآخر الكتاب ، وبذيله كتاب فضائل القرآن ، وطرة الجزآن مزخرفة بشكل بديع بالذهب ، ومكتوب فيها عنوان الكتاب ، وعلى النسخة أثر البلل في كثير من أوراقه.
الناسخ : محمد بن أحمد بن معمر المقري البغدادي.
تاريخ النسخ : سنة (759 هـ).
عدد الأوراق : المجلد الرابع : 229 ، والمجلد التاسع : 275 ، المجلد العاشر : 238 مقاس : 29 × 19 سم.
عدد الأسطر : 21 سطرًا.

(1/37)


الخط : نسخ معتاد واضح.
11 - نسخة آيا صوفيا (و) :
وهي نسخة محفوظة بمكتبة آياصوفيا بتركيا برقم (122) ، وتبدأ بأول الكتاب ، وتنتهي بنهاية تفسير سورة آل عمران ، وهي نسخة بديعة وقديمة ولو كملت لكانت أصح النسخ.
وقد ذكر بروكلمان في تاريخ الأدب العربي أنها موجودة بعدة أرقام ، ففرحت بذلك ، وكلفت أحد الأخوة بالبحث عن هذه الأرقام ، فزار المكتبة ووجد أن تلك الأرقام هي أرقام لتفسير معالم التنزيل للبغوي ، رحمه الله.
وهذه النسخة مقابلة بنسخة مقروءة على المؤلف ، رحمه الله.
الناسخ : لم يعرف.
تاريخ النسخ : سنة (806 هـ).
عدد الأوراق : 418.
عدد الأسطر : 17 سطرًا.
12 - نسخة ولي الدين جار الله (ر) :
وهي نسخة محفوظة بمكتبة ولي الدين جار الله بتركيا ، وتبدأ بتفسير سورة آل عمران وتنتهي بتفسير الآية : 95 من سورة المائدة. وهذا هو الجزء الثاني من هذه النسخة.
الناسخ : لم يعرف.
تاريخ النسخ : سنة (837 هـ).
عدد الأوراق : 330.
عدد الأسطر : 23 سطرًا.
13 - نسخة ولي الدين جار الله (ت) :
وهي نسخة محفوظة بمكتبة ولي الدين جار الله بتركيا ، وهي مجلدان : المجلد الرابع : ويبدأ من تفسير سورة التوبة ، وينتهي بنهاية تفسير سورة الحج.
المجلد الخامس - هكذا وأظن صوابه السادس - : ويبدأ من تفسير أول القصص حتى آخر سورة الحجرات.
الناسخ : علي بن يعقوب الشهير بابن المخلص.
تاريخ النسخ : سنة (799 هـ).
عدد الأوراق : المجلد الرابع : 327 والمجلد الخامس : 284.
عدد الأسطر : 25 - 27 سطرًا.

(1/38)


النسخ المساعدة :
14 - نسخة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية :
وهي محفوظة برقم (3613) ، وتحتوي على أول الكتاب إلى نهاية تفسير سورة آل عمران ، وعدد أوراقها : 205.
الناسخ : سعد بن كسران.
تاريخ النسخ : النسخة حديثة وتاريخها قريب فيما أظن وهي وقف على أهل بلدة الحريق ، قرب الرياض.
15 - نسخة مؤسسة الملك فيصل الخيرية :
وهي نسخة حديثة كتبت سنة 1294 هـ ، وتحتوي على أول الكتاب إلى نهاية تفسير سورة آل عمران ، وهي مهداة للمؤسسة ، وعليها وقف باسم إبراهيم بن عبد اللطيف سنة 1306 هـ. وعدد أوراقها : 398.
16 - طبعة دار الراية بتحقيق الشيخ مقبل الوادعي ، حفظه الله :
وهي طبعة معتمدة على ما سبقها من الطبعات ، والأخطاء فيها كثيرة جدًا.

(1/39)


توزيع النسخ على السور المفسرة السورة النسخ المخطوطة النسخ المساعدة البقرة أ هـ طـ ب ج و جامعة الإمام
جامعة الإمام
ط - الوادعي مؤسسة فيصل
مؤسسة فيصل آل عمران أ هـ ر ج و النساء أ هـ ر د جـ المائدة أ هـ ر د الأنعام أ هـ م د الأعراف أ هـ م د ك الأنفال أ هـ م د ك التوبة أ هـ ت د ك يونس أ هـ ت هود أ هـ ت يوسف أ هـ ت الرعد أ هـ ت إبراهيم أ هـ ت الحجر أ هـ ت النحل أ هـ ت ف الإسراء أ هـ ت ف الكهف أ هـ ت ف مريم أ هـ ت ف طه أ هـ ت ف الأنبياء أ هـ ت ف الحج أ هـ ت ف المؤمنون أ هـ ف النور أ هـ ف الفرقان أ هـ ف الشعراء أ هـ ف النمل أ هـ ف القصص أ هـ ف ت العنكبوت أ هـ ف ت الروم أ هـ ف ت لقمان أ هـ ف ت السجدة أ هـ ف ت

(1/40)


تابع توزيع النسخ على السور المفسرة السورة النسخ المخطوطة الأحزاب أ هـ ف ت سبأ أ هـ ت س فاطر أ هـ ت س يس أ هـ ت س الصافات أ هـ ت س ص أ هـ ت س الزمر أ هـ ت س غافر أ هـ ت س فصلت أ هـ ت س الشورى أ هـ ت م الزخرف أ هـ ت م الدخان أ هـ ت م الجاثية أ هـ ت م الأحقاف أ هـ ت م محمد أ هـ ت م الفتح أ هـ ت م الحجرات أ هـ ت م سور المفصل "من ق إلى الناس" أ هـ م فضائل القرآن ط م ج

(1/41)


7 - منهج التحقيق :
1 - إخراج نص التفسير على ما يغلب على الظن أنه نص المؤلف ، وذلك بمقابلة النسخ المخطوطة ، وإثبات الصحيح من الفروق عند الاختلاف.
2 - بذلت جهدي في تقويم النص بالرجوع إلى مصادر الحديث وكتب الرجال المطبوعة والمخطوطة.
3 - وضعت الزيادات التي تزيد بها نسخة على النسخ الأخرى بين قوسين هكذا [ ] إذا كان ذلك مستقيمًا مع سلامة النص.
4 - تجنبت ذكر السقط في النسخ إلا عند الحاجة لأن ذلك يحتاج إلى إطالة في الهوامش لكثرة السقط في بعض النسخ.
5 - عزوت الآيات القرآنية الكريمة التي يستشهد بها المؤلف في التفسير بجانبها مع مراعاة ضبطها بالشكل.
6 - خرجت الأحاديث التي ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسيره بعزوها إلى أماكنها إن كان الحافظ ذكر مصادرها.
وما كان في الصحيحين أو أحدهما فأكتفي بالعزو إليه ، وإن كان في غيرهما ذكرت مواضع ما أشار إليه الحافظ من مصادر وأزيد في ذلك أحيانًا ، وقد سلكت طريقة الاختصار في التخريج ما أمكن وموضعه إن شاء الله كتاب في تخريج أحاديث التفسير ، كما هي عادة الأئمة ، رحمهم الله.
7 - ضبطت بالشكل النصوص النبوية.
8 - ضبطت الأسماء والكنى والأنساب التي يحتاج إلى ضبطها.
9 - شرح بعض المفردات الغريبة.
10 - أحيانًا تدعو الحاجة إلى تعليق أو تعقيب على بعض المواطن في التفسير لبيان خطأ ، أو بطلان قصة ، أو الإشارة إلى بعض الإسرائيليات ونقدها.
11 - إعادة توزيع النص وإخراجه بشكل يعين القارئ ويسهل عليه المراجعة والقراءة ، مع العناية بعلامات الترقيم كالفاصلة والأقواس والخطين للجمل الاعتراضية.
12 - وضع اسم السورة ورقم الآية في أعلى كل صفحة تيسيرًا للقارئ.
13 - قمت بوضع ترجمة مختصرة للمؤلف ، ونبذة مختصرة عن الكتاب (1).
14 - قمت بوضع فهارس عامة للكتاب.
وقد ساعدني في كثير من مراحل هذا العمل أخوة أفاضل سواء في مقابلة النسخ أو في شكل النص أو في تصحيح الملازم ، فالله أسأل أن يثيبنا وإياهم ويجزينا وإياهم خير الجزاء. }
__________
(1) وكنت قد وعدت أثناء الكتاب بوضع مبحث يتعلق بالنسخ التفسيرية ودراسة أسانيدها وأعتذر عن هذا الآن ، لكني رأيت إخراجه مستقلا لتعلقه بالتفسير المأثور عموما ، والله الموفق.

(1/42)


اللوحة الأولى نسخة من "أ"

(1/43)


اللوحة الأولى من نسخة "ف"

(1/44)


اللوحة الأولى من نسخة "ر"

(1/45)


اللوحة الأولى نسخة من "س"

(1/46)


اللوحة الأخيرة من نسخة "س"

(1/47)


اللوحة الأولى من نسخة "ك"

(1/48)


عنوان الجزء الرابع من نسخة "م" المحفوظة بشستربتي

(1/49)


لوحة من نسخة "ت"

(1/50)


لوحة من المجلد الرابع من نسخة "ت"

(1/51)


اللوحة الأولى من المجلد الخامس من نسخة "ت"

(1/52)


لوحة من المجلد الخامس من نسخة "ت"

(1/53)


لوحة من نسخة "د"

(1/54)


عنوان نسخة "ب"

(1/55)


اللوحة الأولى من نسخة "ب"

(1/56)


اللوحة الأولى من نسخة "جـ"

(1/57)


لوحة من نسخة "جـ"

(1/58)


لوحة من نسخة "جـ" وهي بداية اختلاف الخط

(1/59)


إسنادي إلى المصنف
وأسانيدى إلى ابن كثير كثيرة ، وهي تمر بعدد من تلاميذه ، منها :
ما أرويه عن الشيخ عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي ، والشيخ عبد الوهاب بن عبد العزيز بن زيد الزيد ، كلاهما عن الشيخين : محمد الشاذلي النيفر ، وعبد القادر بن كرامة الله النجاري ، كلاهما عن الشيخ عمر بن حمدان المحرسي ، عن محمد المكي بن مصطفى - المعروف بابن عزوز - عن الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي ، عن الشيخ عبد الرحمن ابن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، عن جده شيخ الإسلام ، عن عبد الله بن إبراهيم بن سيف الفَرضِي النجدي ، عن أبي المواهب بن تقي الدين الحنبلي ، عن النجم الغزي ، عن أبيه البدر محمد بن الرضي محمد الغزي الدمشقي ، عن الحافظ السيوطي ، عن بهاء الدين أبي البقاء البلقيني ، عن ابن الحسباني ، عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن الفريوائي ، والزيد ، كلاهما عن الشيخين : حماد بن محمد الأنصاري ، وأبي تراب الظاهري ، كلاهما عن والد الثاني : الشيخ عبد الحق الهاشمي ، عن أحمد بن عبد الله بن سالم البغدادي ، عن عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، عن جده شيخ الإسلام ، عن عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي ، عن أبي المواهب محمد بن عبد الباقي بن عبد الباقي الحنبلي ، عن أبيه ، عن المعمر عبد الرحمن البهوتي الحنبلي ، عن الجمال يوسف بن زكريا ، عن أبيه القاضي زكريا الأنصاري ، عن الحافظ ابن حجر ، عن ابن الجزري ، عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن عبد الوهاب الزيد ، عن الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الزهراني ، عن الشيخ سليمان بن حمدان ، عن الشيخ عبد الستار الدهلوي ، عن أبي بكر خوقير ، عن أحمد بن إبراهيم بن عيسى ، عن عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، عن جده شيخ الإسلام ، عن محمد حياة السندي ، عن عبد الله بن سالم البصري ، عن المسند زين العابدين الطبري ، عن أبيه ، عن الشمس الرملى ، عن الحافظ السخاوي ، عن الحافظ ابن حجر ، عن ابن عنقة البسكري ، عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن عبد الوهاب الزيد ، عن الشيخ أبى تراب الظاهري ، عن الشيخ أحمد شاكر ، عن عبد الستار الدهلوي ، عن أبي بكر خوقير ، عن أحمد بن إبراهيم بن عيسى ، عن عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، عن عبد الرحمن الجبرتي المصري ، عن مرتضى الزبيدي ، عن عمر بن عقيل الحسيني ، عن عبد الله بن سالم البصري ، عن عبد الله بن محمد الديري الدمياطي ، عن سلطان المزاحي ، عن نور الدين علي الزيادي ، عن الجمال يوسف بن عبد الله الأرموني ، عن الحافظ السيوطي ، عن المحب أبي المعالى الطبري ، والرضي أبي حامد المخزومي ، وأبي بكر المرشدي ، كلهم عن الشهاب بن حجي ، عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن عبد الوهاب الزيد ، عن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد ، عن الشيخ حمود

(1/73)


التويجري ، عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري ، عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق ، عن ابن عيسى ، عن عبد الرحمن بن حسن ، عن حسن القويسيني ، عن داود القلعي ، عن أحمد الجوهري ، عن عبد الله بن سالم البصري ، عن المسند زين العابدين بن عبد القادر الطبري ، عن أبيه ، عن المعمر عبد الواحد بن إبراهيم الحصاري ، عن الحافظ السخاوي ، عن الحافظ ابن حجر ، عن سعد الدين النواوي ، عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن عبد الرحمن الفريوائي ، وعبد الوهاب الزيد ، كلاهما عن الشيخ محمد بن عبد الله ابن آدُّ الشنقيطي ، عن الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ، عن الشيخ علي بن ناصر أبي وادى ، عن السيد نذير حسين الدهلوي ، عن محمد إسحاق ، عن عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي ، عن أبيه ، عن أبي الطاهر الكردي ، عن الصفي أحمد بن محمد بن العجل اليمني ، عن يحيى بن مكرم الطبري ، عن الحافظ السيوطي ، عن ابن مقبل الحلبي ، عن ابن اليونانية ، عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن عبد الرحمن الفريوائي ، وعبد الوهاب الزيد ، كلاهما عن الشيخ بديع الدين الراشدي السندي ، وأبى تراب الظاهري ، كلاهما عن أبي الوفاء ثناء الله الأفرتسري ، عن السيد نذير حسين ، عن محمد إسحاق ، عن عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي ، عن أبيه ، عن أبي الطاهر محمد ابن إبراهيم الكردي ، عن أبيه ، عن الصفي القشاشي ، عن أبي المواهب الشناوي ، عن الشمس الرملي ، عن الحافظ زكريا الأنصاري ، عن الحافظ ابن حجر ، عن ابن الحريري ، عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن عبد الوهاب الزيد ، عن الشيخ أحمد بن يحيى النجمي ، عن الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي ، عن الشيخ أحمد الله القرشي ، عن السيد نذير حسين ، عن عبد الرحمن الكزبري ، عن الشيخ مصطفى الرحمتي ، عن الشيخ عبد الغني النابلسي ، عن النجم الغزي ، عن أبيه ، عن الحافظ زكريا الأنصاري ، عن الحافظ ابن حجر ، عن محمد بن سلمان البغدادي - نزيل القاهرة - عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن عبد الوهاب الزيد ، عن الشيخ عبد المنان بن عبد الحق النورفوري ، عن أبي الخير السلفي ، عن الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ، عن السيد نذير حسين عن محمد عابد السندي ، عن عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، عن أبيه شيخ الإسلام ، عن محمد حياة السندي ، عن حسن العجيحي ، عن أحمد بن محمد بن العجل اليمني ، عن يحيى بن مكرم الطبري ، عن الحافظ السيوطي ، عن الشمس محمد بن محمد العقبي ، والنجم أبي القاسم بن عمر بن محمد بن محمد بن محمد بن فهد المكي ، كلاهما عن ابن الجزري ، عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن عبد الوهاب الزيد ، عن الشيخ محمد حياة السندي السلفي ، عن السيد نذير حسين - بالإجازة العامة - عن عبد الرحمن الكزبري ، عن الزبيدى ، عن المعمر السابق بن عرام ، عن البابلي ، عن محمد حجازي ، عن المعمر محمد بن أركماس الحنفي ، عن الحافظ ابن حجر عن محمد الحبتي عن ابن كثير - رحمه الله.

(1/74)


(وهذا من أعلى الأسانيد إلى الحافظ ابن كثير - رحمه الله).
وأروي عن عبد الوهاب الزيد ، عن الشيخ شمس الدين بن محمد أشرف الأفغاني ، والشيخ أحمد الله الفيروزفوري ، كلاهما عن الحافظ محمد الجوندلوي ، عن الحافظ عبد المنان الوزير آبادى ، عن حسين بن محسن الأنصاري ، عن محمد بن ناصر الحازمي وأحمد بن محمد علي الشوكاني ، كلاهما عن والد الثاني الإمام الشوكاني ، عن السيد عبد القادر بن أحمد ، عن السيد سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل ، عن أحمد بن محمد الأهدل ، عن أحمد النخلي ، عن البابلي ، عن إبراهيم اللقاني ، عن الرملي ، عن الحافظ زكريا الأنصاري ، عن الحافظ ابن حجر ، عن ابن الحسباني عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن عبد الوهاب الزيد ، عن الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي بكر الإحسائي ، عن عبد الحي الكتاني ، عن حسين بن محسن الأنصاري ، عن محمد بن ناصر الحازمي ، وأحمد بن محمد بن علي الشوكاني ، كلاهما عن والد الثاني الإمام الشوكاني ، عن يوسف بن محمد بن علاء الدين المزجاجي ، عن أبيه ، عن جده عن إبراهيم الكردي ، عن أحمد بن محمد المدني ، عن الشمس الرملي ، عن الحافظ زكريا الأنصاري ، عن الحافظ ابن حجر ، عن الشهاب بن حجي ، عن ابن كثير - رحمه الله.
وأروي عن عبد الوهاب الزيد ، عن الشيخ القاضي محمد إسماعيل العمراني اليماني ، عن القاضي عبد الله حميد عن الشيخ علي السدمي ، عن جدِّ العمراني القاضي محمد بن محمد العمراني ، عن الإمام الشوكاني ، عن السيد عبد القادر الكوكباني ، عن عبد الخالق بن أبي بكر المزجاجي ، عن أبي طاهر الكردي ، عن عبد الله بن سالم البصري ، عن الشمس محمد بن علي المكتبي ، عن النجم محمد بن البدر الغزي ، عن أبيه ، عن الحافظ السيوطي ، عن ناصر الدين أبي الفتح محمد بن شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري ، عن محمد الحبتي ، عن ابن كثير - رحمه الله.

(1/75)


مقدمة ابن كثير (1)
قال الشيخ الإمام الأوحد ، البارع الحافظ المتقن ، عماد الدين أبو الفداء (2) إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كَثير البصروي الشافعي ، رحمه الله تعالى ، ورضي عنه :
الحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } [الفاتحة : 2 - 4] ، وقال تعالى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا } [الكهف : 1 - ه] ، وافتتح خَلْقه بالحمد ، فقال تعالى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } [الأنعام : 1] ، واختتمه بالحمد ، فقال بعد ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار : { وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الزمر : 75] ؛ ولهذا قال [الله] (3) تعالى : { وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [القصص : 70] ، كما قال : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } [سبأ : 1].
فله الحمد في الأولى والآخرة ، أي في جميع ما خلق وما هو خالق ، هو المحمود في ذلك كله ، كما يقول المصلى : "اللهم ربنا لك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد" (4) ؛ ولهذا يُلْهَم أهل الجنة تسبيحه وتحميده كما يُلْهَمون النَّفَس ، أي يسبحونه ويحمدونه عدد أنفاسهم ؛ لما يرون من عظيم نعمه عليهم ، وكمال قدرته وعظيم سلطانه ، وتوالى مِنَنه ودوام إحسانه ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ يونس : 9 ، 10].
والحمد لله الذي أرسل رسله { مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [النساء : 165] ، وختمهم بالنبي الأمي العربي المكي الهادي لأوضح السبل ، أرسله إلى جميع خلقه من الإنس والجن ، من لدن بعثته إلى قيام الساعة ، كما قال تعالى :
__________
(1) بعدها في جـ : "رب يسر ولا تعسر" وفي ط : "رب يسر وأعن يا كريم".
(2) في جـ : "قال الشيخ العالم العلامة الأوحد الحافظ ، المجتهد القدوة ، علامة العلماء ، وارث الأنبياء ، بركة الإسلام ، حجة الأعلام ، محيي السنة ، ومن عظم الله به علينا المنة عماد الدين أبو الفضل".
(3) زيادة من جـ.
(4) هذا اقتباس من حديث رواه مسلم في صحيحه برقم (771) من حديث البراء بن عازب ، رضي الله عنه.

(1/5)


{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [الأعراف : 158] ، وقال تعالى : { لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } [الأنعام : 19].
فمن بلغه هذا القرآن من عرب وعَجَم ، وأسودَ وأحمرَ ، وإنس وجان ، فهو نذير له ؛ ولهذا قال تعالى : { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } [هود : 17]. فمن كفر بالقرآن ممن ذكرنا (1) فالنار موعده ، بنص الله تعالى ، وكما قال تعالى : { فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ } [القلم : 44 ، 45].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بُعِثتُ إلى الأحمر والأسود" (2). قال مجاهد : يعني : الإنس والجن. فهو - صلوات الله وسلامه عليه - رسول الله إلى جميع الثقلين : الإنس والجن ، مُبَلِّغًا لهم عن الله ما أوحاه إليه من هذا الكتاب العزيز الذي { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [فصلت : 42].
وقد أعلمهم فيه عن الله تعالى أنه نَدَبهم إلى تَفَهُّمه ، فقال تعالى : { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82] ، وقال تعالى : { كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ } [ص : 29] ، وقال تعالى : { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد : 24].
فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله ، وتفسير ذلك ، وطلبه من مظانه ، وتَعلُّم ذلك وتعليمه ، كما قال تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } [آل عمران : 187] ، وقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [آل عمران : 77].
فذم الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله إليهم ، وإقبالهم على الدنيا وجمعها ، واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله.
فعلينا - أيها المسلمون - أن ننتهي عما ذمَّهم الله تعالى به ، وأن نأتمر بما أمرنا به ، من تَعَلُّم كتاب الله المنزل إلينا وتعليمه ، وتفهمه وتفهيمه ، قال الله تعالى : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [الحديد : 16 ، 17]. ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها تنبيه على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها ، كذلك يلين القلوب بالإيمان بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي ، والله المؤمل المسؤول أن يفعل بنا ذلك ، إنه
__________
(1) في جـ : "ذكرناه".
(2) رواه مسلم في صحيحه برقم (521) من حديث جابر ، رضي الله عنه.

(1/6)


جواد كريم.
فإن قال قائل : فما أحسن طرق التفسير ؟
فالجواب : إن أصح الطرق في ذلك أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن ، فما أُجْمِل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر ، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ، رحمه الله : كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن. قال الله تعالى : { إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } [ النساء : 105] ، وقال تعالى : { وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ النحل : 44] ، وقال تعالى : { وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [النحل : 64].
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (1) يعني : السنة. والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي ، كما ينزل (2) القرآن ؛ إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن ، وقد استدل الإمام الشافعي ، رحمه الله (3) وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.
والغرض أنك تطلب تفسيرَ القرآن منه ، فإن لم تجدْه فمن السنة ، كما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : "بم تحكم ؟ ". قال : بكتاب الله. قال : "فإن لم تجد ؟". قال : بسنة رسول الله. قال : "فإن لم تجد ؟ ". قال : أجتهد برأيى. قال : فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره ، وقال : "الحمد لله الذي وفَّق رَسُولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله" (4) وهذا الحديث في المساند (5) والسنن بإسناد جيد ، كما هو مقرر في موضعه.
وحينئذ ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة ، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة ، فإنهم أدرى بذلك ، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها ، ولما لهم من الفهم التام ، والعلم الصحيح ، والعمل الصالح ، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم ، كالأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين ، والأئمة المهديين ، وعبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه (6).
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير (7) حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا جابر بن نوح ، حدثنا الأعمش ، عن أبي الضُّحَى ، عن مسروق ، قال : قال عبد الله - يعني ابن مسعود - : والذي لا إله غيره ، ما نزلت آية من (8)) كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت ؟ وأين نزلت ؟ ولو أعلم مكان أحد أعلم
__________
(1) رواه الإمام أحمد في المسند (4/ 131) وأبو داود في السنن برقم (4604) من حديث المقدام بن معدى كرب ، رضي الله عنه.
(2) في ب : "كما ينزله عليه".
(3) في ب : "رحمة الله عليه".
(4) رواه الإمام أحمد في المسند (5/ 230) وأبو داود في السنن برقم (3592) والترمذي في السنن برقم (1328) من طرق عن شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ عن معاذ به ، وقال الترمذي : "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتصل ، وأبو عون الثقفي اسمه محمد بن عبيد الله". وللشيخ ناصر الألباني مبحث ماتع بين فيه كلام العلماء في نقد الحديث. انظر : السلسلة الضعيفة برقم (881).
(5) في جـ : "المسانيد".
(6) في ب : "عنهم".
(7) في ب : "جرير الطبري".
(8) في ب : "في".

(1/7)


بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته (1). وقال الأعمش أيضًا ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود قال : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن ، والعمل بهن (2).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل ، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا (3).
ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترجمان القرآن وببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له حيث قال : "اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل" (4).
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا وَكِيع ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن مُسْلم قال (5) قال عبد الله - يعني ابن مسعود - : نعْم ترجمان القرآن ابنُ عباس (6). ثم رواه عن يحيى بن داود ، عن إسحاق الأزرق ، عن سفيانَ ، عن الأعمش ، عن مسلم بن صُبَيْح أبي الضحى ، عن مسروق ، عن ابن مسعود أنه قال : نعم الترجمان للقرآن ابن عباس (7). ثم رواه عن بُنْدَار ، عن جعفر بن عَوْن ، عن الأعمش (8) به كذلك.
فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود : أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة. وقد مات ابن مسعود ، رضي الله عنه ، في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح ، وعُمِّر بعده ابن عباس ستًا وثلاثين سنة ، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود ؟.
وقال الأعمش عن أبي وائل : استخلف علِيّ عبد الله بن عباس على الموسم ، فخطب الناس ، فقرأ في خطبته سورة البقرة ، وفي رواية : سورة النور ، ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا (9).
ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره ، عن هذين الرجلين : عبد الله بن مسعود وابن عباس ، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب ، التي أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : "بَلِّغوا عني ولو آية ، وحَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج ، ومن كذب عَلَىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري عن عبد الله (10) ؛ ولهذا كان عبد الله بن عمرو يوم اليرموك قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب ، فكان يحدث منهما بما فهمه
__________
(1) تفسير الطبري (1/ 80) وجابر بن نوح ضعيف لكنه توبع ، فرواه البخاري في صحيحه برقم (5002) عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش به.
(2) رواه الطبري في تفسيره (1/ 80) من طريق الحسين بن واقد عن الأعمش به.
(3) رواه الطبري في تفسيره (1/ 80) من طريق جرير عن عطاء عن أبي عبد الرحمن السلمي.
(4) رواه الإمام أحمد في المسند (1/ 266 ، 314 ، 327) وأصله في صحيح البخاري برقم (75).
(5) في ب : "كذا قال".
(6) تفسير الطبري (1/ 90).
(7) تفسير الطبري (1/ 90) ورواه الحاكم في المستدرك (3/ 537) من طريق سفيان به.
(8) تفسير الطبري (1/ 90) ورواه أبو خثيمة في العلم برقم (48) من طريق جعفر بن عون به.
(9) رواه الطبري في تفسيره (1/ 81) والفسوي في تاريخه (1/ 495) من طريق الأعمش به.
(10) صحيح البخاري برقم (3461).

(1/8)


من هذا الحديث من الإذن في ذلك.
ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد ، لا للاعتضاد ، فإنها على ثلاثة أقسام :
أحدها : ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق ، فذاك صحيح (1).
والثاني : ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث : ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل ، فلا نؤمن به ولا نكذبه ، وتجوز حكايته لما تقدم ، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني ؛ ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرًا ، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك ، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف ، ولون كلبهم ، وعدّتهم ، وعصا موسى من أي الشجر كانت ؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم ، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة ، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى ، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن ، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. ولكن نَقْلُ الخلاف عنهم في ذلك جائز ، كما قال تعالى : { سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } [الكهف : 22] ، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا ، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث ، فدل على صحته إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما ، ثم أرشد على أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته ، فقال في مثل هذا : { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ } فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ، ممن أطلعه الله عليه ؛ فلهذا قال : { فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا } أي : لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته ، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف : أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام ، وأن تنبه على الصحيح منها وتبطل الباطل ، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته ؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته ، فتشتغل به عن الأهم فالأهم. فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص ، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه. أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال ، فهو ناقص أيضًا. فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب ، أو جاهلا فقد أخطأ ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته ، أو حكى أقوالا متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى ، فقد ضيع الزمان ، وتكثر بما ليس بصحيح ، فهو كلابس ثوبي زور ، والله الموفق للصواب.
[قال سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد : كان ابن عباس إذا سئل عن الآية في القرآن قال به ، فإن لم يكن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به ، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، فإن لم يكن اجتهد برأيه] (2).
__________
(1) في جـ : "صحيح للاعتقاد".
(2) زيادة من ط ، ب.

(1/9)


فصل
إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة ، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين ، كمجاهد بن جَبْر (1) فإنه كان آية في التفسير ، كما قال محمد بن إسحاق : حدثنا أبان بن صالح ، عن مجاهد ، قال : عَرضْتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات ، من فاتحته إلى خاتمته ، أوقفه عند كل آية منه ، وأسأله عنها (2).
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا طَلْق بن غنام ، عن عثمان المكي ، عن ابن أبي مُلَيْكَة قال : رأيت مجاهدًا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ، ومعه ألواحه ، قال : فيقول له ابن عباس : اكتب ، حتى سأله عن التفسير كله (3). ولهذا كان سفيان الثوري يقول : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به (4).
وكسعيد بن جُبَيْر ، وعِكْرِمة مولى ابن عباس ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، ومسروق ابن الأجدع ، وسعيد بن المسيب ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، والضحاك بن مُزاحم ، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم ، فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ ، يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالا وليس كذلك ، فإن منهم من يعبّر عن الشيء بلازمه أو بنظيره ، ومنهم من ينص على الشيء بعينه ، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن ، فليتفطن اللبيب لذلك ، والله الهادي.
وقال شعبة بن الحجاج وغيره : أقوال التابعين في الفروع ليست حجة ؟ فكيف تكون حجة في التفسير ؟ يعني : أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم ، وهذا صحيح ، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة ، فإن اختلفوا فلا يكون بعضهم حجة على بعض ، ولا على من بعدهم ، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب ، أو أقوال الصحابة في ذلك.
فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام ، لما رواه محمد بن جرير ، رحمه الله ، حيث قال : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا سفيان ، حدثني عبد الأعلى ، هو ابن عامر الثعلبي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قال في القرآن برأيه ، أو بما لا يعلم ، فليتبوأ مقعده من النار " (5).
وهكذا أخرجه الترمذي والنسائي ، من طرق ، عن سفيان الثوري ، به. ورواه أبو داود ، عن مُسَدَّد ، عن أبي عَوَانة ، عن عبد الأعلى ، به (6). وقال الترمذي : هذا حديث حسن.
__________
(1) في جـ ، ط : "جبير".
(2) رواه الطبري في تفسيره (1/ 90).
(3) تفسير الطبري (1/90).
(4) رواه الطبري في تفسيره (1/ 91) من طريق أبي بكر الحنفي سمعت سفيان فذكره.
(5) تفسير الطبري (1/ 77).
(6) سنن الترمذي برقم (2952) وسنن النسائي الكبرى برقم (84 80) وسنن أبي داود برقم (3652) ، والحديث مداره على عبد الأعلى بن عامر قال أبو زرعة : ضعيف ، وتركه ابن مهدي.

(1/10)


وهكذا رواه ابن جرير - أيضًا - عن يحيى بن طلحة اليربوعي ، عن شريك ، عن عبد الأعلى ، به مرفوعا (1). ولكن رواه محمد بن حميد ، عن الحكم بن بشير ، عن عمرو بن قيس المُلائِي ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد ، عن ابن عباس ، فوقفه (2). وعن محمد بن حميد ، عن جرير ، عن ليث ، عن بكر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس من قوله (3) فالله أعلم.
وقال ابن جرير : حدثنا العباس بن عبد العظيم العَنْبَرِي ، حدثنا حَبَّان بن هلال ، حدثنا سهيل أخو حزم ، حدثنا أبو عمران الجَوْني ، عن جُنْدب ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ " (4).
وقد روى هذا الحديث أبو داود ، والترمذي ، والنسائي من حديث سهيل بن أبي حزم القُطعي ، وقال الترمذي : غريب ، وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل (5).
وفي لفظ لهم : "من قال في كتاب الله برأيه ، فأصاب ، فقد أخطأ" أي : لأنه قد تكلف ما لا علم له به ، وسلك غير ما أمر به ، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه ، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار ، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر ، لكن يكون أخف جرمًا ممن أخطأ ، والله أعلم ، وهكذا سمى الله القَذَفة كاذبين ، فقال : { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [النور : 13] ، فالقاذف كاذب ، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر ؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به ، ولو كان أخبر بما يعلم ؛ لأنه تكلف ما لا علم له به ، والله أعلم.
ولهذا تَحَرَّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به ، كما روى شعبة ، عن سليمان ، عن عبد الله بن مرة ، عن أبي مَعْمَر ، قال : قال أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه : أيّ أرض تقلّني وأي سماء تظلني ؟ إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم (6).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثنا محمد (7) بن يزيد ، عن العَوَّام بن حَوْشَب ، عن إبراهيم التَّيْمِي ؛ أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله : { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } [عبس : 31] ، فقال : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني ؟ إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. منقطع (8).
وقال أبو عبيد أيضًا : حدثنا يزيد ، عن حميد ، عن أنس ؛ أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر :
__________
(1) تفسير الطبري (1/ 77).
(2) تفسير الطبري (1/ 78) ورواه وكيع عن عبد الأعلى فوقفه ، رواه ابن أبي شيبة في المصنف (10/ 512).
(3) تفسير الطبري (1/ 78).
(4) تفسير الطبري (1/ 79).
(5) سنن أبي داود برقم (3652) وسنن الترمذي برقم (2953) وسنن النسائي الكبرى برقم (8086)
(6) رواه الطبري في تفسيره (1/ 78).
(7) في ب : "محمود".
(8) فضائل القرآن (ص 227) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (10/ 513) عن محمد بن عبيد عن العوام بن حوشب به.

(1/11)


{ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } [عبس : 31] ، فقال : هذه الفاكهة قد عرفناها ، فما الأبّ ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال : إن هذا لهو التكلف يا عمر (1).
وقال عَبْد بن حُمَيْد : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : كنا عند عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، وفي ظهر قميصه أربع رقاع ، فقرأ : { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } فقال : ما الأب ؟ ثم قال : إن هذا لهو التكلف (2) فما عليك ألا تدريه (3).
وهذا كله محمول على أنهما ، رضي الله عنهما ، إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب ، وإلا فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل ، لقوله : { فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا } الآية [عبس : 27 ، 28].
وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن عُلَيَّة ، عن أيوب ، عن ابن أبي مُلَيْكَة : أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها ، فأبى أن يقول فيها (4). إسناده (5) صحيح.
وقال أبو عبيد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، قال : سأل رجل ابن عباس عن { يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } [ السجدة : 5] ، فقال له ابن عباس : فما { يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [ المعارج : 4] ؟ فقال له الرجل : إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس : هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه ، الله أعلم بهما. فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم (6).
وقال - أيضًا - ابن جرير : حدثني يعقوب - يعني ابن إبراهيم - حدثنا ابن عُلَيَّة ، عن مَهْدي بن ميمون ، عن الوليد بن مسلم ، قال : جاء طَلْق بن حبيب إلى جُنْدُب بن عبد الله ، فسأله عن آية من القرآن ؟ فقال : أحرِّج عليك إن كنت مسلمًا إلا ما قمتَ عني ، أو قال : أن تجالسني (7).
وقال مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : إنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن ، قال : إنا لا نقول في القرآن شيئًا (8).
وقال الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : إنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن (9).
وقال شعبة ، عن عمرو بن مُرَّة ، قال : سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن فقال : لا
__________
(1) فضائل القرآن (ص 227) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (10/ 512) عن يزيد به ، ورواه الحاكم في المستدرك (2/ 514) من طريق يزيد عن حميد به ، وقال : "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
(2) في جـ : "التكلف يا عمر".
(3) ورواه ابن سعد في الطبقات (3/ 327) ، ورواه البخاري في صحيحه برقم (7293) عن سليمان بن حرب به مختصرًا ولفظه : "نهينا عن التكلف".
(4) تفسير الطبري (1/ 86).
(5) في ب : "إسناد".
(6) فضائل القرآن (ص 228).
(7) تفسير الطبري (1/ 86).
(8) رواه الطبري في تفسيره (1/ 85) من طريق ابن وهب عن مالك به.
(9) رواه الطبري في تفسيره (1/ 86) من طريق ابن وهب عن مالك به.

(1/12)


تسألني عن القرآن ، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء ، يعني : عكرمة (1).
وقال ابن شَوْذَب : حدثني يزيد بن أبي يزيد ، قال : كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام ، وكان أعلم الناس ، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت ، كأن لم يسمع (2).
وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن عبدة الضَّبِّىُّ ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا عبيد الله بن عمر ، قال : لقد أدركتُ فقهاء المدينة ، وإنهم ليعظِّمون القول في التفسير ، منهم : سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد ، وسعيد بن المسيب ، ونافع (3).
وقال أبو عبيد : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن هشام بن عُرْوَة ، قال : ما سمعت أبي تَأوَّل آية من كتاب الله قط (4).
وقال أيوب ، وابن عَوْن ، وهشام الدَّسْتوائِي ، عن محمد بن سيرين : سألت عبَيدة السلماني ، عن آية من القرآن فقال : ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل (5) القرآن ؟ فاتَّق الله ، وعليك بالسداد (6).
وقال أبو عبيد : حدثنا معاذ ، عن ابن عون ، عن عبد الله بن مسلم بن يسار ، عن أبيه ، قال : إذا حدثت عن الله فقف ، حتى تنظر ما قبله وما بعده (7).
حدثنا هُشَيْم ، عن مُغيرة ، عن إبراهيم ، قال : كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه (8).
وقال شعبة عن عبد الله بن أبي السَّفْر ، قال : قال الشعبي : والله ما من آية إلا وقد سألت عنها ، ولكنها الرواية عن الله عز وجل (9).
وقال أبو عبيد : حدثنا هشيم ، حدثنا عمر بن أبي زائدة ، عن الشعبي ، عن مسروق ، قال : اتقوا التفسير ، فإنما هو الرواية عن الله (10).
فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به ؛ فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا ، فلا حرج عليه ؛ ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ، ولا منافاة ؛ لأنهم تكلموا فيما علموه ، وسكتوا عما جهلوه ، وهذا هو الواجب على كل أحد ؛ فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به ، فكذلك يجب القول فيما
__________
(1) رواه الطبري في تفسيره (1/ 87) وابن أبي شيبة في المصنف (10/ 511) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به.
(2) رواه الطبري في تفسيره (1/ 86) عن العباس بن الوليد عن أبيه عن ابن شوذب به.
(3) تفسير الطبري (1/ 85).
(4) فضائل القرآن (ص 229).
(5) في جـ : "نزل".
(6) رواه الطبري في تفسيره (1/ 86) من طريق ابن علية عن أيوب وابن عون به.
(7) فضائل القرآن (ص 229).
(8) فضائل القرآن (ص 229) ورواه أبو نعيم (4/ 222) من طريق جرير عن المغيرة به.
(9) رواه الطبري في تفسيره (1/ 87) من طريق سعيد بن عامر عن شعبة به.
(10) فضائل القرآن (ص 229).

(1/13)


سئل عنه مما يعلمه ، لقوله تعالى : { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ } [آل عمران : 187] ، ولما جاء في الحديث المروى من طرق : "من سئل عن علم فكتمه ، ألْجِم يوم القيامة بلجام من نار" (1).
فأما الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير :
حدثنا عباس بن عبد العظيم ، حدثنا محمد بن خالد بن عَثْمة ، حدثنا جعفر بن محمد بن الزبيري ، حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفسر شيئًا من القرآن إلا آيا تُعد ، علمهن إيَّاه جبريل ، عليه السلام. ثم رواه عن أبي بكر محمد بن يزيد الطرسوسي ، عن مَعْن بن عيسى ، عن جعفر بن خالد ، عن هشام ، به. (2).
فإنه حديث منكر غريب ، وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري ، قال البخاري : لا يتابع في حديثه ، وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي : منكر الحديث.
وتكلَّم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى ، مما وقفه عليها جبريل. وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث ؛ فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه ، ومنه ما يعلمه العلماء ، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها ، ومنه ما لا يعذر أحد في جهله ، كما صرح بذلك ابن عباس ، فيما قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا مُؤَمَّل ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد [عن الأعرج] (3) قال : قال ابن عباس : التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله (4).
قال ابن جرير : وقد روى نحوه في حديث في إسناده نظر :
حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، أنبأنا ابن وهب قال : سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي ، عن أبي صالح ، مولى أم هانئ ، عن عبد الله بن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أنزل القرآن على أربعة (5) أحرف : حلال وحرام ، لا يعذر أحد بالجهالة به. وتفسير تفسره [العرب ، وتفسير
__________
(1) جاء من حديث أبي هريرة ، ومن حديث أنس ، وأبي سعيد الخدري ، رضي الله عنهم. أما حديث أبي هريرة ، فرواه أحمد في المسند (2/ 263) وأبو داود في السنن برقم (3658) والترمذي في السنن برقم (2649) وابن ماجة في السنن برقم (261) من طريق علي ابن الحكم عن عطاء عن أبي هريرة ، وقال الترمذي : "حديث حسن". وأما حديث أنس ، فرواه ابن ماجة في السنن برقم (264) من طريق يوسف بن إبراهيم عن أنس ، وقال البوصيري في الزوائد (1/ 117) : "هذا إسناد ضعيف". وأما حديث أبي سعيد ، فرواه ابن ماجة في السنن برقم (265) من طريق محمد بن داب عن صفوان بن سليم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي سعيد ، وقال البوصيري في الزوائد (1/ 118) : "هذا إسناد ضعيف".
(2) تفسير الطبري (1/ 84) ورواه أبو يعلى في مسنده (8/ 23) من طريق معن القزاز عن فلان بن محمد بن خالد ، عن هشام بن عروة به ، ورواه البزار في مسنده برقم (2185) "كشف الأستار" عن محمد بن المثنى ، عن محمد بن خالد بن عثمة ، عن حفص - أظنه ابن عبد الله - عن هشام عن أبيه به.
(3) زيادة من نسخة مساعدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
(4) تفسير الطبري (1/ 75).
(5) في هـ ، ب : "سبعة" والمثبت من جـ ، والطبري.

(1/14)


تفسره] (1) العلماء. ومتشابه لا يعلمه إلا الله عز وجل ، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب" (2).
والنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي ؛ فإنه متروك الحديث ؛ لكن قد يكون إنما وهم في رفعه. ولعله من كلام ابن عباس ، كما تقدم ، والله أعلم بالصواب.
__________
(1) زيادة من جـ ، والطبري.
(2) تفسير الطبري (1/ 76).

(1/15)


كتاب فضائل القرآن
قال البخاري ، رحمه الله :
كيف نزول الوحي وأول ما نزل :
قال ابن عباس : المهيمن الأمين القرآن ، أمين على كل كتاب قبله : حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن يحيى عن أبي سلمة قال : أخبرتني عائشة وابن عباس قالا لبث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن ، وبالمدينة عشرا (1).
ذكر البخاري ، رحمه الله ، كتاب "فضائل القرآن" بعد كتاب التفسير ؛ لأن التفسير أهم ولهذا بدأ به ، [ونحن قدمنا الفضائل قبل التفسير وذكرنا فضل كل سورة قبل تفسيرها ليكون ذلك باعثا على حفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه والله المستعان] (2).
وقول ابن عباس في تفسير المهيمن إنما يريد به البخاري قوله تعالى في المائدة بعد ذكر التوراة والإنجيل : { وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } [المائدة : 48]. قال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله :
حدثنا المثنى ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية عن علي - يعني ابن أبي طلحة - عن ابن عباس في قوله : { وَمُهَيْمِنًا عََلَيْهِ } قال : المهيمن : الأمين. قال : القرآن أمين على كل كتاب قبله (3). وفي رواية : شهيدا عليه (4). وقال سفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عن أبي إسحاق السبيعي ، عن التميمي ، عن ابن عباس : { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } قال : مؤتمنا (5). وبنحو ذلك قال مجاهد والسدي وقتادة وابن جريج والحسن البصري وغير واحد من أئمة السلف. وأصل الهيمنة : الحفظ والارتقاب ، يقال إذا رَقَب الرجل الشيء وحفظه وشهده : قد هيمن فلان عليه ، فهو يهيمن هيمنة وهو عليه مهيمن ، وفي أسماء الله تعالى : المهيمن ، وهو الشهيد على كل شيء ، والرقيب : الحفيظ بكل شيء.
وأما الحديث الذي أسنده البخاري : أنه ، عليه السلام ، أقام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن ، وبالمدينة عشرا ، فهو مما انفرد به البخاري دون مسلم ، وإنما رواه النسائي من حديث شيبان وهو ابن عبد الرحمن ، عن يحيى وهو ابن أبي كثير ، عن أبي سلمة عنها (6).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثنا يزيد عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة ، ثم
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4978 ، 4979).
(2) جاء في م : "فجرينا على منواله وسننه مقتدين به" وما أثبته من ط ، جـ.
(3) تفسير الطبري (10/ 379) ط. المعارف.
(4) تفسير الطبري (10/ 377) ط. المعارف.
(5) رواه الطبري في تفسيره (10/ 378) ط. المعارف.
(6) سنن النسائي الكبرى برقم (7977).

(1/17)


قرأ { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنزلْنَاهُ تَنزيلا } [الإسراء : 106]. هذا إسناد صحيح (1). أما إقامته بالمدينة عشرا فهذا ما لا خلاف فيه ، وأما إقامته بمكة بعد النبوة فالمشهور ثلاث عشرة سنة ؛ لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، أوحى إليه وهو ابن أربعين سنة ، وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح ، ويحتمل أنه حذف ما زاد على العشرة اختصارا في الكلام ؛ لأن العرب كثيرا ما يحذفون الكسور في كلامهم ، أو أنهما إنما اعتبرا قرن جبريل ، عليه السلام ، به عليه السلام. فإنه (2) قد روى الإمام أحمد أنه قرن به ، عليه السلام ، ميكائيل في ابتداء الأمر ، يلقى إليه الكلمة والشيء ، ثم قرن به جبريل.
ووجه مناسبة هذا الحديث بفضائل القرآن : أنه ابتدئ بنزوله في مكان شريف ، وهو البلد الحرام ، كما أنه كان في زمن شريف وهو شهر رمضان ، فاجتمع له شرف الزمان والمكان ؛ ولهذا يستحب إكثار تلاوة القرآن في شهر رمضان ؛ لأنه ابتدئ نزوله فيه ؛ ولهذا كان جبريل يعارض به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل سنة في شهر رمضان ، فلما كان في السنة التي توفى فيها عارضه به مرتين تأكيدا وتثبيتًا.
وأيضا في هذا الحديث بيان أنه من القرآن مَكِّي ومنه مدني ، فالمكي : ما نزل قبل الهجرة ، والمدني : ما نزل بعد الهجرة ، سواء كان بالمدينة أو بغيرها من أي البلاد كان ، حتى ولو كان بمكة أو عرفة. وقد أجمعوا على سور أنها من المكي وأخر أنها من المدني ، واختلفوا في أخر ، وأراد بعضهم ضبط ذلك بضوابط في تقييدها عسر ونظر ، ولكن قال بعضهم : كل سورة في أولها شيء من الحروف المقطعة فهي مكية إلا البقرة وآل عمران ، كما أن كل سورة فيها : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فهي مدنية وما فيها : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ } فيحتمل أن يكون من هذا ومن هذا ، والغالب أنه مكي. وقد يكون مدنيا كما في البقرة { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (3) [البقرة : 20] ، { يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [البقرة : 168].
قال أبو عبيد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا من سمع الأعمش يحدث عن إبراهيم بن علقمة : كل شيء في القرآن : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فإنه أنزل بالمدينة ، وما كان { يَاأَيُّهَا النَّاسُ } فإنه أنزل بمكة (4). ثم قال : حدثنا علي بن معبد ، عن أبي الملَيْح ، عن ميمون بن مِهْران ، قال : ما كان في القرآن : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ } و { يَابَنِي آدَمَ } فإنه مكي ، وما كان : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فإنه مدني (5).
ومنهم من يقول : إن بعض السور نزل مرتين ، مرة بالمدينة ومرة بمكة ، والله أعلم. ومنهم من يستثني من المكي آيات يدعي أنها من المدني ، كما في سورة الحج وغيرها.
والحق في ذلك ما دل عليه الدليل الصحيح ، فالله أعلم. وقال أبو عبيد : حدثنا عبد الله بن
__________
(1) فضائل القرآن (ص 222) ورواه الحاكم في المستدرك (2/ 222) من طريق يزيد بن هارون به ، وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
(2) في ط : "فكأنه".
(3) في م : "اتقوا" وهو خطأ.
(4) فضائل القرآن (ص 222).
(5) فضائل القرآن (ص 222).

(1/18)


صالح ، عن معاوية بن صالح بن علي بن أبي طلحة ، قال : نزلت بالمدينة سورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنفال ، والتوبة ، والحج ، والنور ، والأحزاب ، والذين كفروا ، والفتح ، والحديد ، والمجادلة ، والحشر ، والممتحنة ، والحواريون ، والتغابن ، و { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } و { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ } والفجر ، { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى } و { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } و { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا } و { إِذَا زُلْزِلَتِ } و { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ } وسائر ذلك بمكة (1).
وهذا إسناد صحيح عن ابن أبي طلحة مشهور ، وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير ، وقد ذكر في المدني سورا في كونها مدنية نظر ، وفاته الحجرات والمعوذات.
الحديث الثاني : وقال البخاري : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا معتمر قال : سمعت أبي عن أبي عثمان قال : أنبئت أن جبريل ، عليه السلام ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة ، فجعل يتحدث ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "من هذا ؟" أو كما قال ، قالت : هذا دحية الكلبي ، فلما قام قلت : والله ما حسبته إلا إياه ، حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يُخبر خَبر جبريل. أو كما قال ، قال أبي : فقلت لأبي عثمان : ممن سمعت هذا ؟ فقال : من أسامة بن زيد. وهكذا رواه أيضا في علامات النبوة عن عباس بن الوليد النرسي ، ومسلم في فضائل أم سلمة عن عبد الأعلى بن حماد [ومحمد بن عبد الأعلى] (2) كلهم عن معتمر بن سليمان به (3).
والغرض من إيراد هذا الحديث هاهنا أن السفير بين الله وبين محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام وهو ملك كريم ذو وجاهة وجلالة ومكانة كما قال : { نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ } [الشعراء : 193 ، 194] ، وقال تعالى : { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } الآيات [التكوير : 19 - 22]. فمدح الرب تبارك وتعالى عبديه ورسوليه جبريل ومحمدًا صلى الله عليه وسلم وسنستقصي الكلام على تفسير هذا الكتاب (4) في موضعه إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وفي الحديث فضيلة عظيمة لأم سلمة ، رضي الله عنها - كما بينه مسلم رحمه الله - لرؤيتها لهذا الملك العظيم ، وفضيلة أيضا لدحية بن خليفة الكلبي ، وذلك أن جبريل ، عليه السلام ، كان كثيرا ما يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة دحية وكان جميل الصورة ، رضي الله عنه ، وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي ، كلهم ينسبون إلى كلب بن وبرة وهم قبيلة من قضاعة ، وقضاعة قيل : إنهم من عدنان ، وقيل : من قحطان ، وقيل : بطن مستقل بنفسه ، والله أعلم.
__________
(1) فضائل القرآن (ص 221).
(2) زيادة من جـ ، م.
(3) صحيح البخاري برقم (4980) ، (3634) ، وصحيح مسلم برقم (2451).
(4) في جـ. "المكان".

(1/19)


الحديث الثالث : حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث بن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال النبي (1) صلى الله عليه وسلم : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" (2).
ورواه أيضا في [كتاب] (3) الاعتصام عن عبد العزيز بن عبد الله ومسلم والنسائي عن قتيبة جميعا ، عن الليث بن سعد ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه - واسمه كيسان المقبري - به.
وفي هذا الحديث فضيلة عظيمة للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها نبي من الأنبياء ، وعلى كل كتاب أنزله ، وذلك أن معنى الحديث : ما من نبي إلا أعطى من المعجزات ما آمن عليه البشر ، أي : ما كان دليلا على تصديقه فيما جاءهم به واتبعه من اتبعه من البشر ، ثم لما مات الأنبياء لم يبق لهم معجزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عما شاهده في زمانه ، فأما الرسول الخاتم للرسالة محمد صلى الله عليه وسلم فإنما كان معظم ما آتاه الله وحيا منه إليه منقولا إلى الناس بالتواتر ، ففي كل حين هو كما أنزل ، فلهذا قال : "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا" ، وكذلك وقع ، فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعموم رسالته ودوامها إلى قيام الساعة ، واستمرار معجزته ؛ ولهذا قال الله : { تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } [الفرقان : 1] ، وقال تعالى : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء : 88] ، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [هود : 13] ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا ، فقال : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [يونس : 38] ، وقصر التحدي على هذا المقام في السور (4) المكية كما ذكرنا وفي المدنية أيضا كما في سورة البقرة ، حيث يقول تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [البقرة : 23 ، 24] فأخبرهم بأنهم عاجزون عن معارضته بمثله ، وأنهم لا يفعلون ذلك في المستقبل أيضا ، وهذا وهم أفصح الخلق وأعلمهم بالبلاغة والشعر وقريض الكلام وضروبه ، لكن جاءهم من الله مالا قبل لأحد من البشرية من الكلام الفصيح البليغ ، الوجيز ، المحتوي على العلوم الكثيرة الصحيحة النافعة ، والأخبار الصادقة عن الغيوب الماضية والآتية ، والأحكام العادلة والمحكمة ، كما قال تعالى : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا } [الأنعام : 115].
وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن إسحاق قال : ذكر محمد بن كعب القرظي عن الحارث بن عبد الله الأعور قال : قلت : لآتين أمير المؤمنين ، فلأسألنه عما سمعت العشية [قال] (5) فجئته بعد العشاء ، فدخلت عليه ، فذكر الحديث. قال : ثم
__________
(1) في جـ : "رسول الله".
(2) صحيح البخاري برقم (4981) ، (7274).
(3) زيادة من جـ.
(4) في جـ ، ط : "السورة".
(5) زيادة من جـ ، ط

(1/20)


قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " "أتاني جبريل فقال : يا محمد ، أمتك مختلفة بعدك". قال : "فقلت له : فأين المَخْرَج يا جبريل ؟" قال : فقال : "كتاب الله به يَقْصِم الله كلَّ جبار ، من اعتصم به نجا ، ومن تركه هلك ، مرتين ، قول فَصْل وليس بالهزل ، لا تخلقه الألسن ، ولا تفنى عجائبه ، فيه نبأ من كان قبلكم ، وفصل ما بينكم ، وخبر ما هو كائن بعدكم" " هكذا رواه الإمام أحمد (1). وقال أبو عيسى الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا حسين بن علي الجعفي ، حدثنا حمزة الزيات ، عن أبي المختار الطائي ، عن ابن أخي الحارث الأعور ، عن الحارث الأعور ، قال : مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت علَى علِيّ فقلت : يا أمير المؤمنين ، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث ؟ قال : أو قد فعلوها ؟ قلت : نعم. قال : أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إنها ستكون فتنة" فقلت : ما المَخْرج منها يا رسول الله ؟ قال : "كتاب الله ، فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحُكْم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهَزْل ، من تركه من جبار قَصَمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، هو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تَلْتَبِس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يَخْلَق عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، هو الذي لم تنته الجن إذْ سمعته حتى قالوا : { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ } [الجن : 1 ، 2] ، من قال به صَدق ، ومن عمل به أجِر ، ومن حكم به عَدَل ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم". خذها إليك يا أعور ، ثم قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات ، وإسناده مجهول وفي حديث الحارث مقال (2).
قلت : لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات ، بل قد رواه محمد بن إسحاق ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن الحارث الأعور ، فبرئ حمزة من عهدته ، على أنه وإن كان ضعيف الحديث إلا أنه إمام في القراءة والحديث ، مشهور من رواية الحارث الأعور وقد تكلموا فيه ، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده ، أما إنه تعمد الكذب في الحديث فلا والله أعلم.
وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ، رضي الله عنه ، وقد وَهِم بعضهم في رفعه ، وهو كلام حسن صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه فضائل القرآن : حدثنا أبو اليقظان ، حدثنا عمار بن محمد الثوري أو غيره عن أبي إسحاق الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن حبل الله عز وجل ، وهو النور المبين ، والشفاء النافع ، عِصْمَة لمن تمسك به ، ونجاة لمن تبعه ، لا يعوج فيقوم ، لا يزيغ فيستعتب ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يَخْلَق عن كثرة الرد ، فاتلوه ، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات ، أما إني لا أقول لكم الم حرف ، ولكن ألف عشر ، ولام عشر ، وميم عشر" (3). وهذا غريب من هذا الوجه ، وقد رواه محمد بن فضيل عن أبي إسحاق
__________
(1) المسند (1/ 91).
(2) سنن الترمذي برقم (2906).
(3) فضائل القرآن (ص 21) ورواه الحاكم في المستدرك (1/ 555) من طريق الهجري به.

(1/21)


الهجري ، واسمه إبراهيم بن مسلم ، وهو أحد التابعين ، ولكن تكلموا فيه كثيرا.
وقال أبو حاتم الرازي : لين ليس بالقوي. وقال أبو الفتح الأزدي : رفَّاع كثير الوهم. قلت : فيحتمل ، والله أعلم ، أن يكون وهم في رفع هذا الحديث ، وإنما هو من كلام ابن مسعود ، ولكن له شاهد من وجه آخر ، والله أعلم.
وقال أبو عبيد أيضا : حدثنا حجاج عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال : لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن ، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله (1).
الحديث الرابع : قال البخاري : حدثنا عمرو بن محمد ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن (2) شهاب ، قال : أخبرني أنس بن مالك أن الله تابع الوحي على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي ، ثم توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد. وهكذا رواه مسلم عن عمرو بن محمد هذا - وهو الناقد - وحسن الحلواني وعبد بن حميد والنسائي عن إسحاق ابن منصور الكوسج ، أربعتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري به (3).
ومعناه : أن الله تعالى تابع نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا بعد شيء كل وقت بما يحتاج إليه ، ولم تقع فترة بعد الفترة الأولى التي كانت بعد نزول الملك أول مرة بقوله : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } [العلق : 1] فإنه استلبث الوحي بعدها حينا يقال : قريبا من سنتين أو أكثر ، ثم حمي الوحي وتتابع ، وكان أول شيء نزل بعد تلك الفترة { يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ } [المدثر : 1 ، 2].
الحديث الخامس : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال : سمعت جندبا يقول : اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتته امرأة فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلا تركك ، فأنزل الله تعالى : { وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } [ الضحى : 1 - 3] (4).
وقد رواه البخاري في غير موضع أيضا ، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق أخر (5) عن سفيان - وهو الثوري - وشعبة بن الحجاج كلاهما عن الأسود بن قيس العبدي ، عن جندب بن عبد الله البجلي ، به. وسيأتي الكلام على هذا الحديث في تفسير سورة الضحى إن شاء الله تعالى.
والمناسبة في ذكر هذا الحديث والذي قبله في فضائل القرآن : أن الله تعالى له برسوله عناية
__________
(1) فضائل القرآن (ص 21).
(2) في ط ، جـ : "أبى".
(3) صحيح البخاري برقم (4982) وصحيح مسلم برقم (3016).
(4) صحيح البخاري برقم (4983).
(5) صحيح البخاري برقم (1152 ، 4950 ، 4951) وصحيح مسلم برقم (1797) وسنن الترمذي برقم (3345) وسنن النسائي الكبرى برقم (11681).

(1/22)


عظيمة ومحبة شديدة ، حيث جعل الوحي متتابعا عليه ولم يقطعه عنه ؛ ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرقا ليكون ذلك في أبلغ العناية والإكرام.
قال البخاري ، رحمه الله : نزل القرآن بلسان قريش والعرب ، قرآنا عربيا ، بلسان عربي مبين ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب (1) عن الزهري : أخبرني أنس بن مالك قال : فأمر عثمان بن عفان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف ، وقال لهم : إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية القرآن ، فاكتبوها بلسان قريش ، فإن القرآن نزل بلسانهم ، ففعلوا (2).
هذا الحديث قطعة من حديث سيأتي قريبا والكلام عليه ومقصود البخاري منه ظاهر ، وهو أن القرآن نزل بلغة قريش ، وقريش خلاصة العرب ؛ ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد ، حدثنا يزيد ، حدثنا شيبان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : لا يملى في مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش أو غلمان ثقيف. وهذا إسناد صحيح (3). وقال أيضا : حدثنا إسماعيل بن أسد ، حدثنا هوذة ، حدثنا عوف ، عن عبد الله بن فضالة ، قال : لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرا من أصحابه وقال : إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر ، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر صلى الله عليه وسلم (4) وقد قال الله تعالى : { قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [الزمر : 28] ، وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [الشعراء : 192 - 195] ، وقال تعالى : { وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } [النحل : 103] ، وقال تعالى : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَاْعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ } الآية [فصلت : 44] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.
ثم ذكر البخاري ، رحمه الله ، حديث يعلى بن أمية أنه كان يقول : ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي. فذكر الحديث الذي سأل عمن أحرم بعمرة وهو متمطخ بطيب وعليه جبة ، وقال : فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم فجأه الوحي ، فأشار عمر إلى يعلى أي : تعال ، فجاء يعلى ، فأدخل رأسه فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة ، ثم سرى عنه ، فقال : "أين الذي سألني عن العمرة آنفا ؟ " فذكر أمره بنزع الجبة وغسل الطيب.
وهذا الحديث رواه جماعة (5) من طرق عديدة (6) والكلام عليه في كتاب الحج ، ولا تظهر مناسبة ما بينه وبين هذه الترجمة ، ولا يكاد ، ولو ذكر في الترجمة التي قبلها لكان أظهر وأبين ، والله أعلم.
__________
(1) في جـ : "سفيان".
(2) صحيح البخاري برقم (4984).
(3) المصاحف (ص 17).
(4) المصاحف (ص 17).
(5) ط ، جـ : "الجماعة".
(6) صحيح البخاري برقم (4985) ، وبرقم (1847 ، 1789) وصحيح مسلم برقم (1180) وسنن أبي داود برقم (1819 ، 1820) وسنن الترمذي برقم (836) وسنن النسائي (5/ 130).

(1/23)


جمع القرآن
قال المؤلف ، رحمه الله (1) فائدة جليلة حسنة : ثبت في الصحيحين عن أنس قال : جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ، كلهم من الأنصار ؛ أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد. فقيل له : من أبو زيد ؟ قال : أحد عمومتي. وفي لفظ للبخاري عن أنس قال : مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة ؛ أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، ونحن ورثناه.
قلت : أبو زيد هذا ليس بمشهور ؛ لأنه مات قديما ، وقد ذكروه في أهل بدر ، وقال بعضهم : سعيد بن عبيد. ومعنى قول أنس : "ولم يجمع القرآن". يعني من الأنصار سوى هؤلاء ، وإلا فمن المهاجرين جماعة كانوا يجمعون القرآن كالصديق ، وابن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم.
قال الشيخ أبو الحسن الأشعري ، رحمه الله : قد علم بالاضطرار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكر في مرض الموت ليصلي بالناس ، وقد ثبت في الخبر المتواتر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ليؤم القوم أقرؤهم" " (2) فلو لم يكن الصديق أقرأ القوم لما قدمه عليهم. نقله أبو بكر بن زنجويه في كتاب فضائل الصديق عن الأشعري.
وحكى القرطبي في أوائل تفسيره عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه قال - بعد ذكره حديث أنس بن مالك هذا - : فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان ، وعلي ، وتميم الداري ، وعبادة بن الصامت ، وعبد الله بن عمرو بن العاص. فقول أنس : "لم يجمعه غير أربعة" يحتمل لم يأخذه تلقيا من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء الأربعة ، وأن بعضهم تلقى بعضه عن بعض. قال : وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأجل سبقهم إلى الإسلام ، وإعظام الرسول لهم (3).
قال القرطبي : لم يذكر القاضي ابن مسعود وسالما مولى أبي حذيفة ، وهما ممن جمع القرآن (4). [نقلت هذه من على ظهر الجزء الأول من أجزاء المؤلف] (5).أ. هـ.
حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، حدثنا ابن شهاب ، عن عبيد بن السباق ، أن زيد بن ثابت قال : أرسل إلىّ أبو بكر - مقتل أهل اليمامة - فإذا عمر بن الخطاب عنده ، فقال أبو بكر : إن عمر بن الخطاب أتاني ، فقال : إن القتل قد استَحَرَّ بقُرَّاء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر : كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عمر : هذا والله خير ، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد : قال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد
__________
(1) في م : "قال المؤلف ، رحمه الله ، فيما وجد على ظهر الجزء الأول من تفسيره" وسيأتي هذا في ط في آخر الفائدة.
(2) رواه مسلم في صحيحه برقم (672) من حديث عقبة بن عمرو ، رضي الله عنه.
(3) تفسير القرطبي (1/ 57).
(4) تفسير القرطبي (1/ 57).
(5) زيادة من ط.

(1/24)


كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتتبع القرآن فاجمعه ، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما. فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخَاف وصدور الرجال ، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ } [التوبة : 128] حتى خاتمة براءة ، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر ، رضي الله عنهم (1).
وقد روى البخاري هذا [الحديث] (2) في غير موضع من كتابه ، ورواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به (3).
وهذا من أحسن وأجل وأعظم ما فعله الصديق ، رضي الله عنه ، فإنه أقامه الله بعد النبي صلى الله عليه وسلم مقاما لا ينبغي لأحد بعده ، قاتل الأعداء من مانعي الزكاة ، والمرتدين ، والفرس والروم ، ونفذ الجيوش ، وبعث البعوث والسرايا ، ورد الأمر إلى نصابه بعد الخوف من تفرقه وذهابه ، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارئ من حفظه كله ، وكان هذا من سر قوله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر : 9] فجمع الصديق الخير وكف الشرور ، رضي الله عنه وأرضاه. ولهذا روى غير واحد من الأئمة منهم وَكِيع وابن زيد وقبيصة عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن عبد خير ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أنه قال : أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر ، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين (4). إسناده صحيح.
وقال أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف : حدثنا هارون بن إسحاق ، حدثنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، أن أبا بكر هو الذي جمع القرآن بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : ختمه (5). صحيح أيضا. وكان عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، هو الذي تنبه لذلك لما استحر القتل بالقراء ، أي اشتد القتل وكثر في قراء القرآن يوم اليمامة ، يعني : يوم اليمامة ، يعني يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه ومن بني حنيفة بأرض اليمامة في حديقة الموت ، وذلك أن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف ، فجهز الصديق لقتاله خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفًا ، فالتقوا معهم (6) فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة من فيه من الأعراب ، فنادى القراء من كبار الصحابة : يا خالد ، يقولون : ميزنا من هؤلاء الأعراب فتميزوا (7) منهم ، وانفردوا ، فكانوا قريبا من ثلاثة آلاف ، ثم صدقوا الحملة ، وقاتلوا قتالا شديدا ، وجعلوا يتنادون : يا أصحاب سورة البقرة ، فلم يزل ذلك دأبهم حتى فتح الله
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4986).
(2) زيادة من جـ.
(3) صحيح البخاري برقم (4679 ، 4989) والمسند (1/ 10) وسنن الترمذي برقم (3103) وسنن النسائي الكبرى برقم (7995).
(4) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص 156) وابن أبي داود في المصاحف (ص 11).
(5) المصاحف (ص 12).
(6) في جـ : "بهم".
(7) في جـ : "فميزوا".

(1/25)


عليهم ووَلَّى جيش الكفار (1) فارا ، وأتبعتهم السيوف المسلمة في [أقنيتهم] (2) قتلا وأسرا ، وقتل الله مسيلمة ، وفرق شمل أصحابه ، ثم رجعوا إلى الإسلام ، ولكن قتل من القراء يومئذ قريب من خمسمائة ، رضي الله عنهم ، فلهذا أشار عمر على الصِّديق بأن يجمع القرآن ؛ لئلا يذهب منه شيء بسبب موت من يكون يحفظه من الصحابة بعد ذلك في مواطن القتال ، فإذا كتب وحفظ صار ذلك محفوظا فلا فرق بين حياة من بلغه أو موته ، فراجعه الصديق قليلا ليثبت في الأمر ، ثم وافقه ، وكذلك راجعهما زيد بن ثابت في ذلك ثم صارا (3) إلى ما رأياه ، رضي الله عنهم أجمعين ، وهذا المقام من أعظم فضائل زيد بن ثابت الأنصاري ؛ ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا عبد الله بن محمد بن خَلاد ، حدثنا يزيد ، حدثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن ؛ أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل : كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة ، فقال : إنا لله ، فأمر بالقرآن فجمع فكان أول من جمعه في المصحف (4).
هذا منقطع ، فإن الحسن لم يدرك عمر ، ومعناه : أشار بجمعه فجمع ؛ ولهذا كان مهيمنا على حفظه وجمعه كما رواه ابن أبي داود حيث قال : حدثنا أبو الطاهر (5) حدثنا ابن وهب ، حدثنا عمر بن طلحة الليثي ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، أن عمر لما جمع القرآن كان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان (6).
وذلك عن أمر الصديق له في ذلك ، كما قال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا أبو الطاهر ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرق أبو بكر ، رضي الله عنه ، أن يضيع ، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت : فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه (7). منقطع حسن.
ولهذا قال زيد بن ثابت : وجدت آخر سورة التوبة ، يعني قوله تعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ } إلى آخر الآيتين [التوبة : 128 ، 129] ، مع أبي خزيمة الأنصاري ، وفي رواية : مع خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادتين لم أجدها مع غيره فكتبوها عنه لأنه جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادتين في قصة الفرس التي ابتاعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعرابي ، فأنكر الأعرابي البيع ، فشهد خزيمة هذا بتصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمضى شهادته وقبض الفرس من الأعرابي. والحديث رواه أهل السنن (8) وهو مشهور ، وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية أن أبيّ بن كعب أملاها عليهم مع خزيمة بن ثابت (9).
وقد روى ابن وهب عن عمرو (10) بن طلحة الليثي ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن يحيى
__________
(1) في جـ : "الكفر".
(2) في ط : "أخفيتهم".
(3) في ط : "صاروا".
(4) المصاحف (ص 16).
(5) في جـ : "الظاهر".
(6) المصاحف (ص 17).
(7) المصاحف (ص 12).
(8) سنن أبي داود برقم (3607) وسنن النسائي (7/ 302).
(9) رواه أحمد في المسند (5/ 134) من طريق عمر بن شقيق عن أبي جعفر به.
(10) في ط : "عمر".

(1/26)


ابن عبد الرحمن بن حاطب ؛ أن عثمان شهد بذلك أيضًا (1).
وأما قول زيد [بن ثابت] (2) "فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال" وفي رواية : "من العسب والرِّقَاع والأضلاع ، وفي رواية : "من الأكتاف والأقتاب وصدور الرجال".
أما العُسُب فجمع عسيب. قال أبو النصر إسماعيل بن حماد الجوهري : وهو من السعف فويق الكَرَب لم ينبت عليه الخوص ، وما نبت عليه الخوص فهو السعف.
واللِّخاف : جمع لَخْفَة وهي القطعة من الحجارة مستدقة ، كانوا يكتبون عليها وعلى العسب وغير ذلك ، مما يمكنهم الكتابة عليه مما يناسب ما يسمعونه من القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنهم من لم يكن يحسن الكتابة أو يثق بحفظه ، فكان يحفظه ، فتلقاه زيد بن ثابت من هذا من عسيبه ، ومن هذا من لخافه ، ومن صدر هذا ، أي من حفظه ، وكانوا أحرص شيء على أداء الأمانات وهذا من أعظم الأمانة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أودعهم ذلك ليبلغوه إلى من بعده كما قال [الله] (3) تعالى : { يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } [المائدة : 67] ، ففعل ، صلوات الله وسلامه عليه ، ما أمر به ؛ ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة على رؤوس الأشهاد ، والصحابة أوفر ما كانوا مجتمعين ، فقال : "إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون (4) ؟ ". فقالوا : نشهد أنك قد بَلَّغت وأدَّيت ونصحت ، فجعل يشير بأصبعه إلى السماء ، وينكبها عليهم ويقول : "اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد". رواه مسلم عن جابر (5). وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب وقال : "بَلِّغوا عني ولو آية" (6) يعني : ولو لم يكن مع أحدكم سوى آية واحدة فليؤدها إلى من وراءه ، فبلَّغوا عنه ما أمرهم به ، فأدوا القرآن قرآنا ، والسنة سنة ، لم يلبسوا هذا بهذا ؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : "من كتب عني سوى القرآن فليمحه" (7) أي : لئلا يختلط بالقرآن ، وليس معناه : ألا يحفظوا السنة ويرووها ، والله أعلم.
فلهذا نعلم بالضرورة أنه لم يبق من القرآن مما أداه الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم إلا وقد بلغوه إلينا ، ولله الحمد والمنة ، فكان الذي فعله الشيخان أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، من أكبر المصالح الدينية وأعظمها ، من حفظهما كتاب الله في الصحف ؛ لئلا يذهب منه شيء بموت من تلقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كانت تلك الصحف عند الصديق أيام حياته ، ثم أخذها عمر بعده محروسة معظمة مكرمة ، فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، حتى أخذها منها أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
قال البخاري ، رحمه الله : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم ، حدثنا ابن شهاب ، عن
__________
(1) رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص 17).
(2) زيادة من م.
(3) زيادة من م.
(4) في ط ، جـ : "مجيبون".
(5) صحيح مسلم برقم (1218).
(6) رواه البخاري في صحيحه برقم (3461) من حديث عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنهما.
(7) رواه مسلم في صحيحه برقم (2299) من حديث أبي سعيد ، رضي الله عنه.

(1/27)


أنس بن مالك ، حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان رضي الله عنهما وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة. فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين ، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما أنزل بلسانهم. ففعلوا ، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في محل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال ابن شهاب الزهري : فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت : سمع زيد بن ثابت قال : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها ، التمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } [الأحزاب : 23] ، فألحقناها في سورتها في المصحف (1).
وهذا - أيضا - من أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء وهو جمع الناس على قراءة واحدة ؛ لئلا يختلفوا في القرآن ، ووافقه على ذلك جميع الصحابة ، وإنما روي عن عبد الله (2) بن مسعود شيء من التغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف وأمر أصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرقه ماعدا المصحف الإمام ، ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق حتى قال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا. فاتفق الأئمة (3) أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، رضي الله عنهم ، على أن ذلك من مصالح الدين ، وهم الخلفاء الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " (4). وكان السبب في هذا حذيفة بن اليمان ، رضي الله عنه لما (5) كان غازيا في فتح أرمينية وأذربيجان ، وكان قد اجتمع هناك أهل الشام والعراق وجعل حذيفة يسمع منهم قراءات على حروف شتى ، ورأى منهم اختلافا وافتراقا ، فلما رجع إلى عثمان أعلمه وقال لعثمان : أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
وذلك أن اليهود والنصارى مختلفون فيما بأيديهم من الكتب ، فاليهود بأيديهم نسخة من التوراة ، والسامرة يخالفونهم في ألفاظ كثيرة ومعان أيضا ، وليس في توراة السامرة حرف الهمزة ولا حرف الياء ، والنصارى - أيضا - بأيديهم توراة يسمونها العتيقة وهي مخالفة لنسختي اليهود والسامرة ، وأما
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4987 ، 4988).
(2) في ط ، جـ : "عبد الرحمن".
(3) في ط ، جـ : "الأربعة".
(4) رواه أحمد في المسند (4/ 126) وأبو داود في السنن برقم (07 46) والترمذي في السنن برقم (2676) وقال الترمذي : "حديث حسن صحيح".
(5) في ط ، جـ : "فإنه".

(1/28)


الأناجيل التي بأيدي النصارى فأربعة : إنجيل مرقس ، وإنجيل لوقا وإنجيل متى ، وإنجيل يوحنا ، وهي مختلفة - أيضا - اختلافا كثيرا ، وهذه الأناجيل الأربعة كل منها لطيف الحجم منها ما هو قريب من أربع عشرة ورقة بخط متوسط ، ومنها ما هو أكثر من ذلك إما بالنصف أو بالضعف ، ومضمونها سيرة عيسى وأيامه وأحكامه وكلامه وفيه شيء قليل مما يدعون أنه كلام الله ، وهي مع هذا مختلفة ، كما قلنا ، وكذلك التوراة مع ما فيها من التبديل والتحريف ، ثم هما منسوخان بعد ذلك بهذه الشريعة المحمدية المطهرة.
فلما قال حذيفة لعثمان ذلك أفزعه وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التي عندها مما جمعه الشيخان ليكتب ذلك في مصحف واحد ، وينفذه إلى الآفاق ، ويجمع الناس على القراءة به وترك ما سواه ، ففعلت حفصة وأمر عثمان هؤلاء الأربعة وهم زيد بن ثابت الأنصاري ، أحد كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي ، أحد فقهاء الصحابة ونجبائهم علما وعملا وأصلا وفضلا وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي ، وكان كريما جوادا ممدحا ، وكان أشبه الناس لهجة برسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي ، فجلس هؤلاء النفر يكتبون القرآن نسخا ، وإذا اختلفوا في وضع الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان ، كما اختلفوا في التابوت أيكتبونه بالتاء والهاء ، فقال زيد بن ثابت : إنما هو التابوه وقال الثلاثة القرشيون : إنما هو التابوت فتراجعوا (1) إلى عثمان فقال : اكتبوه بلغة قريش ، فإن القرآن نزل بلغتهم.
وكان عثمان - والله أعلم - رتب السور في المصحف ، وقدم السبع الطوال وثنى بالمئين ؛ ولهذا روى ابن جرير وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث غير واحد من الأئمة الكبار ، عن عوف الأعرابي ، عن يزيد الفارسي ، عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين ، فقرنتم بينها ولم تكتبوا بينها سطر "بسم الله الرحمن الرحيم" ، ووضعتموها في السبع الطوال ؟ ما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان : كان رسول الله مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، فإذا أنزلت عليه الآية فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، وحسبت أنها منها وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر "بسم الله الرحمن الرحيم" فوضعتها في السبع الطوال (2).
__________
(1) في ط : "فترافعوا".
(2) تفسير الطبري (1/ 102) وسنن أبي داود برقم (786) وسنن الترمذي برقم (3086) وسنن النسائي الكبرى برقم (8007) ويزيد الفارسي مجهول وقد انفرد بهذا الحديث.

(1/29)


ففهم من هذا الحديث أن ترتيب الآيات والسور أمر توقيفي متلقى عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأما ترتيب السور فمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ؛ ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبا ؛ فإن نكسه أخطأ خطأ كبيرا. وأما ترتيب السور فمستحب اقتداء بعثمان ، رضي الله عنه ، والأولى إذا قرأ أن يقرأ متواليا كما قرأ ، عليه الصلاة والسلام ، في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين وتارة بسبح وهل أتاك حديث الغاشية ، فإن فرق جاز ، كما صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في العيد بقاف واقتربت الساعة ، رواه مسلم عن أبي واقد (1) في الصحيحين عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة : الم السجدة ، وهل أتى على الإنسان (2).
وإن قدم بعض السور على بعض جاز أيضا ، فقد روى حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران. أخرجه مسلم (3).
وقرأ عمر في الفجر بسورة النحل ثم بيوسف. ثم إن عثمان رد الصحف إلى حفصة ، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم يطلبها فلم تعطه حتى ماتت ، فأخذها من عبد الله بن عمر فحرقها لئلا يكون فيها شيء يخالف المصاحف التي نفذها عثمان إلى الآفاق ، مصحفا إلى أهل مكة ، ومصحفا إلى البصرة ، وآخر إلى الكوفة ، وآخر إلى الشام ، وآخر إلى اليمن ، وآخر إلى البحرين ، وترك عند أهل المدينة مصحفا ، رواه أبو بكر بن أبي داود عن أبي حاتم السجستاني ، سمعه يقوله (4). وصحح القرطبي أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف. وهذا غريب ، وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن يحرق لئلا تختلف قراءات الناس في الآفاق ، وقد وافقه الصحابة في عصره على ذلك ولم ينكره أحد منهم ، وإنما نقم عليه ذلك أولئك الرهط الذين تمالؤوا عليه وقتلوه ، قاتلهم الله ، وفي ذلك جملة ما أنكروه مما لا أصل له ، وأما سادات المسلمين من الصحابة ، ومن نشأ في عصرهم ذلك من التابعين ، فكلهم وافقوه.
قال أبو داود الطيالسي وابن مهدي وغُنْدَر عن شعبة ، عن عَلْقَمة بن مَرْثَد ، عن رجل ، عن سُوَيد بن غفلة ، قال عليّ حين حرق عثمان المصاحف : لو لم يصنعه هو لصنعته (5).
وقال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا أحمد بن سِنَان ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق (6) عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص ، قال : أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك ، أو قال : لم ينكر ذلك منهم أحد (7). وهذا إسناد صحيح.
وقال أيضا : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف ، حدثنا يحيى بن كثير ، حدثنا ثابت بن عمارة
__________
(1) صحيح مسلم برقم (891).
(2) صحيح البخاري برقم (891) وصحيح مسلم برقم (880).
(3) صحيح مسلم برقم (772).
(4) المصاحف لابن أبي داود (ص 43).
(5) رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص19).
(6) في جـ : "أبي مصعب".
(7) المصاحف (ص19).

(1/30)


الحنفي ، قال : سمعت غنيم بن قيس المازني قال : قرأت القرآن على الحرفين جميعا ، والله ما يسرني أن عثمان لم يكتب المصحف ، وأنه ولد لكل مسلم كلما أصبح غلام ، فأصبح له مثل ماله. قال : قلنا له : يا أبا العنبر ، ولم ؟ قال : لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرؤون الشعر (1).
حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثني عمران بن حدير ، عن أبي مِجْلَز قال : لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرؤون الشعر. حدثنا أحمد بن سنان قال : سمعت ابن مهدي يقول : خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبي بكر ولا لعمر : صبره نفسه حتى قتل مظلومًا ، وجمعه الناس على المصحف (2).
وأما عبد الله بن مسعود فقد قال إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن حميد (3) بن مالك قال : لما أمر عثمان بالمصاحف - يعني بتحريقها - ساء ذلك عبد الله بن مسعود وقال : من استطاع منكم أن يغلَّ مصحفًا فليغلل ، فإنه من غلَّ شيئًا جاء بما غل يوم القيامة.
ثم قال عبد الله : لقد قرأت القرآن من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة وزيد صبي ، أفأترك ما أخذت من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).
وقال أبو بكر : حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان ، حدثنا سعيد بن سليمان (5) حدثتا ابن (6) شهاب ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، قال : خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال : { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [آل عمران : 161] ، غلوا مصاحفكم ، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت ، وقد قرأت القرآن من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة ، وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان ، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل ، وما أحد أعلم بكتاب الله مني ، وما أنا بخيركم ، ولو أعلم مكانا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته. قال أبو وائل : فلما نزل عن (7) المنبر جلست في الحلق ، فما أحد ينكر ما قال (8). أصل هذا مخرج في الصحيحين (9) وعندهما : ولقد علم أصحاب محمد أني أعلمهم بكتاب الله. وقول أبي وائل : "فما أحد ينكر ما قال" ، يعني : من فضله وعلمه وحفظه ، والله أعلم.
وأما أمره بغَلّ المصاحف وكتمانها ، فقد أنكره عليه غير واحد. قال الأعمش عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء ، فقال : كنا نعد عبد الله جبانا (10) فما باله يواثب الأمراء (11). وقال أبو بكر بن أبي داود : باب رضا عبد الله بن مسعود بجمع عثمان المصاحف بعد ذلك : حدثنا عبد الله بن سعيد ومحمد بن عثمان العجلي قالا حدثنا أبو أسامة ، حدثني الوليد بن قيس ، عن عثمان بن حسان العامري ، عن فُلفُلة الجعفي قال : فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في
__________
(1) المصاحف (ص 19).
(2) المصاحف (ص 19).
(3) في جـ : "عمير".
(4) المصاحف (ص 21).
(5) في جـ : "سلمان".
(6) في ط ، جـ : "أبو".
(7) في جـ : "من".
(8) المصاحف (ص 23).
(9) صحيح البخاري برقم (5000) وصحيح مسلم برقم (2462).
(10) في المصاحف : "حنانا".
(11) المصاحف (ص 25).

(1/31)


المصاحف ، فدخلنا عليه ، فقال رجل من القوم : إنا لم نأتك زائرين ، ولكنا جئنا حين راعنا هذا الخبر ، فقال : إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب ، على سبعة أحرف - أو حروف - وإن الكتاب قبلكم كان ينزل - أو نزل - من باب واحد على حرف واحد (1). وهذا الذي استدل به أبو بكر ، رحمه الله ، على رجوع ابن مسعود فيه نظر ، من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه ، والله أعلم.
وقال أبو بكر أيضا : حدثنا عمي ، حدثنا أبو رجاء ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن مصعب بن سعد قال : قام عثمان فخطب الناس فقال : [يا] (2) أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن ، وتقولون : قراءة أبي وقراءة عبد الله ، يقول الرجل : والله ما تقيم قراءتك ، وأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله لما جاء به ، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة ، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلا رجلا فناشدهم : لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمله عليك فيقول : نعم ، فلما فرغ من ذلك عثمان قال : من أكتَبُ الناس ؟ قالوا : كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت. قال : فأي الناس أعرب ؟ قالوا : سعيد بن العاص. قال عثمان : فليمْل سعيد ، وليكتب زيد. فكتب زيد مصاحف ففرقها في الناس ، فسمعت بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون (3) قد أحسن (4). إسناده (5) صحيح.
وقال أيضا : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن كثير بن أفلح قال : لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلا من قريش والأنصار ، فيهم أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ، قال : فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها ، قال : وكان عثمان يتعاهدهم ، وكانوا إذا تدارؤوا في شيء أخره. قال محمد : فقلت لكثير - وكان فيهم فيمن يكتب - : هل تدرون لم كانوا يؤخرونه ؟ قال : لا. قال محمد : فظننت ظنا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله (6). صحيح أيضا.
قلت : الربعة هي الكتب المجتمعة ، وكانت عند حفصة ، رضي الله عنها ، فلما جمعها عثمان ، رضي الله عنه ، في المصحف ، ردها إليها ، ولم يحرقها في جملة ما حرقه مما سواها ، إلا أنها هي بعينها الذي كتبه ، وإنما رتبه ، ثم إنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها ، فما زالت عندها حتى ماتت ، ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها وتأول في ذلك ما تأول (7) عثمان ، كما رواه أبو بكر بن أبي داود :
حدثنا محمد بن عوف ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني سالم بن عبد الله :
__________
(1) المصاحف (ص 25).
(2) زيادة من جـ ، ط.
(3) في ط ، جـ : "يقول".
(4) المصاحف (ص 31).
(5) في جـ ، ط : "إسناد".
(6) المصاحف (ص 33).
(7) في ط : "أول".

(1/32)


أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كتب منها القرآن ، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها. قال سالم : فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه بتلك الصحف ، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر فأمر بها مروان فشققت ، وقال مروان : إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف ، فخشيت إن طال بالناس زمان (1) أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب أو يقول : إنه كان شيء منها لم يكتب (2). إسناد صحيح.
وأما ما رواه الزهري (3) عن خارجة عن أبيه في شأن آية الأحزاب وإلحاقهم إياها في سورتها ، فذكره (4) لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر ، وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف كما جاء مصرحًا به في غير هذه الرواية عن الزهري ، عن عبيد بن السباق ، عن زيد بن ثابت ، والدليل على ذلك أنه قال : "فألحقناها (5) في سورتها من المصحف" وليست هذه الآية ملحقة في الحاشية في المصاحف العثمانية. فهذه الأفعال (6) من أكبر القربات التي بادر إليها الأئمة الراشدون أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، حفظا على الناس القرآن ، جمعاه لئلا يذهب منه شيء ، وعثمان ، رضي الله عنه ، جمع قراءات الناس على مصحف واحد ووضعه على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر رمضان من عمره ، عليه الصلاة والسلام ، فإنه عارضه به عامئذ مرتين ؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة ابنته لما مرض : "وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي". أخرجاه في الصحيحين (7).
وقد روي أن عليًا ، رضي الله عنه ، أراد أن يجمع القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتبا بحسب نزوله أولا فأولا كما رواه (8) ابن أبي داود حيث قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا ابن فضيل ، عن أشعث ، عن محمد بن سيرين قال : لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أقسم علي ألا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل ، فأرسل ، إليه أبو بكر ، رضي الله عنه ، بعد أيام : أكرهت إمارتي يا أبا الحسن ؟ فقال : لا والله إلا أني أقسمت ألا أرتدي برداء إلا لجمعة. فبايعه ثم رجع (9). هكذا رواه وفيه انقطاع ، ثم قال : لم يذكر المصحف أحد إلا أشعث (10) وهو لين الحديث (11) وإنما رووا (12) حتى أجمع القرآن ، يعني أتم حفظه ، فإنه يقال للذي يحفظ القرآن : قد جمع القرآن.
قلت : وهذا الذي قاله أبو بكر أظهر ، والله أعلم ، فإن عليا لم ينقل عنه مصحف على ما قيل ولا غير ذلك ، ولكن قد توجد مصاحف على الوضع العثماني ، يقال : إنها بخط علي ، رضي الله عنه ، وفي ذلك نظر ، فإنه في بعضها : كتبه علي بن أبي طالب ، وهذا لحن من الكلام (13) ؛ وعلي ،
__________
(1) في جـ : "الزمان".
(2) المصاحف (ص 32).
(3) رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص 37) عن الزهري.
(4) في جـ : "فذكر".
(5) في طـ ، جـ : "وألحقناها".
(6) في جـ : "الآيات".
(7) صحيح البخاري برقم (6285 ، 6286) وصحيح مسلم برقم (2450).
(8) في جـ : "روى".
(9) المصاحف (ص 16).
(10) في جـ : "الأشعث".
(11) في جـ ، طـ : "وهو ابن الحرث".
(12) في جـ ، طـ : "رواه".
(13) وقد ذكر "كوركيس عواد" في كتابه "أقدم مخطوطات في العالم" بعض هذه المصاحف وأماكنها وأرقامها في إيران وطاشقند ، ولا يشك عاقل أنها ليست من خط علي ، رضي الله عنه.

(1/33)


رضي الله عنه ، من أبعد الناس عن ذلك فإنه كما هو المشهور عنه هو أول من وضع علم النحو ، فيما رواه عنه أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي ، وأنه قسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف ، وذكر أشياء أخر تممها أبو الأسود بعده ، ثم أخذه الناس عن أبي الأسود فوسعوه ووضحوه ، وصار علما مستقلا.
وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله ، وقد كانت قديمًا بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثمان عشرة وخمسمائة ، وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخط حسن مبين قوي بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل ، والله أعلم ، زاده الله تشريفا وتكريما وتعظيما (1).
فأما عثمان ، رضي الله عنه ، فما يعرف أنه كتب بخطه هذه المصاحف ، وإنما كتبها زيد بن ثابت في أيامه ، ربما وغيره ، فنسبت إلى عثمان لأنها بأمره وإشارته ، ثم قرئت على الصحابة بين يدي عثمان ، ثم نفذت إلى الآفاق ، رضي الله عنه ، وقد قال أبو بكر بن أبي داود :
حدثنا علي بن حرب الطائي ، حدثنا قريش (2) بن أنس ، حدثنا سليمان التيمي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد مولى بني (3) أسيد ، قال : لما دخل المصريون على عثمان ضربوه بالسيف على يده فوقعت على : { فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [البقرة : 137] ، فمد يده فوقعت : والله إنها لأول يد خطت المفصل (4).
وقال أيضا : حدثنا أبو طاهر ، حدثنا ابن وهب قال : سألت مالكا عن مصحف عثمان ، فقال لي : ذَهَب. يحتمل أنه سأله عن المصحف الذي كتبه بيده ، ويحتمل أن يكون سأله عن المصحف الذي تركه في المدينة ، والله أعلم.
قلت : وقد كانت الكتابة في العرب قليلة جدًا ، وإنما أول ما تعلموا ذلك ما (5) ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيره : أن بشر بن عبد الملك أكيدر دومة تعلم الخط من الأنبار ، ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية فعلمه حرب بن أمية وابنه سفيان ، وتعلمه عمر بن الخطاب من حرب بن أمية ، وتعلمه معاوية من عمه سفيان بن حرب ، وقيل : إن أول من تعلمه من الأنبار قوم من طيئ من قرية هناك يقال لها : بقة ، ثم هذبوه ونشروه في جزيرة العرب فتعلمه الناس. ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا عبد الله بن محمد الزهري ، حدثنا سفيان عن مجاهد عن الشعبي قال : سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة ؟ قالوا : من أهل الحيرة. وسألنا أهل الحيرة : من أين تعلمتم الكتابة ؟ قالوا : من أهل الأنبار (6).
قلت : والذي كان يغلب على زمان السلف الكتابة المكتوفة ثم هذبها أبو علي مقلة الوزير ، وصار
__________
(1) ذكر "كوركيس عواد" في كتابه المتقدم ذكره (ص 34) أن مصحفا في متحف الآثار الإسلامية بتركيا مكتوب على الرق كتب في آخره ، أنه مصحف عثمان ، رضي الله عنه ، وهو في هذا المتحف برقم (457).
(2) في جـ : "يونس".
(3) في طـ ، جـ : "أبى".
(4) لم أجد هذا الأثر والذي بعده في المصاحف.
(5) في ط ، جـ : "كما".
(6) المصاحف (ص 9).

(1/34)


له في ذلك منهج وأسلوب في الكتابة ، ثم قربها علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب وسلك الناس وراءه. وطريقته في ذلك واضحة جيدة. والغرض أن الكتابة لما كانت في ذلك الزمان لم تحكم جيدا ، وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى ، وصنف الناس في ذلك ، واعتنى بذلك الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام ، رحمه الله ، في كتابه فضائل القرآن (1) والحافظ أبو بكر بن أبي داود ، رحمه الله ، فبوبا على ذلك (2) وذكر قطعة صالحة هي من صناعة القرآن ، ليست مقصدنا هاهنا ؛ ولهذا نص الإمام مالك ، رحمه الله ، على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الإمام ، ورخص في ذلك غيره ، واختلفوا في الشكل والنقط فمن مرخص ومن مانع ، فأما كتابة السور وآياتها والتعشير والأجزاء والأحزاب فكثير (3) في مصاحف زماننا ، والأولى اتباع السلف الصالح.
ثم قال البخاري : ذكر كُتَّاب النبي صلى الله عليه وسلم. وأورد فيه من حديث الزهري ، عن ابن السباق ، عن زيد ابن ثابت ، أن أبا بكر الصديق قال له : وكنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر نحو ما تقدم في (4) جمعه للقرآن (5) وقد تقدم ، وأورد حديث زيد بن ثابت في نزول : { لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ } [النساء : 95] (6) وسيأتي الكلام عليه في سورة النساء إن شاء الله تعالى ، ولم يذكر البخاري أحدًا من الكتّاب في هذا الباب سوى زيد بن ثابت ، وهذا عجب ، وكأنه لم يقع له حديث يورده سوى هذا ، والله أعلم.
وموضع هذا في كتاب السيرة عند ذكر كتَّابه عليه السلام.
ثم قال البخاري ، رحمه الله :
__________
(1) فضائل القرآن (ص 237 - 243).
(2) المصاحف (ص 145 - 176).
(3) في ط ، جـ : "فكثر".
(4) في جـ : "من".
(5) صحيح البخاري برقم (4989).
(6) صحيح البخاري برقم (4990).

(1/35)


أنزل القرآن على سبعة أحرف
حدثنا سعيد بن عفير ، حدثنا الليث ، حدثني عقيل عن ابن شهاب قال : حدثني عبيد الله بن عبد الله ؛ أن عبد الله بن عباس حدثه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أقرأني جبريل على حرف فراجعته ، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف " (1).
وقد رواه - أيضًا - في بدء الخلق ، ومسلم من حديث يونس ، ومسلم - أيضا - من حديث معمر ، كلاهما عن الزهري بنحوه (2) ورواه ابن جرير من حديث الزهري به (3) ثم قال الزهري : بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدا لا تختلف في حلال ولا في حرام.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4991).
(2) في جـ : "نحوه".
(3) صحيح البخاري برقم (3219) وصحيح مسلم برقم (819) وتفسير الطبري (1/ 29).

(1/35)


وهذا مبسوط في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام حيث قال :
حدثنا يزيد ويحيى بن سعيد كلاهما عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، عن أبيّ بن كعب قال : ما حاك في صدري شيء منذ أسلمت ، إلا أنني قرأت آية وقرأها آخر غير قراءتي فقلت : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، أقرأتني آية كذا وكذا ؟ قال : "نعم" ، وقال الآخر : أليس تقرأني آية كذا وكذا ؟ قال : "نعم". فقال : "إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري ، فقال جبريل : اقرأ القرآن على حرف ، فقال ميكائيل : استزده ، حتى بلغ سبعة أحرف وكل حرف شاف كاف" (1).
وقد رواه النسائي من حديث يزيد - وهو ابن هارون - ويحيى بن سعيد القطان كلاهما عن حميد الطويل ، عن أنس ، عن أبيّ بن كعب بنحوه (2). وكذا رواه ابن أبي عدي ومحمود (3) بن ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب كلهم عن حميد به (4). وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن مرزوق ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن أنس ، عن عبادة بن الصامت ، عن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" فأدخل بينهما عبادة بن الصامت (5).
وقال الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله : حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد ، حدثني عبد الله بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب ، قال : كنت في المسجد فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه ، فقمنا جميعا ، فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : "اقرآ" ، فقرآ ، فقال : "أصبتما". فلما قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال ، كَبُر عليّ ولا إذا كنت في الجاهلية ، فلما رأى الذي غشينى ضرب في صدري ففضضت عرقًا ، وكأنما أنظر إلى [رسول] (6) الله فرقا فقال : "يا أبيّ ، إن ربي أرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف ، فرددت إليه أن هون على أمتي ، فأرسل إليّ أن اقرأه على حرفين ، فرددت إليه أن هوّن على أمتي ، فأرسل إليّ أن اقرأه على سبعة أحرف ، ولك بكل ردة مسألة تسألنيها". قال : "قلت : اللهم اغفر لأمتي ، اللهم اغفر لأمتي ، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق حتى إبراهيم عليه السلام". وهكذا رواه مسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد به (7).
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي بن كعب ، قال : قال
__________
(1) فضائل القرآن (ص201).
(2) سنن النسائي الكبرى برقم (7986).
(3) في ط ، جـ : "محمد".
(4) رواه الطبري في تفسيره (1/ 33).
(5) تفسير الطبري (1/ 34).
(6) زيادة من جـ.
(7) المسند (5/ 127) وصحيح مسلم برقم (820).

(1/36)


رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : خفف عن أمتي ، فقال (1) اقرأه على حرفين ، فقلت : اللهم ربّ خفف عن أمتي ، فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة كلها شافٍ كافٍ" (2).
وقال ابن جرير : حدثنا يونس عن ابن وهب : أخبرني هشام بن سعد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب ، أنه قال : سمعت رجلا يقرأ في سورة النحل قراءة تخالف قراءتي ، ثم سمعت آخر يقرؤها بخلاف ذلك ، فانطلقت بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل فسألتهما : من أقرأكما (3) ؟ فقالا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : لأذهبن بكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحدهما : "اقرأ". فقرأ ، فقال : "أحسنت" ثم قال للآخر : "اقرأ". فقرأ ، فقال : "أحسنت". قال أبيّ : فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي ، فعرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي ، فضرب يده في صدري ثم قال : "اللهم أخسئ (4) الشيطان عنه ، يا أبيّ ، أتاني آت من ربي فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت : رب ، خفف عني ، ثم أتاني الثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفين (5) فقلت : رب ، خفف عن أمتي ، ثم أتاني الثالثة ، فقال : مثل ذلك وقلت له مثل ذلك ، ثم أتاني الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ، ولك بكل ردة مسألة ، فقلت : يارب ، اللهم اغفر لأمتي ، يارب ، اغفر لأمتي ، واختبأت الثالثة شفاعة لأمتي يوم القيامة" (6). إسناده صحيح.
قلت : وهذا الشك الذي حصل لأبيّ في تلك الساعة هو ، والله أعلم ، السبب الذي لأجله قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة إبلاغ وإعلام ودواء لما كان حصل له سورة { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا } إلى آخرها لاشتمالها على قوله تعالى : { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } [البينة : 2 ، 3] ، وهذا نظير تلاوته سورة الفتح حين أنزلت مرجعه ، عليه السلام ، من الحديبية على عمر بن الخطاب ، وذلك لما كان تقدم له من الأسئلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي (7) بكر الصديق ، رضي الله عنهما ، في قوله تعالى : { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } [الفتح : 27].
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند أخباة بني غفار ، فأتاه جبريل فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف ، قال : "أسأل الله معافاته ومغفرته ، فإن أمتي لا تطيق ذلك". ثم أتاه الثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. قال :
__________
(1) في ط ، جـ : "قال".
(2) تفسير الطبري (1/ 37).
(3) في ط ، جـ : "أقرأهما".
(4) في جـ : "أذهب".
(5) في طـ ، جـ : "حرف واحد".
(6) تفسير الطبري (1/ 41).
(7) في ط ، جـ : "ثم لأبى".

(1/37)


"أسأل الله معافاته ومغفرته ، فإن أمتي لا تطيق ذلك". ثم جاءه الثالثة قال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف قال : "أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك". ثم جاءه الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا (1).
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية شعبة به ، وفي لفظٍ لأبي داود عن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا أبيّ ، إني أقرئت القرآن فقيل لي : على حرف أو حرفين ؟ فقال الملك الذي معي : قل على حرفين. قلت : على حرفين. فقيل لي : على حرفين أو ثلاثة ؟ فقال الملك الذي معي : قل على ثلاثة. قلت : على ثلاثة. حتى بلغ سبعة أحرف ثم قال : ليس منها إلا شاف كاف إن قلت : سميعا عليما ، عزيزا حكيما ، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب" (2).
وقد روى ثابت بن قاسم نحوا من هذا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (3) ومن كلام ابن مسعود ، رضي الله عنه ، نحو ذلك.
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن علي الجعفي ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن أبي قال : لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عند أحجار المراء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : "إني بعثت إلى أمة أميين فيهم الشيخ العاسي ، والعجوز الكبيرة ، والغلام ، فقال : مرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف" (4).
وأخرجه الترمذي من حديث عاصم بن أبي النَّجُود ، عن زر ، عن أبيّ بن كعب ، به (5) وقال : حسن صحيح.
وقد رواه أبو عبيد عن أبي النضر ، عن شيبان ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر ، عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي جبريل عند أحجار المراء ، فذكر الحديث (6) والله أعلم.
وهكذا رواه الإمام أحمد عن عفان ، عن حماد ، عن عاصم ، عن زر ، عن حذيفة ؟ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لقيت جبريل عند أحجار المراء ، فقلت : يا جبريل ، إني أرسلت إلى أمة أمية ؛ الرجل ، والمرأة ، والغلام ، والجارية ، والشيخ الفاني ، الذي لم يقرأ كتابا قط فقال : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" (7).
وقال أحمد أيضا : حدثنا وَكِيع وعبد الرحمن ، عن سفيان ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن رِبْعى بن حِراش : حدثني من لم يكذبني - يعني حذيفة - قال : لقي النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عند أحجار المراء
__________
(1) تفسير الطبري (1/ 40).
(2) صحيح مسلم برقم (820) وسنن أبي داود برقم (1478) وسنن النسائي (2/ 153).
(3) ورواه أحمد في المسند (2/ 232 ، 440) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، رضي الله عنه.
(4) المسند (5/ 132) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (739) "موارد" من طريق زائدة به مثله.
(5) سنن الترمذي برقم (2944).
(6) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص 202).
(7) المسند (5/ 391 ، 400).

(1/38)


فقال : إن أمتك +يقرؤون القرآن على سبعة أحرف ، فمن قرأ منهم على حرف فليقرأ كما علم ، ولا يرجع عنه. وقال عبد الرحمن : إن في أمتك الضعيف ، فمن قرأ على حرف فلا يتحول منه إلى غيره رغبة عنه (1). وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه.
حديث آخر في معناه عن سليمان بن صرد : قال ابن جرير : حدثنا إسماعيل بن موسى السديّ ، حدثنا شريك عن أبي إسحاق ، عن سليمان بن صرد - يرفعه - قال : "أتاني ملكان ، فقال أحدهما : اقرأ. قال : على كم ؟ قال : على حرف. قال : زده ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف" (2). ورواه النسائي في اليوم والليلة عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام عن إسحاق الأزرق عن العَوَّام بن حَوْشَب ، عن أبي إسحاق ، عن سليمان بن صرد قال : أتى أبيّ بن كعب رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين اختلفا في القراءة ، فذكر الحديث (3).
وهكذا رواه أحمد بن مَنِيع عن يزيد بن هارون ، عن العوام بن حوشب به ، ورواه أبو عبيد عن يزيد بن هارون ، عن العوام ، عن أبي إسحاق ، عن سليمان بن صرد ، عن أبيّ أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجلين ، فذكره (4).
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن فلان العبدي - قال ابن جرير : ذهب عني اسمه - عن سليمان بن صرد ، عن أبيّ بن كعب قال : رحت إلى المسجد ، فسمعت رجلا يقرأ فقلت : من أقرأك ؟ قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : استقرئ هذا. قال : فقرأ ، فقال : "أحسنت". قال : قلت : إنك أقرأتني كذا وكذا! فقال : "وأنت قد أحسنت". فقلت : قد أحسنت قد أحسنت. قال : فضرب بيده على صدري ثم قال : "اللهم أذهب عن أبيٍّ الشك". قال : ففضت عرقا ، وامتلأ جوفي فرقا. قال : ثم قال : "إن الملكين أتياني ، فقال أحدهما : اقرأ القرآن على حرف ، وقال الآخر : زده. قال : قلت : زدني. فقال (5) اقرأه على حرفين ، حتى بلغ سبعة أحرف فقال : اقرأه على سبعة أحرف" (6).
وقد رواه أبو عبيد عن حجاج ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن شتير (7) العبدي ، عن سليمان بن صرد (8) عن أبيّ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك (9) ورواه أبو داود عن أبي داود الطيالسي ، عن همام ، عن قتادة ، عن يحيى بن يَعْمَر ، عن سليمان بن صرد ، عن أبيّ بن كعب بنحوه (10).
__________
(1) المسند (5/ 385 ، 401).
(2) تفسير الطبري (1/ 30).
(3) سنن النسائي الكبرى برقم (10506).
(4) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص 201).
(5) في ط ، جـ : "قال".
(6) تفسير الطبري (1/ 32).
(7) في فضائل أبي عبيد : "صقير".
(8) في ط ، جـ : "حدد".
(9) فضائل القرآن (ص 202).
(10) سنن أبي داود برقم (1477).

(1/39)


فهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أبي بن كعب ، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد على ذلك ، والله أعلم.
حديث آخر عن أبي بكرة : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أتاني جبريل وميكائيل ، عليهما السلام ، فقال جبريل : اقرأ القرآن على حرف واحد ، فقال ميكائيل : استزده ، فقال : اقرأ على سبعة أحرف ، كلها شاف كاف ، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب (1) أو آية عذاب برحمة " (2).
وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كُرَيب ، عن زيد بن الحباب ، عن حماد بن سلمة به ، وزاد في آخره كقولك : هلم وتعال (3).
حديث آخر عن سمرة : قال الإمام أحمد : حدثنا بَهْز وعفان كلاهما عن حماد بن سلمة ، حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنزل القرآن على سبعة أحرف ". إسناد صحيح ، ولم يخرجوه (4).
حديث آخر عن أبي هريرة : قال الإمام أحمد : حدثنا أنس بن عياض ، حدثني أبو حازم ، عن أبي سلمة - لا أعلمه إلا عن أبي هريرة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نزل القرآن على سبعة أحرف ، مراء في القرآن كفر - ثلاث مرات - فما علمتم منه فاعملوا وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ". ورواه النسائي عن قتيبة عن أبي ضمرة أنس بن عياض به (5).
حديث آخر عن أم أيوب : قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان عن عبيد الله وهو ابن أبي يزيد - عن أبيه ، عن أم أيوب - يعني امرأة أبي أيوب الأنصارية - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنزل القرآن على سبعة أحرف ، أيها قرأت جزاك (6) " (7). وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.
حديث آخر عن أبي جهيم : قال أبو عبيد : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن يزيد بن خصيفة ، عن مسلم بن سعيد مولى الحضرمي (8) وقال غيره : عن بسر بن سعيد ، عن أبي جهيم الأنصاري ؛ أن رجلين اختلفا في آية من القرآن ، كلاهما يزعم أنه تلاقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمشيا جميعا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر أبو جهيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف ، فلا
__________
(1) في ط ، جـ : "ما لم تختم آية رحمة بعذاب".
(2) المسند (5/ 41).
(3) تفسير الطبري (1/ 42).
(4) المسند (5/ 16).
(5) المسند (2/ 300) وسنن النسائي الكبرى برقم (8093).
(6) في ط : "أجزأه".
(7) المسند (6/ 433 ، 462).
(8) في فضائل أبي عبيد : "مولى ابن الحضرمي".

(1/40)


تماروا ، فإن مراء فيه كفر" (1). هكذا رواه أبو عبيد على الشك (2) وقد رواه الإمام أحمد على الصواب ، فقال : حدثنا أبو سلمة الخزاعي ، حدثنا سليمان بن بلال ، حدثني يزيد بن خصيفة ، أخبرني بسر بن سعيد ، حدثني أبو جهيم ؛ أن رجلين اختلفا في آية من القرآن فقال هذا : تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هذا : تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " القرآن يقرأ على سبعة أحرف ، فلا تماروا في القرآن ، فإن مراء في القرآن كفر " (3). وهذا إسناد صحيح - أيضا - ولم يخرجوه.
ثم قال أبو عبيد : حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث ، عن يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن بسر (4) بن سعيد ، عن أبي قيس - مولى عمرو بن العاص - أن رجلا قرأ آية من القرآن ، فقال له عمرو - يعني ابن العاص - : إنما هي كذا وكذا ، بغير ما قرأ الرجل ، فقال الرجل : هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم [فخرجا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم] (5) حتى أتياه ، فذكرا ذلك له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف ، فأي ذلك قرأتم أصبتم ، فلا تماروا في القرآن ، فإن مراء فيه كفر " (6). ورواه الإمام أحمد عن أبي سلمة الخزاعي ، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة ، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ، عن بسر (7) بن سعيد ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص به نحوه ، وفيه : "فإن المراء فيه كفر أو إنه الكفر به (8) ". وهذا - أيضا - حديث جيد (9).
حديث آخر عن ابن مسعود : قال ابن جرير : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني حيوة بن شريح ، عن عقيل بن خالد ، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف : زاجر ، وآمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال ، فأحلوا حلاله ، وحرّموا حرامه ، وافعلوا ما أمرتم به ، وانتهوا عما نهيتم عنه ، واعتبروا بأمثاله ، واعملوا بمحكمه ، وآمنوا بمتشابهه ، وقولوا : آمنا به كل من عند ربنا" (10). ثم رواه عن أبي كُرَيْب عن المحاربي ، عن ضمرة بن حبيب ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن ابن مسعود من كلامه (11) وهو أشبه (12). والله أعلم.
__________
(1) فضائل القرآن (ص 202).
(2) قال الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على الطبري (1/ 44) : "قوله : على الشك ، إنما للحديث طريقان : الأول : إسماعيل بن جعفر يرويه عن يزيد عن مسلم بن سعيد ، وسليمان يرويه عن يزيد عن بسر - أخو مسلم ، فأشار أبو عبيد أثناء الإسناد إلى الرواية الأخرى دون أن يذكر إسنادهما".
(3) المسند (4/ 170).
(4) في جـ : "بشر".
(5) زيادة من جـ ، طـ.
(6) فضائل القرآن (ص 202).
(7) في جـ : "بشر".
(8) في ط : "آية الكفر".
(9) المسند (4/ 204).
(10) تفسير الطبري (1/ 68).
(11) تفسير الطبري (1/ 69).
(12) قال الشيخ أحمد شاكر : "وهو الصحيح ، حيث صرح بذلك الطبري بقوله : وروى عن ابن مسعود من قبله ، أما الإسناد السابق فقد قال ابن عبد البر : حديث لا يثبت ؛ لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود ، ولم يلق ابن مسعود".

(1/41)


فصل
قال أبو عبيد : قد تواترت (1) هذه الأحاديث كلها عن الأحرف السبعة إلا ما حدثني عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة بن جندب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "نزل القرآن على ثلاثة أحرف" (2).
قال أبو عبيد : ولا نرى المحفوظ إلا السبعة لأنها المشهورة ، وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه ، وهذا شيء غير موجود ، ولكنه عندنا أنه نزل سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب ، فيكون الحرف الواحد منها بلغة قبيلة والثاني بلغة أخرى سوى الأولى ، والثالث بلغة أخرى سواهما ، كذلك إلى السبعة ، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض ، وذلك بين في أحاديث تترى ، قال : وقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : نزل القرآن على سبع لغات ، منها خمس بلغة العجز من هوازن (3).
قال أبو عبيد : والعجز هم بنو أسعد (4) بن بكر ، وجشم بن بكر ، ونصر بن معاوية ، وثقيف هم عليا (5) هوازن الذين قال أبو عمرو بن العلاء : أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني دارم. ولهذا قال عمر : لا يملي في مصاحفنا إلا غلمان قريش أو ثقيف (6).
قال ابن جرير : واللغتان الأخريان : قريش وخزاعة رواه قتادة عن ابن عباس ، ولكن لم يلقه (7).
قال أبو عبيد : وحدثنا هُشَيْم عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ؛ أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر. قال أبو عبيد : يعني : أنه كان يستشهد به على التفسير (8). حدثنا هُشَيْم عن أبي بشر ، عن سعيد أو مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : { وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } [الانشقاق : 17] ، قال : ما جمع وأنشد : قد اتسقن لو يجدن سائقا (9)
حدثنا هُشَيْم ، أنبأنا (10) حصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : { فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ } [النازعات : 14] ، قال : الأرض ، قال : وقال ابن عباس : قال أمية بن أبي الصلت : عندهم لحم بحرٍ ولحم ساهرة (11)
__________
(1) في جـ : "تواردت".
(2) فضائل القرآن (ص 203) ورواه من طريق البيهقي في السنن الكبرى (2/ 385).
(3) فضائل القرآن ( ص 204).
(4) في ط : "سعد".
(5) في ط : "علياء".
(6) فضائل القرآن (ص 204).
(7) تفسير الطبري (1/ 66).
(8) فضائل القرآن (ص 205).
(9) فضائل القرآن (ص 206).
(10) في ط ، جـ : "عن".
(11) فضائل القرآن (ص 206) ، وكتب بين قوسين : وفيها لحم ساهر وبحر وما فاهوا به لهم مقيم

(1/42)


حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كنت لا أدري ما { فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } [فاطر : 1] ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها. يقول : أنا ابتدأتها (1). إسناد جيد أيضا.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري ، رحمه الله ، بعد ما أورد طرفا مما تقدم : وصح وثبت أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون الجمع (2) إذا كان معلوما أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبع بما يعجز عن إحصائه ثم قال : وما برهانك على ما قلته دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك ، من أنه نزل بأمر وزجر ، وترغيب وترهيب ، وقصص ومثل ، ونحو ذلك من الأقوال فقد علمت قائل ذلك من سلف الأمة وخيار الأئمة ؟ قيل له : إن الذين قالوا ذلك لم يدعوا أن تأويل الأخبار التي تقدم ذكرها ، هو ما زعمت أنهم قالوه في الأحرف السبعة ، التي نزل بها القرآن دون غيره فيكون ذلك لقولنا مخالفا ، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف ، يعنون بذلك أنه نزل على (3) سبعة أوجه ، والذي قالوا من ذلك كما قالوا ، وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن جماعة من الصحابة ، من أنه نزل من سبعة أبواب الجنة ، كما تقدم. يعني كما تقدم في رواية عن أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود : أن القرآن نزل من سبعة أبواب الجنة (4).
قال ابن جرير : والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الأمر والنهي ، والترغيب والترهيب ، والقصص والمثل ، التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهي ، استوجب بها الجنة.
ثم بسط القول في هذا بما حاصله : أن الشارع رخص للأمة التلاوة على سبعة أحرف ، ثم لما رأى الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، اختلاف الناس في القراءة ، وخاف من تفرق كلمتهم - جمعهم على حرف واحد ، وهو هذا المصحف الإمام ، قال : واستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة ، ورأت أن فيما فعله من ذلك الرشد والهداية ، وتركت القراءة الأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له ، ونظر منها لأنفسها وعن بعدها من سائر أهل ملتها ، حتى درست من الأمة معرفتها ، وتعفت آثارها ، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها. إلى أن قال : فإن قال من ضعفت معرفته : وكيف جاز لهم ترك قراءة اقرأهموها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بقراءتها ؟ قيل : إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمر إباحة ورخصة ؛ لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة ، ويقطع خبره العذر ، ويزيل الشك من قراءة الأمة ، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين. إلى أن قال : فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه وجره وتسكين حرف وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق
__________
(1) فضائل القرآن (ص 206).
(2) في ط : "الجميع".
(3) في طـ ، جـ : "من".
(4) تفسير الطبري (1/ 47).

(1/43)


الصورة في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " بعزل ؛ لأن المراء في مثل هذا ليس بكفر ، في قول أحد من علماء الأمة ، وقد أوجب صلى الله عليه وسلم بالمراء في الأحرف السبعة الكفر ، كما تقدم (1).
الحديث الثاني : قال البخاري ، رحمه الله : حدثنا سعيد بن عفير ، حدثنا الليث ، حدثنا عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير : أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبدٍ القارئ حدثاه (2) " أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكدت أساوره في الصلاة ، فتبصرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت : كذبت ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أرسله ، اقرأ يا هشام" ، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كذلك أنزلت" ، ثم قال : "اقرأ يا عمر" ، فقرأت القراءة التي أقرأني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كذلك أنزلت. إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرؤوا ما تيسر منه " (3).
وقد رواه الإمام أحمد والبخاري - أيضا - ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من طرق عن الزهري (4) ورواه الإمام أحمد - أيضا - عن ابن مهدي ، عن مالك ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عبد الرحمن بن عبد ، عن عمر ، فذكر الحديث بنحوه (5).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حرب بن ثابت ، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أبيه ، عن جده قال : " قرأ رجل عند عمر فغير عليه فقال : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يغير عليّ قال : فاجتمعا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرأ الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : "قد أحسنت". قال : فكأن عمر وجد من ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا عمر ، إن القرآن كله صواب ، ما لم يجعل عذاب مغفرة أو مغفرة عذابا " (6).
وهذا إسناد حسن. وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت ، لا نعرف أحدا جرحه.
وقد اختلف العلماء في معنى هذه السبعة الأحرف وما أريد منها على أقوال : قال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي المالكي في مقدمات تفسيره : وقد اختلف العلماء في المراء بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي ، ونحن نذكر منها خمسة أقوال.
__________
(1) تفسير الطبري (1/ 49).
(2) في ط ، جـ : "أخبراه".
(3) صحيح البخاري برقم (4992).
(4) المسند (1/ 24) وصحيح البخاري برقم (2419) وصحيح مسلم برقم (818) وسنن أبي داود برقم (1475) وسنن النسائي (2/ 150) وسنن الترمذي برقم (2943).
(5) المسند (1/ 40).
(6) المسند (4/ 30).

(1/44)


قلت : ثم سردها القرطبي ، وحاصلها ما أنا مورده ملخصا :
فالأول - وهو قول أكثر أهل العلم ، منهم سفيان بن عيينة ، وعبد الله بن وهب ، وأبو جعفر بن جرير ، والطحاوي - : أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو : أقبل وتعال وهلم. وقال الطحاوي : وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال : جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ على حرف ، فقال ميكائيل : استزده فقال : اقرأ على حرفين ، فقال ميكائيل : استزده ، حتى بلغ سبعة أحرف ، فقال : اقرأ فكل شاف كاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب ، أو آية عذاب بآية رحمة ، على نحو هلم وتعال وأقبل واذهب واسرع وعجل.
وروى عن ورقاء عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن أبيّ بن كعب : أنه كان يقرأ : { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } [الحديد : 13] : "للذين آمنوا أمهلونا" "للذين آمنوا أخرونا" "للذين آمنوا ارقبونا" ، وكان يقرأ : { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ } [البقرة : 20] : "مروا فيه " "سعوا فيه". قال الطحاوي. وغيره : وإنما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات ، وذلك لما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش ، وقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ وقد ادعى الطحاوي والقاضي الباقلاني والشيخ أبو عمرو بن عبد البر أن ذلك كان رخصة في أول الأمر ، ثم نسخ بزوال العذر وتيسير الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة.
قلت : وقال بعضهم : إنما كان الذي جمعهم على قراءة واحدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، أحد الخلفاء الراشدين المهديين المأمور باتباعهم ، وإنما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم في القراءة المفضية إلى تفرق الأمة وتكفير بعضهم بعضًا ، فرتب لهم المصاحف الأئمة على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر رمضان من عمره ، عليه الصلاة والسلام ، وعزم عليهم ألا يقرؤوا بغيرها ، وألا يتعاطوا الرخصة التي كانت لهم فيها سعة ، ولكنها أفضت إلى الفرقة والاختلاف ، كما ألزم عمر بن الخطاب الناس بالطلاق الثلاثة المجموعة حين تتابعوا فيها وأكثروا منها ، قال : فلو أنا أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم. وكان كذلك ينهى عن المتعة في أشهر الحج لئلا ينقطع زيارة البيت في غير أشهر الحج. وقد كان أبو موسى يفتي بالتمتع فترك فتياه اتباعا لأمير المؤمنين وسمعا وطاعة لأئمة المهديين.
القول الثاني : أن القرآن نزل على سبعة أحرف ، وليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف ، ولكن بعضه على حرف وبعضه على حرف آخر. قال الخطابي : وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات كما في قوله : { وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ } [المائدة : 60] و { يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } [يوسف : 12]. قال القرطبي : ذهب إلى هذا القول أبو عبيد ، واختاره ابن عطية. قال أبو عبيد : وبعض اللغات أسعدُ به من بعض ، وقال القاضي الباقلاني : ومعنى قول عثمان : إنه نزل بلسان قريش ، أي : معظمه ، ولم يقم دليل على أن جميعه بلغة قريش كله ، قال الله تعالى : { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } [يوسف : 2] ، ولم يقل : قرشيا. قال : واسم العرب يتناول جميع القبائل تناولا واحدا ، يعني حجازها ويمنها ، وكذلك قال الشيخ أبو عمر بن

(1/45)


عبد البر ، قال : لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات بتحقيق الهمزات ، فإن قريشا لا تهمز. وقال ابن عطية : قال ابن عباس : ما كنت أدري ما معنى : { فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } [فاطر : 1] ، حتى سمعت أعربيا يقول لبئر ابتدأ حفرها : أنا فطرتها.
القول الثالث : أن لغات القرآن السبع منحصرة في مضر على اختلاف قبائلها خاصة ؛ لقول عثمان : إن القرآن نزل بلغة (1) قريش ، وقريش هم بنو النضر بن الحارث على الصحيح من أقوال أهل النسب ، كما نطق به الحديث في سنن ابن ماجه وغيره.
القول الرابع - وحكاه الباقلاني عن بعض العلماء - : أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء ، منها ما تتغير حركته ولا تتغير صورته ولا معناه مثل : { وَيَضِيقُ صَدْرِي } [الشعراء : 13] و "يضيقَ" ، ومنها ما لا تتغير صورته ويختلف معناه مثل : { فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } [سبأ : 19] و "باعَدَ بين أسفارنا" ، وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بالحرف مثل : { نُنْشِزُهَا } [البقرة : 259] ، و"نَنشُرُها" (2) أو بالكلمة مع بقاء المعنى [مثل] (3) { كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ } [القارعة : 5] ، أو "كالصوف المنفوش" أو باختلاف الكلمة بالتقدم والتأخر مثل : { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ } [ق : 19] ، أو "سكرة الحق بالموت" ، أو بالزيادة مثل "تسع وتسعون نعجة أنثى" ، "وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين" (4). "فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور".
القول الخامس : أن المراد بالأحرف السبعة معاني القرآن وهي : أمر ، ونهي ، ووعد ، ووعيد ، وقصص ، ومجادلة ، وأمثال. قال ابن عطية : وهذا ضعيف ؛ لأن هذه لا تسمى حروفا ، وأيضا فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال (5) ولا في تغيير شيء من المعاني ، وقد أورد القاضي الباقلاني في هذا حديثًا ، ثم قال : وليست هذه هي التي أجاز لهم القراء (6) بها (7).
__________
(1) في جـ : "بلسان".
(2) في جـ : "ينشرها".
(3) زيادة من ط.
(4) كذا في جـ ، ط.
(5) في جـ : "حرام".
(6) في جـ : "القراءة".
(7) تفسير القرطبي (1/ 42 - 47).

(1/46)


فصل
قال القرطبي : قال كثير من علمائنا كالداودي وابن أبي صفرة وغيرهما : هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها ، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من السبعة وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف. ذكره ابن النحاس وغيره.
قال القرطبي : وقد سوغ كل واحد من القراء السبعة قراءة الآخر وأجازها ، وإنما اختار القراءة المنسوبة إليه لأنه رآها أحسن والأولى (1) عنده. قال : وقد أجمع المسلمون في هذه الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيما رووه ورأوه من القراءات ، وكتبوا في ذلك مصنفات واستمر الإجماع على الصواب وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب (2).
قال البخاري ، رحمه الله :
__________
(1) في م : "وأولى".
(2) تفسير القرطبي (1/ 46).

(1/46)


تأليف القرآن
حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف : أن ابن جريج أخبرهم قال : وأخبرني يوسف ابن ماهك قال : إني لعند عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، إذ جاءها عراقي فقال : أي الكفن خير ؟ قالت : ويحك! وما يضرك ، قال : يا أم المؤمنين ، أريني مصحفك ، قالت : لم ؟ قال : لعلي أؤلف القرآن عليه ، فإنه يقرأ غير مؤلف ، قالت : وما يضرك أيه قرأت قبل ، إنما أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام ، نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء : ولا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدًا ، ولو نزل : لا تزنوا ، لقالوا : لا ندع الزنا أبدا ، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب : { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } [القمر : 46] ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ، قال : فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور (1). وهكذا رواه النسائي من حديث ابن جريج به (2) والمراد من التأليف هاهنا ترتيب سوره. وهذا العراقي سأل أولا عن أي الكفن خير ، أي : أفضل ، فأخبرته عائشة ، رضي الله عنها ، أن هذا لا ينبغي أن يعتني بالسؤال عنه ولا القصد له ولا الاستعداد ، فإن في هذا تكلفا لا طائل تحته ، وكانوا في ذلك الزمان يصفون أهل العراق بالتعنت في الأسئلة ، كما سأل بعضهم عبد الله بن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب فقال عبد الله بن عمر : انظروا أهل العراق ، يسألون عن دم البعوضة ، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ! (3). ولهذا لم تبالغ معه عائشة ، رضي الله عنها ، في الكلام لئلا يظن أن ذلك أمر مهم ، وإلا فقد روى أحمد وأهل السنن من حديث سمرة وابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " البسوا من ثيابكم البياض ، وكفنوا فيها موتاكم ، فإنها أطهر وأطيب " (4) وصححه الترمذي من الوجهين.
وفي الصحيحين عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ، ليس فيها قميص ولا عمامة (5). وهذا محرر في باب الكفن من كتاب الجنائز.
ثم سألها عن ترتيب القرآن فانتقل إلى سؤال كبير ، وأخبرها أنه يقرأ غير مؤلف ، أي : غير مرتب السور. وكأن هذا قبل أن يبعث أمير المؤمنين عثمان ، رضي الله عنه ، إلى الآفاق بالمصاحف الأئمة المؤلفة على هذا الترتيب المشهور اليوم ، وقبل الإلزام به ، والله أعلم.
ولهذا أخبرته : أنك لا يضرك بأي سورة بدأت ، وأن أول سورة نزلت فيها ذكر الجنة والنار ،
__________
(1) صحيح البخاري برقم (3993).
(2) سنن النسائي الكبرى برقم (7987).
(3) رواه البخاري في صحيحه برقم (3753).
(4) حديث ابن عباس في المسند (1/ 231 ، 247) وسنن أبي داود برقم (3878) وسنن النسائي (8/ 149) وسنن الترمذي برقم (994) وسنن ابن ماجة برقم (1472) ، وحديث سمرة في المسند (5/ 20) وسنن الترمذي برقم (2811) وسنن النسائي (8/ 205).
(5) صحيح البخاري برقم (1264) وصحيح مسلم برقم (941).

(1/47)


وهذه إن لم تكن "اقرأ" فقد يحتمل أنها أرادت اسم جنس لسور المفصل التي فيها الوعد والوعيد ، ثم لما انقاد الناس إلى التصديق أمروا ونهوا بالتدريج أولا فأولا وهذا من حكمة الله ورحمته ، ومعنى هذا الكلام : أن هذه السورة أو السور التي فيها ذكر الجنة والنار ليس البداءة بها في أوائل المصاحف ، مع أنها من أول ما نزل ، وهذه البقرة والنساء من أوائل ما في المصحف ، وقد نزلت عليه في المدينة وأنا عنده.
فأما ترتيب الآيات في السور فليس في ذلك رخصة ، بل هو أمر توقيفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم تقرير ذلك ؛ ولهذا لم ترخص له في ذلك ، بل أخرجت له مصحفها ، فأملت عليه آي السور ، والله أعلم. وقول عائشة : لا يضرك بأي سورة بدأت ، يدل على أنه لو قدم بعض السور أو أخر ، كما دل عليه حديث حذيفة وابن مسعود ، وهو في الصحيح أنه ، عليه السلام ، قرأ في قيام الليل بالبقرة ثم النساء (1) ثم آل عمران (2). وقد حكى القرطبي عن أبي بكر بن الأنباري في كتاب الرد أنه قال : فمن أخّر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة كمن أفسد نظم الآيات وغير الحروف والآيات (3) وكان مستنده اتباع مصحف عثمان ، رضي الله عنه ، فإنه مرتب على هذا النحو المشهور ، والظاهر أن ترتيب السور فيه منه ما هو رجع إلى رأي عثمان ، وذلك ظاهر في سؤال ابن عباس له في ترك البسملة في أول براءة ، وذكره الأنفال من الطول ، والحديث في الترمذي وغيره بإسناد جيد وقوي. وقد ذكرنا عن علي أنه كان قد عزم على ترتيب القرآن بحسب نزوله.
ولقد حكى القاضي الباقلاني : أن أول مصحفه كان : "اقرأ باسم ربك الأكرم" وأول مصحف ابن مسعود : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ثم البقرة ، ثم النساء على ترتب مختلف ، وأول مصحف أبيّ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ } ثم النساء ، ثم آل عمران ، ثم الأنعام ، ثم المائدة ، ثم كذا على اختلاف شديد ، ثم قال القاضي : ويحتمل أن ترتيب السور في المصحف على ما هو عليه اليوم من اجتهاد الصحابة ، رضي الله عنهم ، وكذا ذكره مكي في تفسير سورة براءة قال : فأما ترتيب الآيات والبسملة في الأوائل فهو من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن وهب في جامعه : سمعت سليمان بن بلال يقول : سئل ربيعة : لم قدمت البقرة وآل عمران ، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة ؟ فقال : قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه ، وقد أجمعوا على العلم بذلك ، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه. قال ابن وهب : وسمعت مالكا يقول : إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم (4).
قال أبو الحسن بن بطال : إنا نجد (5) تأليف سوره في الرسم والخط خاصة ولا يعلم أن أحدًا منهم
__________
(1) في جـ : "بالنساء".
(2) رواه مسلم في صحيحه برقم (772).
(3) تفسير القرطبي (1/ 60).
(4) ذكره القرطبي في تفسيره (1/ 59 ، 60).
(5) في ط ، جـ : "إنما يجب".

(1/48)


قال : إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه ، وأنه لا يحل لأحد أن يقرأ الكهف قبل البقرة ، ولا الحج قبل (1) الكهف ، ألا ترى إلى قول عائشة : ولا يضرك أيه قرأت قبل. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة السورة في ركعة ، ثم يقرأ في الركعة الأخرى بغير السورة التي تليها.
وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا (2). وقالا إنما ذلك منكوس القلب ، فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسةً فيبتدئ بآخرها إلى أولها ، فإن ذلك حرام محذور.
ثم قال البخاري : حدثنا آدم ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق قال : سمعت عبد الرحمن بن يزيد قال : سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء : إنهن من العتاق الأول ، وهن من تلادى (3). انفرد البخاري بإخراجه والمراد منه ذكر ترتيب هذه السور في مصحف ابن مسعود كالمصاحف العثمانية ، وقوله : "من العتاق الأول" أي : من قديم ما نزل ، وقوله : "وهن من تلادى" أي : من قديم ما قنيت وحفظت. والتالد في لغتهم : قديم المال والمتاع ، والطارف حديثه وجديده ، والله أعلم.
وحدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، حدثنا أبو إسحاق : سمع البراء بن عازب يقول : تعلمت { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى } قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم (4). وهذا متفق عليه ، وهو قطعة من حديث الهجرة ، والمراد منه أن { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى } مكية نزلت قبل الهجرة ، والله أعلم.
ثم قال : حدثنا عبْدَان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن شقيق قال : قال عبد الله : لقد علمت النظائر التي (5) كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأهن اثنين اثنين في كل ركعة ، فقام عبد الله ودخل معه علقمة ، وخرج علقمة فسألناه فقال : عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود ، آخرهن من الحواميم حم الدخان وعم يتساءلون.
وهذا التأليف الذي عن ابن مسعود غريب مخالف لتأليف عثمان ، رضي الله عنه ، فإن المفصل في مصحف عثمان ، رضي الله عنه ، من سورة الحجرات إلى آخره وسورة الدخان ، لا تدخل فيه بوجه ، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد :
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي ، عن عثمان بن عبد الله ابن أوس الثقفي عن جده أوس بن حذيفة قال : كنت في الوفد الذين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا فيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسمر معهم بعد العشاء فمكث عنا ليلة لم يأتنا ، حتى طال ذلك علينا بعد العشاء. قال : قلنا : ما أمكثك عنا يا رسول الله ؟ قال : "طرأ على حزب من القرآن ، فأردت ألا أخرج حتى أقضيه ". قال : فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبحنا ، قال : قلنا : كيف تحزبون القرآن ؟
__________
(1) في ط ، جـ : "بعد".
(2) في جـ : "مقلوبا".
(3) صحيح البخاري برقم (4994).
(4) صحيح البخاري برقم (4995).
(5) في ط : "الذي".

(1/49)


قالوا : نحزبه ثلاث سور ، وخمس سور ، وسبع سور ، وتسع سور ، وإحدى عشرة سورة ، وثلاث عشرة سورة ، وحزب المفصل من قاف حتى يختم (1).
ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي به (2) وهذا إسناد حسن.
__________
(1) المسند (4/ 9).
(2) سنن أبي داود برقم (1393) وسنن ابن ماجة برقم (1345).

(1/50)


فصل
فأما نقط المصحف وشكله ، فيقال : إن أول من أمر به عبد الملك بن مروان ، فتصدى لذلك الحجاج وهو بواسط ، فأمر الحسن البصري ويحيى بن يعمر ففعلا ذلك ، ويقال : إن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي ، وذكروا أنه كان لمحمد بن سيرين مصحف قد نقطه له يحيى بن يعمر (1) والله أعلم.
وأما كتابة الأعشار على الحواشي فينسب إلى الحجاج أيضا ، وقيل : بل أول من فعله المأمون ، وحكى أبو عمرو الداني عن ابن مسعود أنه كره التعشير في المصحف ، وكان يحكه (2) وكره مجاهد ذلك أيضا.
وقال مالك : لا بأس به بالحبر ، فأما بالألوان المصبغة فلا. وأكره تعداد آي السور في أولها في المصاحف الأمهات ، فأما ما يتعلم فيه الغلمان فلا أرى به بأسا.
وقال قتادة : بدؤوا فنقطوا ، ثم خمسوا ، ثم عشروا. وقال يحيى بن أبي كثير : أول ما أحدثوا النقط على الباء والتاء والثاء ، وقالوا : لا بأس به ، هو نور له ، أحدثوا نقطًا عند آخر الآي ، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم.
ورأى إبراهيم النخعي فاتحة سورة كذا ، فأمر بمحوها وقال : قال ابن مسعود : لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس فيه. قال أبو عمرو الداني : ثم قد أطبق المسلمون في ذلك في سائر الآفاق على جواز ذلك في الأمهات وغيرها.
ثم قال البخاري ، رحمه الله : كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم
قال مسروق عن عائشة ، عن فاطمة ، رضي الله عنها ، أسر إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي. هكذا ذكره معلقا وقد أسنده في موضع آخر (3).
ثم قال : حدثنا يحيى بن قزعة ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عن عبد الله بن عبيد الله ،
__________
(1) رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص 160).
(2) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص 240).
(3) صحيح البخاري (9/ 43) "فتح".

(1/50)


عن ابن عباس قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير ، وأجود ما يكون في شهر رمضان ؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة " ، وهذا الحديث متفق عليه (1) وقد تقدم الكلام عليه في أول الصحيح وما فيه من الحكم والفوائد ، والله أعلم.
ثم قال : حدثنا خالد بن يزيد ، حدثنا أبو بكر ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : " كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة ، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه ، وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض ".
ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من غير وجه عن أبي بكر - وهو ابن عياش - عن أبي حصين ، واسمه عثمان بن عاصم ، به (2). والمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة : مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى ، ليبقى ما بقي ، ويذهب ما نسخ توكيدًا ، أو استثباتًا وحفظًا ؛ ولهذا عرضه في السنة الأخيرة من عمره ، عليه السلام ، على جبريل مرتين ، وعارضه به جبريل كذلك ؛ ولهذا فهم ، عليه السلام ، اقتراب أجله ، وعثمان ، رضي الله عنه ، جمع المصحف الإمام على العرضة الأخيرة ، وخصّ بذلك رمضان من بين الشهور ؛ لأن ابتداء الإيحاء كان فيه ؛ ولهذا يستحب دراسة القرآن وتكراره فيه ، ومن ثم اجتهاد الأئمة فيه في تلاوة القرآن ، كما تقدم ذكرنا لذلك.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4997) وصحيح مسلم برقم (2308).
(2) صحيح البخاري برقم (4998) وسنن أبي داود برقم (2466) وسنن النسائي الكبرى برقم (7992) وسنن ابن ماجة برقم (1769).

(1/51)


القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا شعبة ، عن عمرو ، عن إبراهيم ، عن مسروق : ذكر عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود ، فقال : لا أزال أحبه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله ، وسالم ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب " ، رضي الله عنهم (1).
وقد أخرجه البخاري في المناقب في غير موضع ، ومسلم والنسائي من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة به (2).
وأخرجاه والترمذي والنسائي - أيضا - من حديث الأعمش عن أبي وائلٍ ، عن مسروق به (3). فهؤلاء الأربعة اثنان من المهاجرين الأولين عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ، وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين وكان يؤم الناس قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ، واثنان من الأنصار معاذ بن جبل ، وأبيّ بن كعب ، وهما سيدان كبيران ، رضي الله عنهم أجمعين.
ثم قال : حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا شقيق بن سلمة قال : خطبنا
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4999).
(2) صحيح البخاري برقم (3806 ، 3758) وصحيح مسلم برقم (2464) وسنن النسائي الكبرى برقم (7996).
(3) صحيح البخاري برقم (3760) وصحيح مسلم برقم (2464) وسنن الترمذي برقم (3810) وسنن النسائي الكبرى برقم (7997).

(1/51)


عبد الله فقال : والله لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة ، والله لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم. قال شقيق : فجلست في الحلق أسمع ما يقولون ، فما سمعت رادًا يقول غير ذلك (1).
حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : كنا بحمص ، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل : ما هكذا أنزلت ، فقال : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أحسنت" ووجد منه ريح الخمر ، فقال : أتجترئ أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر ؟! فجلده الحد (2).
حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا مسلم ، عن مسروق قال : قال عبد الله : والله الذي لا إله غيره ، ما أنزلت (3) سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت ، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت ، ولو أعلم أحدا أعلم منى تبلغه الإبل لركبت إليه (4).
وهذا كله حق وصدق ، وهو من إخبار الرجل بما يعلم عن نفسه ما قد يجهله غيره ، فيجوز ذلك للحاجة ، كما قال تعالى إخبارا عن يوسف لما قال لصاحب مصر : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف : 55] ، ويكفيه مدحا وثناء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "استقرئوا القرآن من أربعة" ، فبدأ به.
وقال أبو عبيد : حدثنا مصعب بن المقدام عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأه على حرف ابن أم عبد " (5). وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش به مطولا وفيه قصة (6) وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي معاوية وصححه الدارقطني (7) وقد ذكرته في مسند عمر (8) وفي مسند الإمام أحمد - أيضا - عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ومن أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد " (9) وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود ، وكان يعرف بذلك.
ثم قال البخاري : حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة قال : سألت أنس بن مالك : من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أربعة ، كلهم من الأنصار : أبيّ بن كعب ، ومعاذ بن
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5000).
(2) صحيح البخاري برقم (5001).
(3) في جـ : "ما نزلت".
(4) صحيح البخاري برقم (5002).
(5) فضائل القرآن (ص 225).
(6) المسند (1/ 25 ، 26).
(7) سنن الترمذي برقم (169) وسنن النسائي الكبرى برقم (8256).
(8) مسند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للمؤلف (ص 171 - 173) وقال : "وهذا الحديث لا يشك أنه محفوظ ، وهذا الاضطراب لا يضر صحته ، والله أعلم".
(9) المسند (2/ 446).

(1/52)


جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد. ورواه مسلم من حديث همام (1).
ثم قال البخاري : تابعه الفضل ، عن حسين بن واقد ، عن ثمامة ، عن أنس (2).
حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد الله بن المثنى قال : حدثني ثابت البناني وثمامة عن أنس بن مالك قال : مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد. قال : ونحن ورثناه (3).
فهذا الحديث ظاهره أنه لم يجمع القرآن من الصحابة سوى هؤلاء الأربعة فقط ، وليس هذا هكذا ، بل الذي لا شك فيه أنه جمعه غير واحد من المهاجرين أيضا ، ولعل مراده : لم يجمع القرآن من الأنصار ؛ ولهذا ذكر الأربعة من الأنصار ، وهم أبي بن كعب في الرواية الأولى المتفق عليها وفي الثانية من أفراد البخاري : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، وكلهم مشهورون إلا أبا زيد هذا ، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث ، وقد اختلف في اسمه فقال الواقدي : اسمه قيس بن السكن بن قيس بن زعواء بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار (4).
وقال ابن نمير : اسمه سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية من الأوس. وقيل : هما اثنان جمعا القرآن ، حكاه أبو عمر بن عبد البر ، وهذا بعيد وقول الواقدي أصح لأنه خزرجي ؛ لأن أنسًا قال : ونحن ورثناه ، وهم من الخزرج ، وفي بعض ألفاظه (5) وكان أحد عمومتي. وقال قتادة عن أنس : افتخر الحيان الأوس والخزرج ، فقالت الأوس : منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر ، ومنا الذي حمته الدبُرُ عاصم بن ثابت ، ومنا الذي اهتز لموته العرش سعد بن معاذ ، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت.
فقالت الخزرج : منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد.
فهذا كله يدل على صحة قول الواقدي ، وقد شهد أبو زيد هذا بدرا ، فيما ذكره غير واحد. وقال موسى بن عقبة عن الزهري : قتل أبو زيد قيس بن السكن يوم جسر (6) أبي عبيدة على رأس خمس عشرة (7) من الهجرة ، والدليل على أن (8) من المهاجرين من جمع القرآن أن الصديق ، رضي الله عنه ، قدّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه (9) إماما على المهاجرين والأنصار ، مع أنه صلى الله عليه وسلم قال : " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " (10) فلولا أنه كان أقرؤهم لكتاب الله لما قدّمه عليهم. هذا مضمون ما قرره
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5003) وصحيح مسلم برقم (2465).
(2) في جـ : "أنس بن مالك".
(3) صحيح البخاري برقم (5004).
(4) انظر : الإصابة (3/ 240).
(5) في ط : "الألفاظ".
(6) في ط : "خيبر".
(7) في ط : "عشرة سنة".
(8) في ط : "أنه".
(9) في جـ ، ط : "زمنه".
(10) رواه مسلم في صحيحه برقم (672) من حديث أبي مسعود الأنصاري.

(1/53)


الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ، وهذا التقرير لا يُدفع ولاشك (1) فيه ، وقد جمع الحافظ ابن السمعاني في ذلك جزءًا ، وقد بسطت تقرير ذلك في كتاب مسند الشيخين ، رضي الله عنهما. ومنهم عثمان بن عفان وقد قرأه في ركعة - كما سنذكره - وعلي بن أبي طالب يقال : إنه جمعه على ترتيب ما أنزل ، وقد قدمنا هذا. ومنهم عبد الله بن مسعود ، وقد تقدم عنه أنه قال : ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت (2) ؟ وفيم نزلت ؟ ولو علمت أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطي لذهبت إليه. ومنهم سالم مولى أبي حذيفة ، كان من السادات النجباء والأئمة الأتقياء وقد قتل يوم اليمامة شهيدا. ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم وترجمان القرآن ، وقد تقدم عن مجاهد أنه قال : قرأت القرآن على ابن عباس مرتين ، أقفه عند كل آية وأسأله عنها. ومنهم عبد الله بن عمرو ، كما رواه النسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي مُلَيْكة ، عن يحيى بن حكيم بن صفوان ، عن عبد الله بن عمرو قال : جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "اقرأه في شهر". وذكر تمام الحديث (4).
ثم قال البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال عمر : عليٌّ أقضانا ، وأُبيّ أقرأنا ، وإنا لَنَدع من لحنِ أُبيٍّ ، وأُبيّ يقول : أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا أتركه لشيء قال الله تعالى : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [البقرة : 106] (5).
وهذا يدل على أن الرجل الكبير قد يقول الشيء يظنه صوابا وهو خطأ في نفس الأمر ؛ ولهذا قال الإمام مالك : ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد إلا قول صاحب هذا القبر ، أي : فكله مقبول ، صلوات الله وسلامه عليه. ثم ذكر البخاري فضل فاتحة الكتاب وغيرها ، وسنذكر فضل كل سورة عندها ليكون ذلك أنسب. ثم قال :
__________
(1) في ط : "ولا يشك".
(2) في طـ : "أنزلت".
(3) في ط : "الرسول".
(4) سنن النسائي الكبرى برقم (64 80) وسنن ابن ماجة برقم (1346).
(5) صحيح البخاري برقم (5005).

(1/54)


نزول السكينة والملائكة عند القراءة
وقال الليث : حدثني يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أسيد بن الحضير قال : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة ، وفرسه مربوطة عنده ، إذ جالت الفرس ، فسكت فسكنت ، ثم قرأ فجالت (1) فسكت فسكنت ، ثم قرأ فجالت الفرس ، فانصرف ، وكان ابنه يحيى قريبا منها ، فأشفق أن تصيبه ، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها ، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اقرأ يا بن حضير ، اقرأ يا بن حضير". قال : فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا ، فرفعت رأسي وانصرفت إليه ، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُّلَّة ، فيها أمثال المصابيح ، فخرجت حتى لا أراها قال : "أو تدري (2) ما ذاك ؟ ". قال : لا قال : "الملائكة دَنَتْ لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت
__________
(1) في جـ ، ط : "فجالت الفرس".
(2) في ط : "وتدري".

(1/54)


ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم ". قال ابن الهاد : وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن أسيد بن الحضير (1).
هكذا أورد البخاري هذا الحديث معلقا ، وفيه انقطاع في الرواية الأولى ، فإن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني تابعي صغير لم يدرك أسيدا لأنه مات سنة عشرين ، وصلى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهما. ثم فيه غرابة من حيث إنه قال : وقال الليث : حدثني يزيد بن الهاد ولم أره بسند متصل عن الليث بذلك ، إلا ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف أن يحيى بن عبد الله بن بكير رواه عن الليث كذلك (2).
وقد رواه الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن فقال : حدثنا عبد الله بن صالح ويحيى بن بُكيْر ، عن الليث ، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أسيد بن حضير ، فذكر الحديث إلى آخره ، ثم قال : [قال] (3) ابن الهاد : وحدثني عبد الله بن خباب ، عن أبي سعيد ، عن أسيد بن حضير بهذا (4).
وقد رواه النسائي في فضائل القرآن ، عن محمد بن عبد الله بن [عبد] (5) الحكم عن شعيب بن الليث ، وعن علي بن محمد بن علي ، عن داود بن منصور ، كلاهما عن الليث ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن يزيد بن عبد الله ، وهو ابن الهاد ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبي سعيد ، عن أسيد ، به (6). ورواه يحيى بن بكير ، عن الليث كذلك أيضا ، فجمع بين الإسنادين. ورواه في المناقب عن أحمد بن سعيد الرباطي ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن يزيد بن الهاد ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبي سعيد ، أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده ، الحديث. ولم يقل : عن أسيد ، ولكن ظاهره أنه عنه ، والله أعلم (7).
وقال أبو عبيد : حدثني عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن ابن شهاب ، عن ابن كعب بن مالك ، عن أسيد بن حضير : أنه كان على ظهر بيته يقرأ القرآن وهو حسن الصوت ، ثم ذكر مثل هذا الحديث أو نحوه (8)
حدثنا قبيصة ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أسيد بن حضير قال : " قلت : يا رسول الله ، بينما أنا أقرأ البارحة بسورة ، فلما انتهيت إلى آخرها سمعت
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5018).
(2) انظر : تحفة الأشراف للمزي (1/ 72).
(3) زيادة من ط.
(4) فضائل القرآن (ص 26).
(5) زيادة من ط.
(6) سنن النسائي الكبرى برقم (8074).
(7) سنن النسائي الكبرى برقم (8244).
(8) فضائل القرآن (ص 27).

(1/55)


وجبة من خلفي ، حتى ظننت أن فرسي تطلق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اقرأ أبا عتيك" [مرتين] (1) قال : فالتفت إلى أمثال المصابيح ملء بين السماء والأرض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اقرأ أبا عتيك". فقال : والله ما استطعت أن أمضي فقال : "تلك الملائكة نزلت لقراءة القرآن ، أما إنك لو مضيت لرأيت الأعاجيب" " (2).
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق سمع البراء يقول : بينما رجل يقرأ سورة الكهف ليلة إذ رأى دابته تركض ، أو قال : فرسه يركض ، فنظر فإذا مثل الضبابة أو مثل الغمامة ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " تلك السكينة نزلت للقرآن ، أو تنزلت على القرآن " (3). وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة (4). والظاهر أن هذا هو أسيد بن الحضير ، رضي الله عنه ، فهذا ما يتعلق بصناعة الإسناد ، وهذا من أغرب تعليقات البخاري ، رحمه الله ، ثم سياق ظاهر فيما ترجم عليه من نزول السكينة والملائكة عند القراءة.
وقد اتفق نحو هذا الذي وقع لأسيد بن الحضير لثابت بن قيس بن شماس كما قال أبو عبيد :
حدثنا عباد بن عباد عن جرير بن حازم ، عن عمه جرير بن زيد (5) أن أشياخ أهل المدينة حدثوه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح ؟ قال : "فلعله قرأ سورة البقرة". قال : فسئل ثابت فقال : قرأت سورة البقرة (6).
وفي الحديث المشهور الصحيح : " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ، يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه فيما بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحَفَّتْهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده " رواه مسلم عن أبي هريرة (7).
ولهذا قال الله تبارك وتعالى : { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء : 78] ، وجاء في بعض التفاسير : أن الملائكة تشهده. وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون " (8).
__________
(1) زيادة من ط.
(2) فضائل القرآن (ص227).
(3) مسند الطيالسي برقم (714).
(4) صحيح البخاري برقم (3614) وصحيح مسلم برقم (795).
(5) في ط ، م : "يزيد".
(6) فضائل القرآن (ص 27).
(7) صحيح مسلم برقم (2699).
(8) صحيح البخاري برقم (555) وصحيح مسلم برقم (632).

(1/56)


من قال : لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين
حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا سفيان ، عن عبد العزيز بن رفيع قال : دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس ، فقال له شداد بن معقل : أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شيء ؟ قال : ما ترك إلا ما بين الدفتين. قال : ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه فقال : ما ترك إلا ما بين الدفتين.
تفرد به البخاري (1) ومعناه : أنه ، عليه السلام ، ما ترك مالا ولا شيئا يورث عنه ، كما قال عمرو بن الحارث أخو جويرية بنت الحارث : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا (2). وفي حديث أبي الدرداء : " إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر " (3). ولهذا قال ابن عباس : وإنما ترك ما بين الدفتين يعني : القرآن ، والسنة مفسرة له ومبينة وموضحة له ، فهي تابعة له ، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى ، كما قال تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } الآية [فاطر : 32] ، فالأنبياء ، عليهم السلام ، لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها ، إنما خلقوا للآخرة يدعون إليها ويرغبون فيها ؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا نورث ما تركنا فهو صدقة " (4) وكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، لما سئل عن ميراث النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبر عنه بذلك ، ووافقه على نقله عنه ، عليه السلام ، غير واحد من الصحابة ؛ منهم عمر وعثمان وعلي والعباس وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو هريرة وعائشة وغيرهم ، وهذا ابن عباس يقول - أيضا - عنه عليه السلام ؟ رضي الله عنهم أأجمعين.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5019).
(2) رواه البخاري في صحيحه برقم (2739 ، 4461).
(3) رواه أبو داود في السنن برقم (3641) وابن ماجة في السنن برقم (223) وابن حبان في صحيحه برقم (80) "موارد".
(4) رواه البخاري في صحيحه برقم (3093) ومسلم في صحيحه برقم (1758).

(1/57)


فضل القرآن على سائر الكلام
حدثنا هُدْبة بن خالد أبو خالد ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، حدثنا أنس بن مالك ، عن أبي موسى ، رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " مثل الذي يقرأ القرآن كمثل الأتْرُجة ، طعمها طيب وريحها طيب. والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة ، طعمها طيب ولا ريح لها ، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ، ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها " (1). وهكذا رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به (2).
ووجه مناسبة الباب لهذا الحديث : أن طيب الرائحة دار مع القرآن وجودا وعدما ، فدل على شرفه على ما سواه من الكلام الصادر من البر والفاجر. ثم قال : حدثنا مُسَدَّد ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، حدثني عبد الله بن دينار ، قال : سمعت ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما أجلكم في أجل من خلا
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5020).
(2) صحيح البخاري برقم (5059 ، 5427 ) وصحيح مسلم برقم (797) وسنن أبي داود برقم (4830) وسنن الترمذي برقم (2865) وسنن النسائي (8/ 124 ، 125) وسنن ابن ماجة برقم (214).

(1/57)


من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس ، ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال : من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود فقال : من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر ؟ فعملت النصارى ، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين ، قالوا : نحن أكثر عملا وأقل عطاءً! قال : هل ظلمتكم من حقكم ؟ قالوا : لا. قال : فذلك فضلي أوتيه من شئت " (1).
تفرد به من هذا الوجه ، ومناسبته للترجمة : أن هذه الأمة مع قصر مدتها فضلَتْ الأمم الماضية مع طول مدتها ، كما قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران : 110].
وفي المسند والسنن عن بَهْزِ بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنتم توفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله " (2). وإنما فازوا بهذا ببركة الكتاب العظيم الذي شرفه الله تعالى على كل كتاب أنزله ، جعله مهيمنا عليه ، وناسخا له ، وخاتما له ؛ لأن كل الكتب المتقدمة نزلت إلى الأرض جملة واحدة ، وهذا القرآن نزل منجما بحسب الوقائع لشدة الاعتناء به وبمن أنزله عليه ، فكل مرة كنزول كتاب من الكتب المتقدمة ، وأعظم الأمم المتقدمة هم اليهود والنصارى ، فاليهود استعملهم الله من لدن موسى إلى زمان عيسى ، والنصارى من ثمّ إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم استعمل أمته إلى قيام الساعة ، وهو المشبه بآخر النهار ، وأعطى الله المتقدمين قيراطا قيراطا ، وأعطى هؤلاء قيراطين قيراطين ، ضعفى ما أعطى أولئك ، فقالوا : أي ربنا ، ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا ؟ فقال : هل ظلمتكم شيئا ؟ قالوا : لا قال : فذلك فضلى أي : الزائد على ما أعطيتكم أؤتيه من أشاء كما قال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الحديد : 28 ، 29].
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5021).
(2) المسند (5/ 3) وسنن الترمذي برقم (3001) وسنن ابن ماجة برقم (4287 ، 4288) وقال الترمذي : "حديث حسن".

(1/58)


الوصايا بكتاب الله
حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا مالك بن مِغْول ، حدثنا طلحة بن مُصَرِّف قال : " سألت عبد الله بن أبي أوفى : أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا. فقلت : كيف كتب على الناس الوصية ، أمروا بها ولم يوص ؟ قال : أوصى بكتاب الله ، عز وجل " (1).
وقد رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة ، إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به (2) وهذا نظير ما تقدم عن ابن عباس : " ما ترك إلا ما بين الدفتين " ، وذلك أن الناس كتب عليهم الوصية في أموالهم كما قال تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ } [البقرة : 180]. وأما هو صلى الله عليه وسلم فلم يترك شيئا يورث عنه ، وإنما ترك ماله صدقة جارية من
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5022).
(2) صحيح البخاري برقم (2740 ، 4460) وصحيح مسلم برقم (1634) وسنن الترمذي برقم (2119) وسنن النسائي (6/ 0 24) وسنن ابن ماجة برقم (2696).

(1/58)


بعده ، فلم يحتج إلى وصية في ذلك ولم يوصِ إلى خليفة يكون بعده على التنصيص ؛ لأن الأمر كان ظاهرا من إشارته وإيمائه إلى الصديق ؛ ولهذا لما هم بالوصية إلى أبي بكر ثم عدل عن ذلك فقال : "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " (1) وكان كذلك ، وإنما أوصى الناس باتباع كتاب الله تعالى. من لم يتغن بالقرآن وقول الله تعالى :
{ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } [العنكبوت : 51].
حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، حدثنا عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أنه كان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يأذن الله لشيء ، ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن " ، وقال صاحب له : يريد يجهر به فرد من هذا الوجه. ثم رواه عن علي بن عبد الله بن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري به (2). قال سفيان : تفسيره : يستغنى به ، وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة (3) ومعناه : أن الله ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها ، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية ، وذلك هو الغاية في ذلك.
وهو ، سبحانه وتعالى ، يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم ، كما قالت عائشة ، رضي الله عنها : سبحان الله الذي وسع سمعه الأصوات (4). ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم ، كما قال تعالى : { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } الآية [يونس : 61] ، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم ، ومنهم من فسر الأذن هاهنا بالأمر ، والأول أولى لقوله : "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن" أي : يجهر به ، والأذن : الاستماع ؛ لدلالة السياق عليه ، وكما قال تعالى : { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } [الانشقاق : 1 - 5] أي : وحق لها أن تستمع أمره وتطيعه ، فالأذن هو الاستماع ؛ ولهذا جاء في حديث رواه ابن ماجة بسند جيد عن فضالة بن عبيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لله أشد أذنا إلى الرجل (5) الحسن الصوت بالقرآن [يجهر به] (6) من صاحب القينة إلى قينته " (7).
وقال سفيان بن عيينة : إن المراد بالتغني : يستغنى به ، فإن أراد : أنه يستغنى عن الدنيا ، وهو الظاهر من كلامه الذي تابعه عليه أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره ، فخلاف الظاهر من مراد الحديث ؛ لأنه قد فسره بعض رواته بالجهر ، وهو تحسين القراءة والتحزين بها (8).
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه برقم (7217) ومسلم في صحيحه برقم (2387) من حديث عائشة ، رضي الله عنها.
(2) صحيح البخاري برقم (5023 ، 5024).
(3) صحيح مسلم برقم (792) وسنن النسائي (2/ 180).
(4) رواه النسائي في السنن (6/ 168) ورواه البخاري في صحيحه برقم (7385) معلقا.
(5) في ط ، جـ : "أذنا الرجل".
(6) زيادة من ابن ماجة.
(7) سنن ابن ماجة برقم (1340).
(8) نقل الحافظ ابن حجر في الفتح (9/ 70) عن ابن الجوزي أربعة أقوال في معنى يتغنى : تحسين الصوت ، الاستغناء ، التحزن كما قال الشافعي ، التشاغل به. قال : وحكى ابن الأنباري قولا خامسا وهو التلذذ والاستحلاء.

(1/59)


قال حرملة : سمعت ابن عيينة يقول : معناه : يستغنى به ، فقال لي الشافعي : ليس هو هكذا ، ولو كان هكذا لكان يتغانى به ، وإنما هو يتحزن ويترنم به ، ثم قال حرملة : وسمعت ابن وهب يقول : يترنم به ، وهكذا نقل المزني والربيع عن الشافعي ، رحمه الله.
وعلى هذا فتصدير البخاري الباب بقوله تعالى : { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [العنكبوت : 51] ، فيه نظر ؛ لأن هذه الآية الكريمة ذكرت ردا على الذين سألوا عن آيات تدل على صدقه ، حيث قال : { وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } الآية [العنكبوت : 50 ، 51]. ومعنى ذلك : أو لم يكفهم آية دالة على صدقك إنزالنا القرآن عليك وأنت رجل أمي { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } [العنكبوت : 48] أي : وقد جئت فيه بخبر الأولين والآخرين فأين هذا من التغني بالقرآن وهو تحسين الصوت به أو الاستغناء به عما عداه من أمور الدنيا ، فعلى كل تقدير ، تصدير الباب بهذه الآية الكريمة فيه نظر (1).
__________
(1) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (9/ 68) : "أشار بهذه الآية إلى ترجيح تفسير ابن عيينة : يتغنى : يستغني كما سيأتي في هذا الباب عنه ، وأخرجه أبو داود عن ابن عيينة ووكيع جميعًا ، وقد بين إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة أنه استغناء خاص ، وكذا قال أحمد عن وكيع : يستغني به عن أخبار الأمم الماضية ، وقد أخرج الطبري وغيره من طريق عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال : جاء ناس من المسلمين بكتب وقد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم" فنزل : ( أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ). وقد خفى وجه مناسبة تلاوة هذه الآية على كثير من الناس كابن كثير ، فنفى أن يكون لذكرها وجه ، على أن ابن بطال مع تقدمه قد أشار إلى المناسبة فقال : قال أهل التأويل في هذه الآية ، فذكر أثر يحيى بن جعدة مختصرًا قال : فالمراد بالآية : الاستغناء عن أخبار الأمم الماضية ، وليس المراد الاستغناء الذي هو ضد الفقر ، قال : وإتباع البخاري الترجمة بالآية يدل على أنه يذهب إلى ذلك. وقال ابن التين : يفهم من الترجمة : أن المراد بالتغني الاستغناء ؛ لكونه أتبعه الآية التي تضمن الإنكار على من لم يستغن بالقرآن على غيره ، فحمله على الاكتفاء به وعدم الافتقار إلى غيره ، وحمله على ضد الفقر من جملة ذلك".

(1/60)


فصل
في إيراد أحاديث في معنى الباب وذكر
أحكام التلاوة بالأصوات
قال أبو عبيد : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن قباث بن رزين ، عن علي بن رباح اللخمي ، عن عقبة بن عامر قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ونحن في المسجد نتدارس القرآن ، فقال : " تعلموا كتاب الله واقتنوه ". قال : وحسبت أنه قال : "وتغنوا به ، فوالذي نفسي بيده ، لهو أشد تفلتا من المخاض من العقل" (1).
وحدثنا عبد الله بن صالح ، عن موسى بن علي ، عن أبيه ، عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك إلا أنه قال : "واقتنوه وتغنوا به" (2) ولم يشك ، وهكذا رواه أحمد والنسائي في فضائل
__________
(1) فضائل القرآن (ص 29).
(2) فضائل القرآن (ص 29).

(1/60)


القرآن ، من حديث موسى بن علي ، عن أبيه به (1) ومن حديث عبد الله بن المبارك ، عن قباث بن رزين ، عن علي بن رباح ، عن عقبة ، وفي بعض ألفاظه : خرج علينا ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا ، وذكر الحديث. ففيه دلالة على السلام على القارئ.
ثم قال أبو عبيد : حدثنا أبو اليمان ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم ، عن المهاصر بن حبيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا أهل القرآن ، لا توسدوا القرآن ، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار ، وتغنوه واقتنوه ، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون" (2) وهذا مرسل.
ثم قال أبو عبيد : قوله : "تغنوه" : يعني : اجعلوه غناءكم من الفقر ، ولا تعدوا الإقلال منه فقرا. وقوله : "واقتنوه" ، يقول : اقتنوه ، كما تقتنون الأموال : اجعلوه مالكم.
وقال أبو عبيد : حدثني هشام بن عمار ، عن يحيى بن حمزة ، عن الأوزاعي ، حدثني إسماعيل ابن عبيد الله بن أبي المهاجر ، عن فضالة بن عبيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" (3).
قال أبو عبيد : هذا الحديث بعضهم يزيد في إسناده يقول : عن إسماعيل بن عبيد الله عن مولى فضالة عن فضالة ، وهكذا رواه ابن ماجة ، عن راشد بن سعيد بن أبي راشد ، عن الوليد ، عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله عن ميسرة مولى فضالة عن فضالة عن النبي صلى الله عليه وسلم : "لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن [ يجهر به] (4) من صاحب القينة إلى قينته " (5). قال أبو عبيد : يعني : الاستماع. وقوله في الحديث الآخر : " ما أذن الله لشيء " أي : ما استمع.
وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا سلمة بن الفضل ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، حدثنا القاسم بن محمد ، حدثنا السائب قال : قال لي سعد : يا بن أخي ، هل قرأت القرآن ؟ قلت : نعم. قال : غَنِّ به ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " غنوا بالقرآن ، ليس منا من لم يغن بالقرآن ، وابكوا ، فإن لم تقدروا على البكاء فتباكوا " (6).
وقد روى أبو داود من حديث الليث وعمرو بن دينار كلاهما عن عبد الله بن أبي مُلَيْكة ، عن عبيد الله بن أبي نَهِيك ، عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " (7).
ورواه ابن ماجة من حديث ابن أبي مليكة ، عن عبد الرحمن بن السائب ، عن سعد بن أبي
__________
(1) المسند (4/ 146) وسنن النسائي الكبرى برقم (8034).
(2) فضائل القرآن (ص 29).
(3) فضائل القرآن (ص 77 ، 78).
(4) زيادة من ابن ماجة.
(5) سنن ابن ماجة برقم (1340).
(6) وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وهو متروك.
(7) سنن أبي داود برقم (1469 ، 1470).

(1/61)


وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هذا القرآن نزل بحرف ، فإذا قرأتموه فابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ، وتغنوا به ، فمن لم يتغن به فليس منا " (1).
وقال أحمد : حدثنا وَكِيع ، حدثنا سعيد (2) بن حسان المخزومي ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، عن عبد الله بن أبي نهيك ، عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " (3). [قال وكيع : يعني : يستغنى به] (4).
ورواه (5) أيضا عن الحجاج وأبي النضر ، كلاهما عن الليث بن سعد ، وعن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، كلاهما عن عبد الله بن أبي مليكة به (6). وفي هذا الحديث كلام طويل يتعلق بسنده ليس هذا موضعه ، والله أعلم.
وقال أبو داود : حدثنا عبد الأعلى بن حماد ، حدثنا عبد الجبار بن الورد ، سمعت ابن أبي مُلَيْكة ، يقول : قال عبيد الله بن أبي يزيد : مرّ بنا أبو لُبَابة فاتَّبعناه حتى دخل بيته فدخلنا عليه ، فإذا رجل رَثُّ البيت ، رَثُّ الهيئة ، فانتسبنا له ، فقال : تجار كسبة ، فسمعته يقول : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن ". قال : فقلت لابن أبي مليكة : يا أبا محمد ، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت قال : يحسنه ما استطاع. تفرد به أبو داود (7).
فقد فهم من هذا أن السلف ، رضي الله عنهم ، إنما فهموا من التغني بالقرآن : إنما هو تحسين الصوت به ، وتحزينه ، كما قاله الأئمة ، رحمهم الله ، ويدل على ذلك - أيضا - ما رواه أبو داود حيث قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن طلحة ، عن عبد الرحمن بن عَوْسَجة ، عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " زينوا القرآن بأصواتكم " (8).
وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث شعبة ، عن طلحة وهو ابن مصرف به (9).
وأخرجه النسائي من طرق أخر عن طلحة (10) وهذا إسناد جيد.
وقد وثق النسائي ، وابن حبان عبد الرحمن بن عوسجة هذا ، ونقل الأزدي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال : سألت عنه بالمدينة ، فلم أرهم يحمدونه (11).
__________
(1) سنن ابن ماجة برقم (1337) وقال البوصيري في الزوائد (1/ 434) : "هذا إسناد فيه أبو رافع واسمه إسماعيل بن رافع ، ضعيف متروك".
(2) في ط ، م : "سفيان".
(3) المسند (5/ 172).
(4) زيادة من جـ ، ط.
(5) في ط : "ورواه أحمد".
(6) المسند (1/ 175 ، 179).
(7) سنن أبي داود برقم (1471).
(8) سنن أبي داود برقم (1468).
(9) سنن النسائي (2/ 179) وسنن ابن ماجة برقم (1342).
(10) سنن النسائي (2/ 179).
(11) وانظر : تهذيب الكمال للمزي (17/ 322) وابن حجر - رحمه الله - اختار توثيقه في التقريب.

(1/62)


وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة قال : نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث : "زينوا القرآن بأصواتكم". قال أبو عبيد : وإنما كره أيوب فيما نرى ، أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الألحان المبتدعة ، فلهذا أنهاه أن يحدث به (1).
قلت : ثم إن شعبة روى الحديث متوكلا على الله ، كما رُوي له ، ولو ترك كل حديث بتأول مبطل لترك من السنة شيء كثير ، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة وحملوها على غير محاملها الشرعية المرادة ، والله المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والمراد من تحسين الصوت بالقرآن : تطريبه وتحزينه والتخشع به ، كما رواه الحافظ الكبير بَقِيّ بن مَخْلَد ، حيث قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة". قلت : أما والله لو علمت أنك تستمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرا. ورواه مسلم من حديث طلحة به وزاد : " لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود " (2). وسيأتي هذا في بابه حيث يذكره البخاري ، والغرض أن أبا موسى قال : لو أعلم أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا ، فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه ، وقد كان أبو موسى كما قال ، عليه السلام ، قد أعطى صوتا حسنا كما سنذكره إن شاء الله ، مع خشية تامة ورقة أهل اليمن الموصوفة ، فدل على أن هذا من الأمور الشرعية.
قال أبو عبيد : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة قال : كان عمر إذا رأى أبا موسى قال : ذكرنا ربنا يا أبا موسى ، فيقرأ عنده (3).
وقال أبو عبيد : وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا سليمان التيمي ، أنبئت عنه ، حدثنا أبو عثمان النهدي قال : كان أبو موسى يصلي بنا ، فلو قلت : إني لم أسمع صوت صنجٍ قط ، ولا بربطٍ قط ، ولا شيئًا قط أحسن من صوته (4).
وقال ابن ماجة : حدثنا العباس بن عبد الرحمن (5) الدمشقي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة قالت : " أبطأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بعد العشاء ، ثم جئت فقال : "أين كنت ؟". قلت : كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد ، قالت : فقام فقمت معه حتى استمع له ، ثم التفت إلي فقال : "هذا سالم مولى أبي حذيفة ، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا" " (6). إسناد جيد.
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ، فما
__________
(1) فضائل القرآن (ص 81).
(2) صحيح مسلم برقم (793).
(3) فضائل القرآن (ص 79).
(4) فضائل القرآن (ص 79). وقال الحافظ ابن حجر : "سنده صحيح".
(5) في جـ : "عثمان".
(6) سنن ابن ماجة برقم (1338).

(1/63)


سمعت أحدا أحسن صوتًا أو قال : قراءة منه. وفي بعض ألفاظه : فلما سمعته قرأ : { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } [الطور : 35] ، خلت أن فؤادي قد انصدع (1). وكان جبير لما سمع هذا بعدُ مشركا على دين قومه ، وإنما قدم في فداء الأساري بعد بدر ، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر! وكان هذا سبب هدايته ولهذا كان أحسن القراءة ما كان عن خشوع القلب ، كما قال أبو عبيد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن ليث ، عن طاوس قال : أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله (2).
حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، وعن الحسن بن مسلم ، عن طاوس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أي الناس أحسن صوتًا بالقرآن ؟ فقال : "الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله" " (3).
وقد روى هذا متصلا من وجه آخر ، فقال ابن ماجة : حدثنا بشر بن معاذ الضرير ، حدثنا عبد الله بن جعفر المديني ، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتوه يقرأ حسبتموه يخشى الله " (4) ولكن عبد الله بن جعفر هذا ، وهو والد علي بن المديني ، وشيخه ضعيفان ، والله أعلم.
والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة ، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي ، فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب ، وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك ، كما قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام ، رحمه الله :
حدثنا نعيم بن حماد ، عن بَقِيَّة بن الوليد ، عن حصين بن مالك الفزاري : سمعت شيخًا يكنى أبا محمد يحدث عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها ، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابيين ، ويجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح ، لا يجاوز حناجرهم ، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم " (5).
حدثنا يزيد ، عن شريك ، عن أبي اليقظان عثمان بن عمير ، عن زاذان أبي عمر ، عن عليم قال : " كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال يزيد : لا أعلمه إلا قال : عابس الغفاري ، فرأى الناس يخرجون في الطاعون فقال : ما هؤلاء ؟ قالوا : يفرون من الطاعون ، فقال : يا طاعون خذني ، فقالوا : تتمنى الموت وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لا يتمنين أحدكم الموت" ؟ فقال : إني أبادر خصالا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوفهن على أمته : "بيع الحكم ، والاستخفاف بالدم ، وقطيعة الرحم ، وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم
__________
(1) صحيح البخاري برقم (765 ، 4854) وصحيح مسلم برقم (463).
(2) فضائل القرآن (ص 80).
(3) فضائل القرآن (ص 80).
(4) سنن ابن ماجة برقم (1339).
(5) فضائل القرآن (ص 80) وقال الذهبي في ترجمة حصين بن مالك في الميزان (1/ 553) : "تفرد عنه بقية ، ليس بمعتمد ، والخبر منكر".

(1/64)


[به] (1) غناءً " وذكر خصلتين أخريين (2).
وحدثنا إبراهيم بن يعقوب ، عن ليث بن أبي سليم ، عن عثمان بن عمير ، عن زاذان ، عن عابس الغفاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك أو نحوه. وحدثنا يعقوب بن إبراهيم ، عن الأعمش ، عن رجل ، عن أنس بن مالك : أنه سمع رجلا يقرأ القرآن بهذه الألحان التي أحدث الناس ، فأنكر ذلك ونهى عنه (3).
هذه طرق حسنة في باب الترهيب ، وهذا يدل على أنه محذور كبير ، وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء ، وقد نص الأئمة ، رحمهم الله ، على النهي عنه ، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفا أو ينقص حرفا ، فقد اتفق العلماء على تحريمه ، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا روح ، حدثنا عبيد الله بن الأخنس ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن " (4).
ثم قال : وإنما ذكرناه لأنهم اختلفوا على ابن أبي مليكة فيه ، فرواه ابن عبد الجبار بن الورد عنه عن أبي لبابة ، ورواه عمرو بن دينار والليث عنه عن أبي نَهِيك عن سعد ، ورواه عَسْل بن سفيان عنه ، عن عائشة (5) ورواه نافع مولى ابن عمر عنه ، عن ابن الزبير (6).
__________
(1) زيادة من ط.
(2) فضائل القرآن (ص 81) والخصلتين هما : إمرة السفهاء ، وكثرة الشرط.
(3) فضائل القرآن (ص 81).
(4) مسند البزار برقم (2332) "كشف الأستار".
(5) رواه البزار في مسنده برقم (2334) "كشف الأستار" والحاكم في المستدرك (1/ 570) وقال الحاكم : "إسناده شاذ".
(6) رواه البزار في مسنده برقم (2335) "كشف الأستار".

(1/65)


اغتباط صاحب القرآن
حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني سالم بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا حسد إلا في (1) اثنتين : رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل ، ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار " (2).
انفرد به البخاري من هذا الوجه ، واتفقا على إخراجه من رواية سفيان عن الزهري (3) ثم قال البخاري : حدثنا علي بن إبراهيم ، حدثنا روح ، حدثنا شعبة ، عن سليمان : سمعت ذَكْوان ، عن أبي هريرة ؛ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا حسد إلا في اثنتين : رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار" ، فسمعه جار له فقال : ليتني أوتيت مثل ما أوتى فلان فعملت مثل ما يعمل ، "ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق" ، فقال رجل : ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل" (4).
ومضمون هذين الحديثين : أن صاحب القرآن في غبطة وهو حسن الحال ، فينبغي أن يكون شديد
__________
(1) في جـ ، ط : "على".
(2) صحيح البخاري برقم (5025).
(3) صحيح البخاري برقم (7529) وصحيح مسلم برقم (815).
(4) صحيح البخاري برقم (5026).

(1/65)


الاغتباط بما هو فيه ، ويستحب تغبيطه بذلك ، يقال : غبطه يغبِطه غبطًا : إذا تمنى ما هو فيه من النعمة ، وهذا بخلاف الحسد المذموم وهو تمني زوال نعمة المحسود عنه ، سواء حصلت لذلك الحاسد أو لا وهذا مذموم شرعًا ، مهلكٌ ، وهو أول معاصي إبليس حين حسد آدم ، عليه السلام ، على ما منحه الله تعالى من الكرامة والاحترام والإعظام. والحسد الشرعي الممدوح هو تمني مثل حال ذلك الذي هو على حالة سارة ؛ ولهذا قال عليه السلام : "لا حسد إلا في اثنتين " ، فذكر النعمة القاصرة وهي تلاوة القرآن آناء الليل والنهار ، والنعمة المتعدية وهي إنفاق المال بالليل والنهار " ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } [فاطر : 29] ، وقد روي نحو هذا من وجه آخر ، فقال عبد الله بن الإمام أحمد : وجدت في كتاب أبي بخط يده : كتب إليّ أبو توبة الربيع بن نافع ، فكان في كتابه : حدثنا الهيثم بن حميد ، عن زيد بن واقد ، عن سليمان بن موسى ، عن كثير بن مرة ، عن يزيد بن الأخنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا تنافس بينكم إلا في اثنتين : رجل أعطاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار ، ويتبع ما فيه ، فيقول رجل : لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأقوم (1) كما يقوم به ، ورجل أعطاه الله مالا فهو ينفقه ويتصدق ، فيقول رجل : لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأتصدق به" (2). وقريب من هذا ما قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا عبادة بن مسلم ، حدثني يونس بن خباب ، عن أبي سعيد البختري الطائي ، عن أبي كبشة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ثلاث أقسم عليهن ، وأحدثكم حديثا فاحفظوه ، فأما الثلاث التي أقسم عليهن : فإنه ما نقص مال عبد من صدقة ، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا ، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر ، وأما الذي أحدثكم حديثا فاحفظوه ، فإنه قال : إنما الدنيا لأربعة نفر : عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل رحمه ، ويعمل لله فيه حقه" ، قال : "فهذا بأفضل المنازل ، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو يقول : لو كان لي مال عملت بعمل فلان" قال : "فأجرهما سواء ، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ، ولا يصل فيه رحمه ، ولا يعمل لله فيه حقه ، فهذا بأخبث المنازل ، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول : لو كان لي مال لفعلت بعمل فلان". قال : "هي نيته فوزرهما فيه سواء " (3).
وقال أيضا : حدثنا وَكِيع ، حدثنا الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي كبشة الأنماري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر : رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل به في ماله ينفقه في حقه ، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول : لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فهما في الأجر سواء ، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه ، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول : لو كان لي مثل
__________
(1) في ط ، م : "فيقوم به".
(2) المسند (4/ 105).
(3) المسند (4/ 231).

(1/66)


هذا عملت فيه مثل الذي يعمل". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فهما في الوزر سواء". إسناد صحيح (1)
__________
(1) المسند (4/ 230).

(1/67)


خيركم من تعلم القرآن وعلمه
حدثنا حجاج بن مِنْهال ، حدثنا شعبة ، أخبرني علقمة بن مَرْثَد ، سمعت سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن ، عن عثمان بن عفان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان ، رضي الله عنه ، حتى كان الحجاج قال :
وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا (1).
وقد أخرج الجماعة هذا الحديث سوى مسلم من رواية شعبة عن عَلْقَمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن وهو عبد الله بن حبيب السلمي - رحمه الله (2).
وحدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان بن عفان قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه " (3).
وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طرقٍ عن سفيان ، عن علقمة ، عن أبي عبد الرحمن ، من غير ذكر سعد بن عبيدة (4) كما رواه شعبة ولم يختلف عليه فيه ، وهذا المقام مما حكم لسفيان الثوري فيه على شعبة ، وخطأ بُنْدَار يحيى بن سعيد في روايته ذلك عن سفيان ، عن علقمة ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن وقال : رواه الجماعة من أصحاب سفيان عنه ، بإسقاط سعد بن عبيدة ، ورواية سفيان أصحُ في هذا المقام المتعلق بصناعة الإسناد ، وفي ذكره طول لولا الملالة لذكرناه ، وفيما ذكر كفاية وإرشاد إلى ما ترك ، والله أعلم.
والغرض أنه ، عليه الصلاة والسلام ، قال : " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " وهذه من صفات المؤمنين المتبعين للرسل ، وهم الكُمل في أنفسهم ، المكملون لغيرهم ، وذلك جمع بين النفع القاصر والمتعدي ، وهذا بخلاف صفة الكفار الجبارين الذين لا ينفعون ، ولا يتركون أحدا ممن أمكنهم أن ينتفع ، كما قال تعالى : { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ } [النحل : 88] ، وكما قال تعالى : { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } [الأنعام : 26] ، في أصح قولي (5) المفسرين في هذا ، وهو أنهم ينهون الناس عن اتباع القرآن مع نأيهم وبعدهم عنه ، فجمعوا بين التكذيب والصد ، كما قال تعالى : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا } [الأنعام : 157] ، فهذا شأن (6) الكفار ، كما أن شأن خيار الأبرار أن يكمل في نفسه وأن يسعى في تكميل غيره كما قال عليه السلام : " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " ، وكما قال [الله] (7) تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [ فصلت : 33] ،
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5027).
(2) سنن أبي داود برقم (1452) وسنن الترمذي برقم (2907) وسنن النسائي الكبرى برقم (8037) وسنن ابن ماجة برقم (311).
(3) صحيح البخاري برقم (5028).
(4) سنن الترمذي برقم (2908) وسنن النسائي الكبرى برقم (8038) وسنن ابن ماجة برقم (312).
(5) في جـ : "قول".
(6) في ط ، جـ : "شأن شرار".
(7) زيادة من ط.

(1/67)


فجمع بين الدعوة إلى الله سواء كان بالأذان أو بغيره من أنواع الدعوة من تعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك ، مما يُبتغى به وجه الله ، وعمل هو في نفسه صالحا ، وقال قولا صالحا ، فلا أحد أحسن حالا من هذا. وقد كان أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي - أحد أئمة الإسلام ومشايخهم - من رغب في هذا المقام ، فقعد يعلم الناس في (1) إمارة عثمان إلى أيام الحجاج قالوا : وكان مقدار ذلك الذي مكث فيه يعلم القرآن سبعين سنة ، رحمه الله ، وآتاه الله ما طلبه ودامه. آمين.
قال (2) البخاري ، رحمه الله : حدثنا عمرو بن عون ، حدثنا حماد عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : " أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت : إنها قد وهبت نفسها لله ورسوله ، فقال : "ما لي في النساء من حاجة". فقال رجل : زوّجنيها قال : ["أعطها ثوبًا" ، قال : لا أجد ، قال : "أعطها ولو خاتما من حديد" ، فاعتل له ، فقال] (3) "ما معك من القرآن". قال : كذا وكذا. فقال : "قد زوجتكها بما معك من القرآن " (4).
وهذا الحديث متفق على إخراجه من طرق عديدة ، والغرض منه أن الذي قصده البخاري أن هذا الرجل تعلم (5) الذي تعلمه من القرآن ، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه تلك المرأة ، ويكون ذلك صداقا لها على ذلك ، وهذا فيه نزاع بين العلماء ، وهل يجوز أن يجعل مثل هذا صداقًا ؟ أو هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ؟ وهل هذا كان خاصًا بذلك الرجل ؟ وما معنى قوله عليه الصلاة والسلام : "زوجتكها بما معك من القرآن" ؟ أبسبب ما معك من القرآن ؟ كما قاله أحمد بن حنبل : نكرمك بذلك أو بعوض ما معك ، وهذا أقوى ، لقوله في صحيح مسلم : "فعلمها" (6) وهذا هو الذي أراده البخاري هاهنا وتحرير باقي الخلاف مذكور في كتاب النكاح والإجارة ، والله المستعان.
__________
(1) في جـ : "من".
(2) في جـ : "ثم قال".
(3) زيادة من جـ.
(4) صحيح البخاري برقم (5029).
(5) في جـ : "يعلمها".
(6) في جـ : "فتعلمها".

(1/68)


القراءة عن ظهر قلب
إنما أفرد البخاري في هذه الترجمة (1) حديث أبي حازم عن سهل بن سعد ، الحديث الذي تقدم الآن ، وفيه أنه ، عليه السلام ، قال لرجل : "فما معك من القرآن ؟". قال : معي سورة كذا وكذا ، لسور عددها. قال : "أتقرؤهن (2) عن ظهر قلبك ؟". قال : نعم. قال : "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن" (3).
وهذه الترجمة من البخاري ، رحمه الله ، مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل ، والله أعلم. ولكن الذي صرح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل ؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف وهو عبادة ، كما صرح به غير واحد من السلف ، وكرهوا أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه ، واستدلوا على فضيلة التلاوة في المصحف بما رواه الإمام العلم (4)
__________
(1) في جـ : "هذا الوجه".
(2) في جـ : "أتقرأ".
(3) صحيح البخاري برقم (5030).
(4) في جـ : "العالم".

(1/68)


أبو عبيد في كتاب (1) فضائل القرآن حيث قال :
حدثنا نعيم بن حماد ، عن بقية بن الوليد ، عن معاوية بن يحيى ، عن سليم بن مسلم ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرأه ظهرا ، كفضل الفريضة على النافلة" (2) وهذا الإسناد ضعيف (3) فإن معاوية بن يحيى هو الصدفي أو الأطرابلسي ، وأيهما كان فهو ضعيف.
وقال الثوري عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود قال : أديموا النظر في المصحف (4).
وقال حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن ماهك ، عن ابن عباس ، عن عمر : أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه (5).
وقال حماد أيضا : عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن ابن مسعود : أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف ، فقرؤوا ، وفسر لهم (6). إسناد صحيح.
وقال حماد بن سلمة : عن حجاج بن أرطاة ، عن ثوير بن أبي فاختة ، عن ابن عمر قال : إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ (7). وقال الأعمش عن خَيْثَمة : دخلت على ابن عمر وهو يقرأ في المصحف فقال : هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة (8).
فهذه الآثار تدل على أن هذا أمر مطلوب لئلا يعطل المصحف فلا يقرأ منه ، ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيتذكر منه ، أو تحريف كلمة أو آية أو تقديم أو تأخير ، فالاستثبات أولى ، والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال ، فأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن ؛ لأن الكتابة لا تدل على كمال الأداء ، كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه ، وإذا أدى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخا يوقفه على لفظ (9) القرآن ، فأما عند العجز عمن يلقن فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية ، فإذا قرأ في المصحف - والحالة هذه - فلا حرج عليه ، ولو فرض أنه قد يحرف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه ، فقد قال الإمام أبو عبيد :
حدثني هشام بن إسماعيل الدمشقي ، عن محمد بن شعيب ، عن الأوزاعي ؛ أن رجلا صحبهم في سفر قال : فحدثنا حديثا ما أعلمه إلا رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن العبد إذا قرأ فحرف أو أخطأ كتبه الملك كما أنزل " (10).
__________
(1) في ط : "كتابه".
(2) فضائل القرآن (ص 46).
(3) في ط : "وهذا الإسناد فيه ضعف".
(4) فضائل القرآن (ص 46) وقال ابن حجر : "إسناده صحيح".
(5) فضائل القرآن (ص 46).
(6) فضائل القرآن (ص 47).
(7) فضائل القرآن (ص 46).
(8) فضائل القرآن (ص 47).
(9) في طـ : "ألفاظ".
(10) فضائل القرآن (ص 47).

(1/69)


وحدثنا حفص بن غياث ، عن الشيباني (1) عن بكير (2) بن الأخنس قال : كان يقال : إذا قرأ الأعجمي والذي لا يقيم القرآن كتبه الملك كما أنزل. وقال بعض العلماء : المدار في هذه المسألة على الخشوع في القراءة ، فإن كان الخشوع عند القراءة على ظهر القلب فهو أفضل ، وإن كان عند النظر في المصحف (3) فهو أفضل فإن استويا فالقراءة نظرا أولى ؛ لأنها أثبت وتمتاز بالنظر في المصحف قال الشيخ أبو زكريا النووي (4) رحمه الله ، في التبيان : والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل.
تنبيه :
إن كان البخاري ، رحمه الله ، أراد بذكر (5) حديث سهل للدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل منها في المصحف ، ففيه نظر ؛ لأنها قضية عين ، فيحتمل أن ذلك الرجل كان لا يحسن الكتابة ويعلم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، فلا يدل على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل مطلقا في حق من يحسن ومن لا يحسن ، إذ لو دل هذا لكان ذكر حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلاوته عن ظهر قلب - لأنه أمي لا يدري الكتابة - أولى من ذكر هذا الحديث بمفرده.
الثاني : أن سياق الحديث إنما هو لأجل استثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ؛ ليمكنه تعليمها لزوجته ، وليس المراد هاهنا : أن هذا أفضل من التلاوة نظرا ، ولا عدمه (6) والله سبحانه وتعالى أعلم.
__________
(1) في جـ : "النسائي".
(2) في جـ : "بكر".
(3) في ط : "المصحف أكثر".
(4) في ط : "النواوي".
(5) في ط : "بذكره".
(6) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (9/ 78) بعد أن ذكر كلام الحافظ ابن كثير هنا : "ولا يرد على البخاري شيء مما ذكر ؛ لأن المراد بقوله : باب القراءة عن ظهر قلب ، مشروعيتها أو استحبابها ، والحديث مطابق لما ترجم به ، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرا ، وقد صرح كثير من العلماء أن القراءة من المصحف نظرا أفضل من القراءة عن ظهر قلب".

(1/70)


استذكار القرآن وتعاهده
حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقَّلة ، إن عاهد عليها أمسكها ، وإن أطلقها ذهبت " هكذا رواه مسلم والنسائي من حديث مالك [به] (1). وقال الإمام أحمد (2) حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا (3) معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار ، كمثل رجل له إبل ، فإن عقلها حفظها ، وإن أطلق عقالها ذهبت ، فكذلك صاحب القرآن ". أخرجاه ، قاله (4) ابن الجوزي في جامع المسانيد ، وإنما هو من أفراد مسلم من حديث عبد الرزاق به (5) وحدثنا محمد بن عرعرة ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل ،
__________
(1) صحيح البخاري برقم (031 5) وصحيح مسلم برقم (789) وسنن النسائي (2/ 154).
(2) المسند (2/ 35).
(3) في ط : "أخبرنا".
(4) في جـ : "قال".
(5) صحيح مسلم برقم (789).

(1/70)


عن عبد الله قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " بئس ما لأحدهم أن يقول : نسيت آية كيت وكيت ، بل نُسِيَ ، واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النَّعم " (1).
تابعه بشر. هو ابن محمد السختياني ، عن ابن المبارك ، عن شعبة.
وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان ، عن أبي داود الطيالسي ، عن شعبة به (2) وقال : حسن صحيح. وأخرجه النسائي من رواية شعبة (3).
وحدثنا عثمان ، حدثنا جرير ، عن منصور مثله. وتابعه ابن جريج عن عبدة ، عن شقيق : سمعت عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم (4) وهكذا أسنده مسلم من حديث ابن جريج به (5) ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث محمد بن جحادة ، عن عبدة (6) وهو ابن أبي لُبَابة به (7). وهكذا رواه مسلم عن عثمان وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم عن جرير به (8) وستأتي رواية البخاري له عن أبي نعيم ، عن سفيان الثوري ، عن منصور به ، والنسائي من رواية ابن عيينة عن منصور به ، فقد رواه هؤلاء عن منصور به مرفوعا في رواية هؤلاء كلهم (9) وقد رواه النسائي عن قتيبة ، عن حماد بن زيد ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله موقوفا (10) وهذا غريب وفي مسند أبي يعلى (11) فإنما هو نَسِي بالتخفيف (12).
حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو أسامة ، عن بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تعاهدوا القرآن ، فوالذي نفسي بيده ، لهو أشد تَفصِّيا من الإبل في عقلها ". وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن برادٍ (13) الأشعري ، كلاهما عن أبي أسامة حماد بن أسامة به (14).
وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا موسى بن علي :
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5032).
(2) سنن الترمذي برقم (4922).
(3) سنن النسائي (2/ 154).
(4) صحيح البخاري (9/ 79) "فتح".
(5) صحيح مسلم برقم (790).
(6) في جـ : "عبيدة".
(7) سنن النسائي الكبرى برقم (10560).
(8) صحيح مسلم برقم (790).
(9) صحيح البخاري برقم (5039) وسنن النسائي الكبرى برقم (8042).
(10) سنن النسائي الكبرى برقم (10564).
(11) مسند أبي يعلى (9/ 69).
(12) قال القرطبي : معنى التثقيل : أنه عوقب بوقوع النسيان عليه التفريط في معاهدته واستذكاره. ومعنى التخفيف : أن الرجل ترك غير ملتفت إليه ، وهو كقوله تعالى : (نسوا الله فنسيهم) [التوبة : 67] أي : تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة.
(13) في جـ : "بردة".
(14) صحيح البخاري برقم (5033) وصحيح مسلم برقم (791).

(1/71)


سمعت أبي يقول : سمعت عقبة بن عامر يقول : [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1) " تعلموا كتاب الله ، وتعاهدوه وتغنوا به ، فوالذي نفسي بيده ، لهو أشد تفلتا من المخاض في العقل " (2).
ومضمون هذه الأحاديث الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده ؛ لئلا يعرضه حافظه للنسيان (3) فإن ذلك خطر كبير ، نسأل الله العافية منه ، فإنه قال الإمام أحمد :
حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا خالد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عيسى بن فائد ، عن رجل ، عن سعد بن عبادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من أمير عشرة إلا ويؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه عن ذلك الغل إلا العدل ، وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم القيامة يلقاه وهو أجذم " (4).
هكذا رواه جرير بن عبد الحميد ، ومحمد بن فضيل ، عن يزيد بن أبي زياد ، كما رواه خالد بن عبد الله (5). وقد أخرجه أبو داود عن محمد بن العلاء عن ابن إدريس ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عيسى بن فائد ، عن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم بقصة نسيان القرآن ، ولم يذكر الرجل المبهم (6).
وكذا رواه أبو بكر بن عياش ، عن يزيد بن أبي زياد ، وقد رواه شعبة عن يزيد فوهم في إسناده ، ورواه وكيع عن أصحابه ، عن يزيد ، عن عيسى بن فائد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت فقال :
حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، حدثنا يزيد بن أبي زياد ، عن عيسى بن فائد ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه منها إلا عدله ، وما من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقى الله يوم القيامة أجذم " (7).
وكذا رواه أبو عوانة ، عن يزيد بن أبي زياد ، ففيه اختلاف ، لكن هذا في باب الترهيب مقبول - والله أعلم - لاسيما إذا كان له شاهد من وجه آخر ، كما قال أبو عبيد.
حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال : حُدثت عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عرضت على أجور أمتي حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد ، وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها ". قال ابن جريج : وحُدّثت عن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أكبر ذنب توافى به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها " (8).
__________
(1) زيادة من ط ، والمسند.
(2) المسند (4/ 146).
(3) في ط : "إلى النسيان".
(4) المسند (5/ 385).
(5) رواه أبو عبيد في الفضائل (ص 103) من طريق جرير ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (10/ 478) من طريق ابن فضيل.
(6) سنن أبي داود برقم (1474).
(7) المسند (5/ 323).
(8) فضائل القرآن (ص 103).

(1/72)


وقد روى أبو داود والترمذي وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث ابن أبي رواد ، عن ابن جريج ، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد ، وعرضت عليّ ذنوب أمتي ، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها " (1).
قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وذاكرت به البخاري فاستغربه ، وحكى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك.
قلت : وقد رواه محمد بن يزيد الآدمي (2) عن ابن أبي رواد ، عن ابن جريج عن الزهري ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم به. والله أعلم.
وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى } [طه : 124 - 126] ، وهذا الذي قاله هذا - وإن لم يكن هو المراد جميعه - فهو بعضه ، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كثير وتفريط شديد ، نعوذ بالله منه ؛ ولهذا قال عليه السلام : "تعاهدوا القرآن" ، وفي لفظ : " استذكروا القرآن ، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم ".
التَّفَصِّي : التخلص يقال : تَفَصَّى فلان من البلية : إذا تخلص منها ، ومنه : تفصى النوى من التمرة : إذا تخلص منها ، أي : إن القرآن أشد تفلتا من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير عقال.
وقال أبو عبيد : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : قال عبد الله - يعني ابن مسعود - : إني لأمقت القارئ أن أراه سمينا نسيا للقرآن (3).
حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن عبد العزيز بن أبي رواد قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول : ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه ؛ لأن الله تعالى يقول : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى : 30] ، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب (4).
ولهذا قال إسحاق بن راهويه وغيره : يُكره لرجل أن يمر عليه أربعون يوما لا يقرأ فيها القرآن ، كما أنه يُكره له أن يقرأ في أقل من ثلاثة أيام ، كما سيأتي هذا ، حيث يذكره البخاري بعد هذا ، وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب ، ولكن ذكر بعد هذا قوله :
__________
(1) سنن أبي داود برقم (461) وسنن الترمذي برقم (2916) ومسند أبي يعلى (7/ 253).
(2) في جـ : "الأموى".
(3) فضائل القرآن (ص 104) وفيه انقطاع بين النخعي وابن مسعود.
(4) فضائل القرآن (ص 104).

(1/73)


القراءة على الدابة
حدثنا حجاج ، حدثنا شعبة ، أخبرني أبو إياس قال : سمعت عبد الله بن مغفل ، رضي الله عنه ،

(1/73)


قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح " (1).
وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق ، عن شعبة ، عن أبي إياس ، وهو معاوية بن قرة به (2) وهذا - أيضا - له تعلق بما تقدم من تعاهد القرآن وتلاوته سفرا وحضرا ، ولا يكره ذلك عند أكثر العلماء إذا لم يتله القارئ في الطريق ، وقد نقله ابن أبي داود عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ في الطريق ، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن في ذلك ، وعن الإمام مالك أنه كره ذلك ، كما قال ابن أبي داود : وحدثني أبو الربيع ، أخبرنا ابن وهب [قال] (3) سألت مالكا عن الرجل يصلي في آخر الليل ، فيخرج إلى المسجد ، وقد بقي من السورة التي كان يقرأ فيها شيء ، فقال : ما أعلم القراءة تكون في الطريق.
وقال الشعبي : تكره قراءة القرآن في ثلاثة مواطن : في الحمام ، وفي الحشوش ، وفي الرحى وهي تدور. وخالفه في القراءة في الحمام كثير من السلف : أنها لا تكره ، وهو مذهب مالك والشافعي وإبراهيم النخعي وغيرهم ، وروى ابن أبي داود عن علي بن أبي طالب : أنه كره ذلك ، ونقله ابن المنذر عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، والشعبي والحسن البصري ومكحول وقبيصة بن ذؤيب ، وهو رواية عن إبراهيم النخعي ، ومحكيّ عن أبي حنيفة ، رحمهم الله ، أن القراءة في الحمام تكره وأما القراءة في الحشوش فكراهتها ظاهرة ، ولو قيل بتحريم ذلك صيانة لشرف القرآن لكان مذهبا ، وأما القراءة في بيت الرحى وهي تدور فلئلا يعلو غير القرآن عليه ، والحق يعلو ولا يُعلى ، والله أعلم.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5034).
(2) صحيح مسلم برقم (794) وسنن أبي داود برقم (1467) والشمائل للترمذي برقم (302) وسنن النسائي الكبرى برقم (8062).
(3) زيادة من ط.

(1/74)


تعليم الصبيان القرآن
حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال : إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم ، قال : وقال ابن عباس : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم (1).
حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هُشَيْم ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جمعت المحكم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له : وما المحكم ؟ قال : "المفصل" (2).
انفرد بإخراجه البخاري ، وفيه دلالة على جواز تعلم الصبيان القرآن ؛ لأن ابن عباس أخبر عن سنه حين موت الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد كان جمع المفصل ، وهو من الحجرات ، كما تقدم ذلك ، وعمره آنذاك عشر سنين. وقد روى البخاري أنه قال : توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مختون (3). وكانوا لا يختنون الغلام حتى يحتلم ، فيحتمل أنه تجوز في هذه الرواية بذكر العشر ، وترك ما زاد عليها من
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5035).
(2) صحيح البخاري برقم (5036).
(3) صحيح البخاري برقم (6299).

(1/74)


الكسر ، والله أعلم.
وعلى كل تقدير ، ففيه دلالة على جواز تعليمهم القرآن في الصبا ، وهو ظاهر ، بل قد يكون مستحبا أو واجبا ؛ لأن الصبي إذا تعلم القرآن بلغ وهو يعرف ما يصلي به ، وحفظه في الصغر أولى من حفظه كبيرا ، وأشد علوقا بخاطره وأرسخ وأثبت ، كما هو المعهود من حال الناس ، وقد استحب بعض السلف أن يترك الصبي في ابتداء عمره قليلا للعب ، ثم توفر همته على القراءة ، لئلا يلزم أولا بالقراءة فيملها ويعدل عنها إلى اللعب ، وكره بعضهم تعليمهم القرآن وهو لا يعقل ما يقال له ، ولكن يترك حتى إذا عقل وميز علم قليلا قليلا بحسب همته ونهمته وحفظه وجودة ذهنه ، واستحب عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أن يلقن خمس آيات خمس آيات ، رويناه عنه بسند جيد (1).
__________
(1) مسند الفاروق للمؤلف (1/ 170).

(1/75)


نسيان القرآن
وهل يقول : نسيت آية كذا وكذا ، وقول الله تعالى :
{ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ } [الأعلى : 6 ، 7]
حدثنا الربيع بن يحيى ، حدثنا زائدة ، حدثنا هشام ، عن عروة ، عن عائشة قالت : لقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال : " يرحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا من سورة كذا ".
وحدثني محمد بن عبيد بن ميمون ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن هشام وقال : أسقطتهن من سورة كذا وكذا. انفرد به أيضا. تابعه علي بن مسهر وعبدة عن هشام (1).
وقد أسندهما البخاري في موضع آخر ، ومسلم معه في عبدة (2).
وحدثنا أحمد بن أبي رجاء ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : " سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال : "يرحمه الله ، فقد (3) أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا ". ورواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة (4)
.
الحديث الثاني : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بئس ما لأحدهم أن يقول : نسيت آية كيت وكيت ، بل هو نُسِّى " ورواه مسلم والنسائي ، من حديث منصور به (5). وقد تقدم. وفي مسند أبي يعلى : "فإنما هو نُسِيَ " ، بالتخفيف ، هذا لفظه.
وفي هذا الحديث - والذي قبله - دليل على أن حصول النسيان للشخص ليس بنقصٍ له إذا كان
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5037).
(2) صحيح البخاري برقم (6335) وصحيح مسلم برقم (788).
(3) في جـ ، ط : "قد".
(4) صحيح البخاري برقم (5038) وصحيح مسلم برقم (788).
(5) صحيح البخاري برقم (5039) وصحيح مسلم برقم (790) وسنن النسائي الكبرى برقم (8042).

(1/75)


بعد الاجتهاد والحرص ، وفي حديث ابن مسعود أدب في التعبير عن حصول ذلك ، فلا يقول : نسيت آية كذا ، فإن النسيان ليس من فعل العبد ، وقد يصدر عنه أسبابه من التناسي والتغافل والتهاون المفضي إلى ذلك ، فأما النسيان نفسه فليس بفعله ؛ ولهذا قال : "بل هو نُسِيَ" ، مبني لما لم يسم فاعله ، وأدب - أيضا - في ترك إضافة ذلك إلى الله تعالى ، وقد أسند النسيان إلى العبد في قوله : { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [الكهف : 24] وهو ، والله أعلم ، من باب المجاز السائغ بذكر المسبب وإرادة السبب ؛ لأن النسيان إنما يكون عن سبب قد يكون ذنبا ، كما تقدم عن الضحاك بن مزاحم ، فأمر الله تعالى بذكره ليذهب الشيطان عن القلب كما يذهب عند النداء بالأذان ، والحسنة تذهب السيئة ، فإذا زال السبب للنسيان انزاح ، فحصل الذكر لشيء بسبب ذكر الله تعالى ، والله أعلم.

(1/76)


من لم ير بأسا أن يقول :
سورة البقرة ، وسورة كذا وكذا
حدثنا عمر بن حفص بن غياث (1) حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثني إبراهيم ، عن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد ، عن أبي مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الآيتان من آخر سورة البقرة ، من قرأ بهما في ليلة كفتاه " (2).
وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة من حديث عبد الرحمن بن يزيد وصاحبا الصحيح والنسائي وابن ماجة من حديث علقمة ، كلاهما عن أبي مسعود عقبة بن عامر الأنصاري البكري (3).
الحديث الثاني : ما رواه من حديث الزهري ، عن عروة ، عن المِسْوَر وعبد الرحمن بن عبدٍ القارئ ، كلاهما عن عمر قال : سمعت هشام بن حكيم [بن حزام] (4) يقرأ سورة الفرقان... وذكر الحديث بطوله ، كما تقدم ، وكما سيأتي (5).
الحديث الثالث : ما رواه من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : " سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئا يقرأ من الليل في المسجد ، فقال : "يرحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا آية ، كنت أسقطتهن من سورة كذا وكذا " (6).
وهكذا في الصحيحين عن ابن مسعود : أنه كان يرمي الجمرة من الوادي ويقول : هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (7). وكره بعض السلف ذلك ، ولم يروا إلا أن يقال : السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، كما تقدم من رواية يزيد الفارسي عن ابن عباس ، عن عثمان أنه قال : إذا نزل شيء من
__________
(1) في جـ : "عتاب".
(2) صحيح البخاري برقم (5040).
(3) صحيح البخاري برقم (4008 ، 5051 ، 5008) وصحيح مسلم برقم (807 ، 808) وسنن أبي داود برقم (1397) وسنن الترمذي برقم (2881) وسنن النسائي الكبرى برقم (8018 ، 8019) وسنن ابن ماجة برقم (1368 ، 1369).
(4) زيادة من ط ، جـ.
(5) صحيح البخاري برقم (5041).
(6) صحيح البخاري برقم (5042).
(7) صحيح البخاري برقم (1747) وصحيح مسلم برقم (1296).

(1/76)


القرآن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجعلوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " ، ولا شك أن هذا أحوط وأولى ، ولكن قد صحت الأحاديث بالرخصة في الآخر ، وعليه عملُ الناس اليوم في ترجمة السور في مصاحفهم ، وبالله التوفيق.

(1/77)


الترتيل في القراءة
وقول الله (1) عز وجل : { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا } [المزمل : 4] ، وقوله : { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ } [الإسراء : 106] ، يكره أن يهذ كهذ الشعر ، يفرق : يفصل ، قال ابن عباس : { فَرَقْنَاهُ } فصلناه.
حدثنا أبو النعمان ، حدثنا مهدي بن ميمون ، حدثنا واصل [وهو ابن حيان الأحدب] (2) عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : غدونا على عبد الله ، فقال رجل : قرأت المفصل البارحة ، فقال : هذا كهذِّ الشعر ، إنا قد سمعنا القراءة ، وإني لأحفظ القراءات التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وسلم ثمان عشرة سورة من المفصل ، وسورتين من آل حم (3).
ورواه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ ، عن مهدي بن ميمون ، عن واصل - وهو ابن حيان الأحدب - عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود به (4).
وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا ابن لَهِيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن زياد بن نعيم ، عن مسلم بن مِخْراق ، عن عائشة أنه ذكر لها أن ناسا يقرؤون القرآن في الليل مرة أو مرتين ، فقالت : أولئك قرؤوا ولم يقرؤوا ، كنت أقوم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة التمام ، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء ، فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه (5).
الحديث الثاني : حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله تعالى : { لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } [القيامة : 16] : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي ، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه. وذكر تمام الحديث كما سيأتي ، وهو متفق عليه ، وفيه والذي قبله دليل على استحباب ترتيل القراءة والترسل فيها من غير هَذْرَمة ولا سرعة مفرطة ، بل بتأمل وتفكر ، قال الله تعالى : { كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ } [ص : 29].
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن (6) سفيان ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " يقال لصاحب القرآن : اقرأ وارْقَ ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها " (7).
__________
(1) في جـ ، ط : "وقوله".
(2) زيادة من جـ.
(3) صحيح البخاري برقم (5043).
(4) صحيح مسلم برقم (822).
(5) المسند (6/ 92).
(6) في ط : "عن".
(7) المسند (2/ 192).

(1/77)


وقال أبو عبيد : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : قرأ علقمة على عبد الله ، فكأنه عجل ، فقال عبد الله : فداك أبي وأمي ، رتل فإنه زين القرآن. قال : وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن (1).
وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن أبي جمرة قال : قلت لابن عباس : إني سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث فقال : لأن أقرأ البقرة (2) في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ كما تقول (3).
وحدثنا حجاج ، عن شعبة وحماد بن سلمة ، عن أبي جمرة ، عن ابن عباس نحو ذلك ، إلا أن في حديث حماد : أحب إليّ من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمة (4).
ثم قال البخاري ، رحمه الله :
__________
(1) فضائل القرآن (ص 74).
(2) في جـ : "القرآن".
(3) فضائل القرآن (ص 74).
(4) فضائل القرآن (ص 74).

(1/78)


مد القراءة
حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا جرير بن حازم الأزدي ، حدثنا قتادة قال : سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كان يمد مدا (1).
وهكذا رواه أهل السنن ، من حديث جرير بن حازم به (2) وحدثنا عمرو بن عاصم ، حدثنا همام ، عن قتادة قال : سئل أنس بن مالك : كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كانت مدًا ، ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم. يمد بسم الله ، ويمد بالرحمن ، ويمد بالرحيم. انفرد به البخاري من هذا الوجه (3) وفي معناه الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد : حدثنا أحمد بن عثمان ، عن عبد الله بن المبارك ، عن الليث بن سعد ، عن ابن أبي مُلَيْكَة ، عن يعلى بن مَملك ، عن أم سلمة : أنها نعتت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة مفسرة حرفًا حرفًا (4).
وهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن إسحاق ، وأبو داود عن يزيد بن خالد الرملي ، والترمذي والنسائي ، كلاهما عن قتيبة ، كلهم عن الليث بن سعد به (5). وقال الترمذي : حسن صحيح.
ثم قال أبو عبيد : وحدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، عن أم سلمة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته ؛ بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. وهكذا.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5045).
(2) سنن أبي داود برقم (1465) وسنن النسائي (2/ 179) والشمائل للترمذي برقم (308) وسنن ابن ماجة برقم (1353).
(3) صحيح البخاري برقم (5046).
(4) فضائل القرآن (ص 74).
(5) المسند (6/ 300) وسنن أبي داود برقم (1466) وسنن النسائي (2/ 181) وسنن الترمذي برقم (2923).

(1/78)


رواه أبو داود والترمذي من حديث ابن جريج (1). وقال الترمذي : غريب وليس إسناده بمتصل ، يعني : أن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيْكة لم يسمعه من أم سلمة ، وإنما رواه عن يعلى بن مَمْلَك ، كما تقدم ، والله أعلم. الترجيع
حدثنا آدم بن أبي إياس ، حدثنا شعبة ، حدثنا أبو إياس قال : سمعت عبد الله بن مغفل قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته - أو جمله - وهي تسير به ، وهو يقرأ سورة الفتح قراءة لينة وهو يرجع (2).
وقد تقدم هذا الحديث في القراءة على الدابة وأنه من المتفق عليه ، وفيه أن ذلك كان يوم الفتح ، وأما الترجيع : فهو الترديد في الصوت كما جاء - أيضا - في البخاري أنه جعل يقول : (آ آ آ) ، وكان ذلك صدر من حركة الدابة تحته ، فدل على جواز التلاوة عليها ، وإن أفضى إلى ذلك ولا يكون ذلك من باب الزيادة في الحروف ، بل ذلك مغتفر للحاجة ، كما يصلي على الدابة حيث توجهت به ، مع إمكان تأخير ذلك الصلاة إلى القبلة ، والله أعلم. حسن الصوت بالقراءة
حدثنا محمد بن خلف أبو بكر ، حدثنا أبو يحيى الحمّاني ، حدثنا بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن جده أبي بردة ، عن أبي موسى الأشعري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا موسى ، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود " (3) وهذا رواه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكندي ، عن أبي يحيى الحمّاني (4) - واسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن - وقال : حسن صحيح. وقد رواه مسلم من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى (5) وفيه قصة ، وقد تقدم الكلام على تحسين الصوت عند قول البخاري : من لم يتغن بالقرآن ، وذكرنا هنا أحكاما كافية عن إعادتها هاهنا ، والله أعلم. من أحب أن يسمع القرآن من غيره
حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم بن عبيدة ، عن عبد الله قال : " قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : "اقرأ عليّ القرآن". قلت : عليك أقرأ وعليك أنزل ؟! قال : "إني أحب أن أسمعه من غيري" ".
وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه ، من طرق عن الأعمش (6) وله طرق يطول ذكرها وبسطها ، وقد
__________
(1) فضائل القرآن (ص 75) وسنن أبي داود برقم (4001) وسنن الترمذي برقم (2927).
(2) صحيح البخاري برقم (5047).
(3) صحيح البخاري برقم (5048).
(4) سنن الترمذي برقم (3855).
(5) صحيح مسلم برقم (793).
(6) صحيح البخاري برقم (5049) وصحيح مسلم برقم (800) وسنن أبي داود برقم (3668) وسنن النسائي الكبرى برقم (8075) وسنن الترمذي برقم (3025).

(1/79)


تقدم فيما رواه مسلم من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : "يا أبا موسى ، لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة". فقال : أما والله لو أعلم أنك تستمع قراءتي لحَبَّرْتها لك تحبيرا.
وقال الزهري ، عن أبي سلمة : كان عمر إذا رأى أبا موسى قال : ذكرنا ربنا يا أبا موسى. فيقرأ عنده.
وقال أبو عثمان النهدي : كان أبو موسى يصلي بنا ، فلو قلت : إني لم أسمع صوت صنج قط ولا بربط قط ، ولا شيئا قط أحسن من صوته. قول المقريء للقارئ : حسبك
حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبد الله قال : " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اقرأ عليّ". فقلت : يا رسول الله ، آقرأ عليك وعليك أنزل ؟! قال : "نعم" ، فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } [النساء : 41] ، قال : "حسبك الآن" [فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان] (1) (2).
أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه ، من رواية الأعمش به (3) ووجه الدلالة ظاهر ، وكذا الحديث الآخر : " اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا ". في كم يقرأ القرآن وقول الله تعالى : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } [المزمل : 20]
حدثنا علي ، حدثنا سفيان ، قال : قال لي ابن شبرمة : نظرت كم يكفي الرجل من القرآن فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات. فقلت : لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات. قال سفيان : أخبرنا منصور ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، أخبره علقمة عن أبي مسعود ، فلقيته وهو يطوف بالبيت ، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه (4).
وقد تقدم أن هذا الحديث متفق عليه ، وقد جمع البخاري فيما بين عبد الرحمن بن يزيد وعلقمة عن أبي مسعود وهو صحيح ؛ لأن عبد الرحمن سمعه أولا من علقمة ، ثم لقي أبا مسعود وهو يطوف فسمعه منه ، وعليّ هذا هو ابن المديني وشيخه هو سفيان بن عيينة ، وما قاله عبد الله بن شبرمة - فقيه الكوفة في زمانه - استنباط حسن ، وقد جاء في حديث في السنن : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات " (5) ولكن هذا الحديث - أعني حديث أبي مسعود - أصح وأشهر وأخص ، ولكن وجه مناسبته
__________
(1) زيادة من ط.
(2) صحيح البخاري برقم (5050).
(3) صحيح مسلم برقم (800) وسنن أبي داود برقم (3668) وسنن النسائي الكبرى برقم (8078) والشمائل للترمذي برقم (306).
(4) صحيح البخاري برقم (5051).
(5) كذا قال الحافظ ابن كثير ، ولم أقع عليه في السنن الأربعة ، وقد رواه ابن عدي في الكامل (5/ 29) من طريق عمر بن يزيد المدائني عن عطاء عن ابن عمر ، رضي الله عنه ، مرفوعا بلفظ : "لا تجزئ في المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعدا". والمدائني منكر الحديث كما قال ابن عدي.

(1/80)


للترجمة التي ذكرها البخاري فيه نظر ، والله أعلم (1).
والحديث الثاني أظهر في المناسبة وهو قوله : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عَوَانة ، عن مغيرة ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو قال : أنكحني أبي امرأة ذات حسب ، فكان يتعاهد كِنّتَه فيسألها عن بعلها فتقول : نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا ، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه ، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " "ألقنى به" ، فلقيته بعد ، فقال : "كيف تصوم ؟". قلت : كل يوم. قال : "وكيف تختم ؟ ". قلت : كل ليلة. قال : "صم كل شهر ثلاثة ، واقرأ القرآن في كل شهر" : قال : قلت : إني أطيق أكثر من ذلك. قال : "صم ثلاثة أيام في الجمعة". قلت : أطيق أكثر من ذلك. قال : "أفطر يومين وصوم يوما". قلت : أطيق أكثر من ذلك. قال : "صم أفضل الصوم صوم داود ، صيام يوم وإفطار يوم ، واقرأ في كل سبع ليال مرةً" ، فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم! وذلك أني كبرت وضعفت ، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرأ يعرضه بالنهار ليكون أخف عليه بالليل ، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما وأحصى وصام مثلهن ، كراهية أن يترك شيئا فارق عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم : في ثلاث وفي خمس وأكثرهم على سبع " (2).
وقد رواه في الصوم ، والنسائي - أيضا - عن بُنْدَار عن غُنْدَر ، عن شعبة ، عن مغيرة ، والنسائي من حديث حصين ، كلاهما عن مجاهد به (3).
ثم روى البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن عبد الرحمن - مولى بني زهرة (4) - عن أبي سلمة : قال : وأحسبني قال : سمعت أنا من أبي سلمة ، عن عبد الله بن عمرو قال : " قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : "اقرأ القرآن في شهر". قلت : إني أجد قوة. قال : "فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك" " (5). فهذا السياق ظاهره يقتضي المنع من قراءة القرآن في أقل من سبع ، وهكذا الحديث الذي رواه أبو عبيد :
حدثنا حجاج وعمر بن طارق ويحيى بن بكير ، كلهم عن ابن لَهِيعة ، عن حبان بن واسع ، عن أبيه ، عن قيس بن أبي صعصعة ؛ أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " يا رسول الله ، في كم أقرأ القرآن ؟ فقال : "في كل خمس عشرة". قال : إني أجد في أقوى من ذلك ، قال : "ففي كل جمعة" (6).
وحدثنا حجاج عن شعبة ، عن محمد بن ذكوان - رجل من أهل الكوفة - قال : سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يقول : كان عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن في غير رمضان من
__________
(1) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (9/ 95) : "وقد خفيت مناسبة حديث أبي مسعود بالترجمة على ابن كثير ، والذي يظهر أنها من جهة أن الآية المترجم بها تناسب ما استدل به ابن عيينة من حديث أبي مسعود ، والجامع بينهما أن كلا من الآية والحديث يدل على الاكتفاء بخلاف ما قال ابن شبرمة".
(2) صحيح البخاري برقم (5052).
(3) صحيح البخاري برقم (1978) وسنن النسائي (4/ 209 ، 210).
(4) في ط : "أبي هريرة".
(5) صحيح البخاري برقم (5053) وصحيح مسلم برقم (1159) : وسنن أبي داود برقم (1388) لكنه عند أبي داود من طريق أبان العطار عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة ، والله أعلم.
(6) فضائل القرآن (ص 87).

(1/81)


الجمعة إلى الجمعة (1).
وعن حجاج ، عن شعبة ، عن أيوب : سمعت أبا قِلابة ، عن أبي المهلب قال : كان أبيّ بن كعب يختم القرآن في كل ثمان.
وحدثنا علي بن عاصم ، عن خالد ، عن أبي قلابة قال : كان أبيّ بن كعب يختم القرآن في كل ثمان.
وكان تميم الداري يختمه في كل سبع ، وحدثنا هُشَيْم ، عن الأعمش ، عن إبراهيم : أنه كان يختم القرآن في كل سبع (2).
وحدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : كان الأسود يختم القرآن في كل ست ، وكان علقمة يختمه في كل خمس (3).
فلو تركنا ومجرد هذا لكان الأمر في ذلك جليا ، ولكن دلت أحاديث أخرجوها (4) على جواز قراءته فيما دون ذلك ، كما رواه الإمام أحمد في مسنده : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لَهِيعة ، حدثنا حبان ابن واسع ، عن أبيه ، عن سعد بن المنذر الأنصاري ؛ أنه قال : يا رسول الله ، أقرأ القرآن في ثلاث ؟ قال : "نعم". قال : فكان يقرؤه حتى توفي (5).
وهذا إسناد جيد قوي حسن ، فإن حسن بن موسى الأشيب ثقة متفق على جلالته روى له الجماعة وابن لَهِيعة ، إنما يخشى من تدليسه وسوء حفظه ، وقد صرح هاهنا بالسماع ، وهو من الأئمة العلماء بالديار المصرية في زمانه ، وشيخه حبان بن واسع بن حبان وأبوه ، كلاهما من رجال مسلم ، والصحابي لم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة ، وهذا على شرط كثير منهم ، والله أعلم.
وقد رواه أبو عبيد ، رحمه الله ، عن ابن كثير (6) عن ابن لَهِيعة ، عن حبان بن واسع ، عن أبيه ، عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال : " يا رسول الله ، أقرأ القرآن في ثلاث ؟ قال : "نعم ، إن استطعت" ". قال : فكان يقرؤه كذلك حتى توفي (7).
حديث آخر : قال أبو عبيد : حدثنا يزيد ، عن همام ، عن قتادة ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث ".
وهكذا أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث قتادة به (8). وقال الترمذي : حسن صحيح.
حديث آخر : قال أبو عبيد : حدثنا يوسف بن الغرق ، عن الطيب بن سليمان ، حدثتنا عمرة بنت
__________
(1) فضائل القرآن (ص 87).
(2) فضائل القرآن (ص 88).
(3) فضائل القرآن (ص 88).
(4) في ط : "أخر".
(5) لم أقع عليه في المطبوع من المسند ، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (2/ 465).
(6) في طـ : "بكير".
(7) فضائل القرآن (ص 88).
(8) فضائل القرآن (ص 89) والمسند (2/ 165 ، 189) وسنن أبي داود برقم (1394) وسنن الترمذي برقم (2949) وسنن النسائي الكبرى برقم (8067) وسنن ابن ماجة برقم (1347).

(1/82)


عبد الرحمن : أنها سمعت عائشة تقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختم القرآن في أقل من ثلاث (1).
هذا حديث غريب وفيه ضعف ، فإن الطيب بن سليمان هذا بصري ، ضعفه الدارقطني ، وليس هو بذاك المشهور ، والله أعلم.
وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقل من ثلاث ، كما هو مذهب أبي عبيد وإسحاق وابن راهويه وغيرهما من الخلف - أيضا - قال أبو عبيد : حدثنا يزيد ، عن هشام بن حسان ، عن حفصة ، عن أبي العالية ، عن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث (2). صحيح.
وحدثنا يزيد ، عن سفيان ، عن علي بن بَذِيمة ، عن أبي عبيدة قال : [قال] (3) عبد الله : من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز. وحدثنا حجاج ، عن شعبة ، عن علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله مثله سواء (4).
وحدثنا حجاج ، عن شعبة ، عن محمد بن ذَكْوَان ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ؛ أنه كان يقرأ القرآن في رمضان في ثلاث (5). إسناده صحيح.
وفي المسند عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعا : "اقرؤوا القرآن ، ولا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به" (6).
فقوله : "لا تغلوا فيه" أي : لا تبالغوا في تلاوته بسرعة في أقصر مدة ، فإن ذلك ينافي التدبر غالبا ؛ ولهذا قابله بقوله : "ولا تجفوا عنه" أي : لا تتركوا تلاوته.
__________
(1) فضائل القرآن (ص 88 ، 89).
(2) فضائل القرآن (ص 89).
(3) زيادة من ط.
(4) فضائل القرآن (ص 89).
(5) فضائل القرآن (ص 90).
(6) المسند (3/ 428) من طريق زيد بن سلام عن جده عن أبي راشد عن عبد الرحمن بن شبل به مرفوعا ، وقال الحافظ ابن حجر : "سنده قوي".

(1/83)


فصل
وقد ترخص جماعة (1) من السلف في تلاوة القرآن في أقل من ذلك ؛ منهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه.
قال أبو عبيد : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، أخبرني ابن خَصيفة ، عن السائب بن يزيد : أن رجلا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن صلاة طلحة بن عبيد (2) فقال : إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان ، رضي الله عنه ، فقال : نعم. قال : قلت : لأعلين الليلة على الحجر ، فقمت ، فلما قمت إذا أنا برجل مقنع يزحمني ، فنظرت فإذا عثمان بن عفان ، فتأخرت عنه ، فصلى فإذا هو يسجد سجود القرآن ، حتى إذا قلت : هذه هوادي الفجر ، أوتر بركعة لم يصل غيرها (3). وهذا إسناد
__________
(1) في ط : "جماعات".
(2) في ط : "عبيد الله".
(3) فضائل القرآن (ص 90).

(1/83)


صحيح.
قال (1) وحدثنا هُشَيْم ، عن منصور ، عن ابن سيرين قال : قالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية حيث دخلوا على عثمان ليقتلوه : إن يقتلوه أو يدعوه ، فقد كان يحيى الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن. وهذا حسن أيضا (2).
وقال - أيضا - : حدثنا أبو معاوية ، عن عاصم بن سليمان ، عن ابن سيرين : إن تميما الداري قرأ القرآن في ركعة (3).
حدثنا حجاج بن شعبة ، عن حماد ، عن سعيد بن جبير : أنه قال : قرأت القرآن في ركعة في البيت - يعني الكعبة (4).
وحدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة أنه قرأ القرآن في ليلة ، طاف بالبيت أسبوعا ، ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالطول ، ثم طاف بالبيت أسبوعا ، ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالمئين ، ثم طاف أسبوعا ، ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالمثانى ، ثم طاف بالبيت أسبوعا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بقية القرآن (5).
وهذه كلها أسانيد صحيحة ، ومن أغرب ما هاهنا : ما رواه أبو عبيد : حدثنا سعيد بن عُفَيْر ، عن بكر بن مضر ، أن سليم بن عتر التجيبي كان يختم القرآن في ليلة ثلاث مرات ، ويجامع ثلاث مرات. قال : فلما مات قالت امرأته : رحمك الله ، إن كنت لترضى ربك وترضى أهلك ، قالوا : وكيف ذلك ؟ قالت : كان يقوم من الليل فيختم القرآن ، ثم يلم بأهله ثم يغتسل ، ويعود فيقرأ حتى يختم ثم يلم بأهله ، ثم يغتسل ، ويعود فيقرأ حتى يختم ، ثم يلم بأهله ثم يغتسل ، ويخرج إلى صلاة الصبح (6).
قلت : كان سليم بن عتر تابعيا جليلا ثقة نبيلا وكان قاضيا بمصر أيام معاوية وقاصّها ، ثم قال أبو حاتم : روى عن أبي الدرداء ، وعنه ابن زحر ، ثم قال : حدثني محمد بن عوف ، عن أبي صالح كاتب الليث ، حدثني حرملة بن عمران ، عن كعب بن علقمة قال : كان سليم بن عتر من خير التابعين (7).
وذكره ابن يونس في تاريخ مصر.
وقد روى ابن أبي داود عن مجاهد أنه كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء.
وعن منصور قال : كان علي الأزدي يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان.
وعن إبراهيم بن سعد قال : كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن.
قلت : وروي عن منصور بن زاذان : أنه كان يختم فيما بين الظهر والعصر ، ويختم أخرى فيما
__________
(1) في ط : "ثم قال".
(2) فضائل القرآن (ص 91).
(3) فضائل القرآن (ص 91).
(4) فضائل القرآن (ص 91).
(5) فضائل القرآن (ص 91).
(6) فضائل القرآن (ص 91).
(7) الجرح والتعديل (4/ 211 ، 212).

(1/84)


بين المغرب والعشاء ، وكانوا يؤخرونها قليلا.
وعن الإمام الشافعي ، رحمه الله : أنه كان يختم في اليوم والليلة من شهر رمضان ختمتين ، وفي غيره ختمة.
وعن أبي عبد الله البخاري - صاحب الصحيح - : أنه كان يختم في الليلة ويومها من رمضان ختمة.
ومن غريب هذا وبديعه ما ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي قال : سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول : كان ابن الكاتب يختم بالنهار أربع ختمات ، وبالليل أربع ختمات.
وهذا نادر جدا. فهذا وأمثالة من الصحيح عن السلف محمول إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم ، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرؤونه مع هذه السرعة ، والله أعلم.
قال الشيخ أبو زكريا النووي في كتابه التبيان بعد ذكر طرف مما تقدم : (والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص ، فمن كان له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرؤه ، وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له ، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهَذْرَمة) (1).
ثم قال البخاري ، رحمه الله :
__________
(1) التبيان (ص 76).

(1/85)


البكاء عند القراءة
وأورد فيه من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :: "اقرأ عليّ". قلت : أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : "إني أشتهي أن أسمعه من غيري". قال : فقرأت النساء ، حتى إذا بلغت : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } [النساء : 41] ، قال لي : "كفّ أو أمسك" ، فرأيت عيناه تذرفان " (1).
وهذا من المتفق عليه كما تقدم ، وكما سيأتي إن شاء الله. من راءى بقراءة القرآن
أو تَأكَّل به أو فجر به
حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، حدثنا الأعمش ، عن خَيْثَمة ، عن سُوَيد بن غفلة ، قال (2) علي ، رضي الله عنه : " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّميَّة ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة" (3).
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5055).
(2) في ط : "عن".
(3) صحيح البخاري برقم (5057).

(1/85)


وقد روى في موضعين آخرين ، ومسلم وأبو داود والنسائي ، من طرق عن الأعمش به (1) حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وعملكم مع عملهم ، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر في النصل (2) فلا يرى شيئًا ، وينظر في القدح فلا يرى شيئا ، وينظر في الريش فلا يرى شيئا ، ويتمارى في الفوق " (3).
ورواه في موضع آخر ، ومسلم - أيضا - والنسائي من طرق عن الزهري ، عن أبي سلمة به (4).
حدثنا مُسَدَّد بن مسرهد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن أبي موسى ، رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب ، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها ، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر أو خبيث وريحها مرّ " (5).
ورواه في موضع آخر مع بقية الجماعة من طرق ، عن قتادة به (6).
ومضمون هذه الأحاديث التحذير من المراءاة بتلاوة القرآن التي هي من أعظم القرب ، كما جاء في الحديث : " واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بأعظم مما خرج منه " (7) يعني : القرآن.
والمذكورون في حديث علي وأبي سعيد هم الخوارج ، وهم الذين لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، وقد قال في الرواية الأخرى : " يحقر أحدكم قراءته مع قراءتهم ، وصلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ". ومع هذا أمر بقتلهم لأنهم مراؤون في أعمالهم في نفس الأمر ، وإن كان بعضهم قد لا يقصد ذلك ، إلا أنهم أسسوا أعمالهم على اعتقاد غير صالح ، فكانوا في ذلك كالمذمومين في قوله : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [التوبة : 109] ، وقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج وتفسيقهم ورد روايتهم ، كما سيأتي [تفصيله] (8) في موضعه إن شاء الله.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (3611 ، 6930) وصحيح مسلم برقم (1066) وسنن أبي داود برقم (4767) وسنن النسائي (7/ 119).
(2) في ط : "السهم".
(3) صحيح البخاري برقم (5058).
(4) صحيح البخاري برقم (3610 ، 6933) وصحيح مسلم برقم (1064) وسنن النسائي الكبرى برقم (8560).
(5) صحيح البخاري برقم (5059).
(6) صحيح البخاري برقم (5427 ، 7560) وصحيح مسلم برقم (797) وسنن أبي داو د برقم (4830) وسنن الترمذي برقم (2865) وسنن النسائي (8/ 124) وسنن ابن ماجة برقم (214).
(7) رواه أحمد في المسند (5/ 268) والترمذي في السنن برقم (2911) من طريق ليث بن أبي سليم عن زيد بن أرطأة عن أبي أمامة به مرفوعا ، وقال الترمذي : "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
(8) زيادة من ط.

(1/86)


والمنافق المشبه بالريحانة التي لها الريح ظاهر وطعمها مر هو المرائي بتلاوته ، كما قال تعالى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا } [النساء : 142].
ثم قال البخاري : اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم
حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل عارم ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أبي عمران الجوني ، عن جندب بن عبد الله ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا [عنه] (1) " (2).
حدثنا عمرو بن علي بن بحر الفلاس ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سلام بن أبي مطيع ، عن أبي عمران الجوني ، عن جُنْدُب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا [عنه] (3) " (4).
تابعه الحارث بن عُبَيْد وسعيد بن زيد ، عن أبي عمران ، ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان.
وقال غُنْدَر : عن شعبة ، عن أبي عمران قال : سمعت جُنْدُبا. قوله : وقال ابن عون ، عن أبي عمران ، عن عبد الله بن الصامت ، عن عمر قوله. وجندب أصح وأكثر (5) (6).
وقد رواه في موضع آخر ، ومسلم كلاهما عن إسحاق بن منصور ، عن عبد الصمد ، عن همام ، عن أبي عمران به (7) ومسلم - أيضا - عن يحيى بن يحيى ، عن الحارث بن عبيد أبي قدامة ، عن أبي عمران به ، ورواه مسلم - أيضا - عن أحمد بن سعيد ، عن حبان بن هلال ، عن أبان العطار ، عن أبي عمران به مرفوعا (8).
وقد حكى البخاري : أن أبان وحماد بن سلمة لم يرفعاه ، فالله أعلم.
ورواه النسائي والطبراني من حديث مسلم بن إبراهيم ، عن هارون بن موسى الأعور النحوي ، عن أبي عمران به.
__________
(1) زيادة من ط والبخاري.
(2) صحيح البخاري برقم (5060).
(3) زيادة من البخاري.
(4) صحيح البخاري برقم (5061).
(5) في النسخ : "أكثر وأصح" والتصويب من البخاري.
(6) قال الحافظ ابن حجر : "أي أصح سندًا وأكثر طرقًا وهو كما قال ، فإن الجم الغفير رواه عن أبي عمران عن جندب إلا أنهم اختلفوا عليه في رفعه ووقفه ، والذين رفعوه ثقات حفاظ فالحكم لهم ، وأما رواية ابن عون فشاذة لم يتابع عليها".
(7) صحيح البخاري برقم (7365) وصحيح مسلم برقم (2667).
(8) صحيح مسلم برقم (2667).

(1/87)


ورواه النسائي - أيضا - من طرق عن سفيان ، عن حجاج بن فرافصة ، عن أبي عمران به مرفوعا (1) وفي رواية عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء ، عن أبيه ، عن سفيان عن حجاج ، عن أبي عمران ، عن جُنْدُب موقوفا ، ورواه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، عن إسحاق الأزرق ، عن عبد الله بن عون ، عن أبي عمران ، عن عبد الله بن الصامت ، عن عمر قوله.
قال أبو بكر بن أبي داود : لم يخطئ ابن عون في حديث قط إلا في هذا ، والصواب عن جندب. [ورواه الطبراني عن علي بن عبد العزيز عن مسلم بن إبراهيم وسعيد بن منصور قالا حدثنا الحارث بن عبيد ، عن أبي عمران ، عن جندب مرفوعا] (2) (3).
فهذا مما تيسر من ذكر طرق هذا الحديث على سبيل الاختصار ، والصحيح منها ما أرشد إليه شيخ هذه الصناعة (4) أبو عبد الله البخاري ، رحمه الله ، من أن الأكثر والأصح : أنه عن جندب بن عبد الله مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومعنى الحديث أنه ، عليه السلام ، أرشد وحض أمته على تلاوة القرآن إذا كانت القلوب مجتمعة على تلاوته ، متفكرة فيه ، متدبرة له ، لا في حال شغلها وملالها ، فإنه لا يحصل المقصود من التلاوة بذلك كما ثبت في الحديث أنه قال عليه الصلاة والسلام : " اكلفوا من العمل ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا (5) وقال : " أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل " ، وفي اللفظ الآخر : " أحب الأعمال إلى الله أدومها [وإن قل] (6) " (7).
ثم قال البخاري : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن النزال ابن سبرة ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - " أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي صلى الله عليه وسلم خلافها ، فأخذت بيده فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "كلاكما محسن فاقرآ" أكبر علمي قال : "فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم الله عز وجل" ".
وأخرجه النسائي من رواية شعبة به (8) وهذا في معنى الحديث الذي تقدمه ، وأنه ينهى عن الاختلاف في القراءة والمنازعة في ذلك والمراء فيه كما تقدم النهي عن ذلك ، والله أعلم.
وقريب من هذا ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه : حدثنا أبو محمد سعيد بن محمد الجرمي ، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، عن الأعمش ، عن عاصم ، عن زر بن حبيش قال : قال عبد الله بن مسعود : تمارينا في سورة من القرآن فقلنا : خمس وثلاثون آية ، ست وثلاثون آية قال : فانطلقنا
__________
(1) سنن النسائي الكبرى برقم (8096).
(2) زيادة من ط.
(3) المعجم الكبير (2/ 163).
(4) في ط : "البضاعة".
(5) رواه البخاري في صحيحه برقم (43) ومسلم في صحيحه برقم (785) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(6) زيادة من ط ، م.
(7) رواه مسلم في صحيحه برقم (782) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(8) صحيح البخاري برقم (5062) وسنن النسائي الكبرى برقم (8095).

(1/88)


إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدنا عليا بناصية فقلنا له : اختلفنا في القراءة ، فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال علي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تقرؤوا كما قد علمتم (1).
وهذا آخر ما أورده البخاري ، رحمه الله ، في كتاب (2) فضائل القرآن ، جل منزله ، وتعالى قائله ، ولله الحمد والمنة.
__________
(1) زوائد المسند (1/ 105 ، 106).
(2) في ط : "كتابه".

(1/89)


كتاب الجامع
لأحاديث شتى تتعلق بتلاوة القرآن
وفضائله وفضل أهله
فصل
قال أحمد : حدثنا معاوية بن هشام ، حدثنا شيبان ، عن فراس ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال نبي الله عليه الصلاة والسلام (1) " يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة : اقرأ واصعد ، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة ، حتى يقرأ آخر شيء معه " (2).
وقال أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا حَيْوَة ، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني ؛ أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يكون خلف من بعد الستين سنة ، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم ، ويقرأ القرآن ثلاثة : مؤمن ومنافق وفاجر ".
قال بشير : فقلت للوليد : ما هؤلاء الثلاثة ؟ قال : المنافق كافر به ، والفاجر يَتَأكَّل به ، والمؤمن يؤمن به (3).
وقال أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا الليث ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن أبي الخطاب ، عن أبي سعيد أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال : " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس ؛ إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت ، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله ، لا يرعوي إلى شيء منه " (4).
قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي ، حدثنا الحسين بن عبد الأول ، حدثنا محمد بن الحسن الهمداني ، عن عمرو بن قيس ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : من شغله قراءة القرآن عن دعائي أعطيته أفضل ثواب السائلين ".
__________
(1) في طـ : "صلى الله عليه وسلم".
(2) المسند (3/ 40).
(3) المسند (3/ 38).
(4) المسند (3/ 37 ، 58).

(1/89)


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " ، ثم قال : تفرد به محمد بن الحسن ولم يتابع عليه (1).
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبيدة الحداد ، حدثني عبد الرحمن بن بُدَيْل بن ميسرة ، حدثني أبي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لله أهْلِين من الناس". قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : "أهْل القرآن هم أهل الله وخاصته" " (2).
وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار ، حدثنا خالد بن خِدَاش ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه : كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم (3).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا محمد بن عباد المكي ، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن شريك ، عن الأعمش ، عن يزيد بن أبان ، عن الحسن ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه " (4).
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا عبد الله بن المحرر ، عن قتادة ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكل شيء حلية ، وحلية القرآن الصوت الحسن " (5). ابن المحرر ضعيف.
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لَهِيعة ، حدثنا بكر بن سوادة ، عن وفاء الخولاني ، عن أنس بن مالك قال : بينما نحن نقرأ فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض ، إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أنتم في خير تقرؤون كتاب الله وفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسيأتي على الناس زمان يثقفونه كما يثقف القدح ، يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها " (6).
وقد رواه الإمام أحمد - أيضا - عن حسن ، عن ابن لَهِيعة ، عن بكر ، عن وفاء ، عن سهل بن سعد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره (7).
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا عبد الله بن الجهم ، حدثنا عمرو بن أبي قيس ، عن عبد ربه بن عبد الله ، عن عمر بن نبهان ، عن الحسن ، عن أنس ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يكثر خيره ، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره " (8).
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا الفضل بن الصباح ، حدثنا أبو عبيدة ، عن محتسب ، حدثني يزيد
__________
(1) ورواه الترمذي في السنن برقم (2926) من طريق محمد بن الحسن الهمداني به ، وقال الترمذي : "هذا حديث حسن غريب".
(2) المسند (3/ 128).
(3) المعجم الكبير (1/ 242) وقال الهيثمي في المجمع (7/ 172) : "رجاله ثقات".
(4) المعجم الكبير (1/ 255) وقال الهيثمي في المجمع (7/ 158) : "رواه أبو يعلى وفيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف".
(5) مسند البزار برقم (2330) "كشف الأستار".
(6) المسند (3/ 146).
(7) المسند (5/ 338).
(8) مسند البزار برقم (2321) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (7/ 171) : "فيه عمر بن نبهان ضعيف".

(1/90)


الرقاشي ، عن أنس قال : قعد أبو موسى في بيت واجتمع إليه ناس ، فأنشأ يقرأ عليهم القرآن ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني منهم أحد ؟". قال : نعم. قال : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد ، فسمع قراءة أبي موسى فقال : " إنه ليقرأ على مزمار من مزامير داود ، عليه السلام " (1).
وقال الإمام أحمد : حدثنا مصعب بن سلام ، حدثنا جعفر - هو ابن محمد بن علي بن الحسين - عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ، ثم قال : "أما بعد ، فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وإن أفضل الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة" ثم يرفع صوته وتحمر وجنتاه ، ويشتد غضبه إذا ذكر الساعة ، كأنه منذر جيش. قال : ثم يقول : "أتتكم الساعة هكذا - وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى - صبحتكم الساعة ومستكم ، من ترك مالا فلأهله ، ومن ترك دَيْنًا أو ضياعًا فإليّ وعليّ " (2).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب - يعني ابن عطاء - أنبأنا أسامة بن زيد الليثي ، عن محمد بن المنْكَدِر ، عن جابر بن عبد الله قال : " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ، فإذا قوم يقرؤون القرآن فقال : "اقرؤوا القرآن وابتغوا به وجه الله - عز وجل - من قبل أن يأتي بقوم يقيمونه إقامة القدح ، يتعجلونه ولا يتأجلونه" (3).
قال أحمد - أيضا - : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا خالد ، حدثنا حميد الأعرج ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن ، وفينا العجمي والأعرابي قال : فاستمع فقال : "اقرؤوا فكل حسن ، وسيأتي قوم يقيمونه كما يقام القدح ، يتعجلونه ولا يتأجلونه" (4).
وقال أبو بكر البزار : حدثنا أبو كُرَيْب محمد بن العلاء ، حدثنا عبد الله بن الأجلح ، عن الأعمش ، عن المعلى الكندي ، عن عبد الله بن مسعود قال : " إن هذا القرآن شافع مشفع ، من اتبعه قاده إلى الجنة ، ومن تركه أو أعرض عنه - أو كلمة نحوها - زج في قفاه إلى النار " (5). وحدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الله بن الأجلح ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه (6).
قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أحمد بن عبد العزيز بن مروان أبو صخر ، حدثني بكر بن يونس ، عن موسى بن علي ، عن أبيه ، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي ، عن جابر بن عبد الله ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ ألف آية كتب الله له قنطارا ، والقنطار مائة رطل ، والرطل اثنتا عشرة أوقية ،
__________
(1) مسند أبي يعلى (7/ 133 - 135) وفيه يزيد الرقاشي ضعيف.
(2) المسند (3/ 310).
(3) المسند (3/ 357)
(4) المسند (3/ 397).
(5) مسند البزار برقم (121) "كشف الأستار".
(6) مسند البزار برقم (122) "كشف الأستار".

(1/91)


والوقية ستة دنانير ، والدينار أربعة وعشرون قيراطا ، والقيراط مثل أحُد ، ومن قرأ ثلاثمائة آية قال الله لملائكته : نصب عبدي لي ، أشهدكم يا ملائكتي أنِّي قد غفرت له ، ومن بلغه عن الله فضيلة فعمل بها إيمانا به ورجاء ثوابه ، أعطاه الله ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك " (1).
وقال أحمد : حدثنا جرير ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب " (2).
قال البزار : لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه.
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثني أبي قال : وجدت في كتاب أبي بخطه عن عمران بن أبي عمران ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة ، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة ، وذلك أن الله عز وجل يقول : { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى } [طه : 123] " (3).
وقال الطبراني : حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لَهِيعة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاووس ، عن ابن عباس ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به " (4).
وقال - أيضا - : حدثنا أبو يزيد القراطيسي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن سعيد أبي سعد البقال ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحسنوا الأصوات بالقرآن " (5).
وروى - أيضا - بسنده إلى الضحاك عن ابن عباس مرفوعا : " أشرف أمتي حملة القرآن " (6).
وقال الطبراني : حدثنا معاذ بن المثنى ، حدثنا إبراهيم بن أبي سويد الذارع (7) حدثنا صالح المرى ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى عن ابن عباس قال : " سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أي الأعمال أحب إلى الله ؟ فقال : "الحال المرتحل". قال : يا رسول الله ، ما الحال المرتحل ؟ قال : "صاحب القرآن يضرب في أوله حتى يبلغ آخره ، وفي آخره حتى يبلغ أوله" " (8).
__________
(1) معجم الشيوخ لأبي يعلى (74) وإسناده ضعيف لعلتين : العلة الأولى : ضعف بكر بن يونس ، والعلة الثانية : الانقطاع بين يحيى ابن أبي كثير وجابر.
(2) المسند (1/ 223).
(3) المعجم الكبير (12/ 48) وقال الهيثمي في المجمع (1/ 169) : "فيه أبو شيبة وهو ضعيف جدآ".
(4) المعجم الكبير (11/ 7).
(5) المعجم الكبير (12/ 18) وأبو سعد البقال ضعيف ، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(6) المعجم الكبير (12/ 125) من طريق سعد الجرجاني عن نهشل - وكلاهما ضعيف - عن الضحاك به.
(7) فى ط : "الزرع".
(8) المعجم الكبير (12/ 168) ورواه الحاكم في المستدرك (1/ 568) من طريق صالح المري به ، وقال : "تفرد به صالح المري ، وهو من زهاد أهل البصرة". وتعقبه الذهبي فقال : "صالح متروك".

(1/92)


ذكر الدعاء المأثور
لحفظ القرآن وطرد النسيان
قال [الحافظ] (1) أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا محمد بن إبراهيم القرشي ، حدثنى أبو صالح وعكرمة ، عن ابن عباس قال : " قال علي بن أبي طالب : يا رسول الله ، القرآن يتفلت من صدري ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أعلِّمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع من علمته". قال : قال : نعم بأبي وأمي ، قال : "صلِّ ليلة الجمعة أربع ركعات تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب ويس ، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان ، وفي الثالثة بفاتحة الكتاب والم تنزيل السجدة ، وفي الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل ، فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله واثن عليه ، وصل على النبيين ، واستغفر للمؤمنين ، ثم قل : اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدا ما أبقيتني ، وارحمني من أن أتكلف ما لا يعنيني ، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني ، اللهم بديع السماوات والأرض ، ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام ، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ (2) كتابك كما علمتني ، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني ، وأسألك أن تنور بالكتاب بصري ، وتطلق به لساني ، وتفرج به عن قلبي ، وتشرح به صدري ، وتستعمل به بدني ، وتقويني على ذلك وتعينني على ذلك (3) فإنه لا يعينني على الخير غيرك ، ولا يوفق له إلا أنت ، فافعل ذلك ثلاث جمع أو خمسا أو سبعا تحفظه بإذن الله وما أخطأ مؤمنا قط". فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بسبع فأخبره بحفظ القرآن والحديث ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "مؤمن ورب الكعبة" ، علم أبو الحسن (4) علم أبو الحسن (5) " هذا سياق الطبراني (6).
وقال أبو عيسى الترمذي في كتاب الدعوات : حدثنا أحمد بن الحسن ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس أنه قال : " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه علي بن أبي طالب فقال : بأبي أنت وأمي ، تفلت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا أبا الحسن ، أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ، وينفع بهن من علمته ، ويثبت ما تعلمت في صدرك ؟" قال : أجل يا رسول الله ، فعلمني ، قال : "إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة ، والدعاء فيها مستجاب ، وقد قال أخي يعقوب لبنيه : { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي } [يوسف : 98] ، يقول : حتى تأتي ليلة الجمعة ، فإن لم تستطع فقم في وسطها ، فإن لم تستطع فقم في أولها فصل أربع ركعات ، تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس ، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان ، وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب والم تنزيل السجدة ، وفي الركعة
__________
(1) زيادة من ط.
(2) في المعجم الكبير : "حب".
(3) في المعجم الكبير : "عليه".
(4) في المعجم الكبير : "أبا حسن".
(5) في المعجم الكبير : "أبا حسن".
(6) المعجم الكبير (11/ 367) ورواه من طريق ابن الجوزي في الموضوعات (2/ 138) وقال : "هذا حديث لا يصح ، ومحمد بن إبراهيم مجروح ، وأبو صالح لا نعلمه إلا إسحاق بن نجيح وهو متروك".

(1/93)


الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل ، فإذا فرغت من التشهد ، فاحمد الله وأحسن الثناء على الله ، وصل عليّ وأحسن وعلى سائر النبيين ، واستغفر للمؤمنين والمؤمنات ، ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان ، ثم قل في آخر ذلك : اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدا ما أبقيتني ، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني ، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني ، اللهم بديع السماوات والأرض ، ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام ، أسألك يا ألله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني ، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني ، اللهم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام ، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك ، أن تنور بكتابك بصري ، وأن تطلق به لساني ، وأن تفرج به عن قلبي ، وأن تشرح به صدري ، وأن تغسل به بدني ، فإنه لا يعينني على الحق غيرك ولا يؤتيه إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، يا أبا الحسن ، تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمسا أو سبعا تجاب بإذن الله تعالى ، والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمنا قط". قال ابن عباس : فوالله ما لبث عليٌّ إلا خمسا أو سبعا حتى جاء [عليٌّ] (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك المجلس ، فقال : يا رسول الله ، والله إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات أو نحوهن ، فإذا قرأتُهُن على نفسي تَفَلَّتْنَ وأنا أتعلَّم اليوم أربعين آية أو نحوها ، فإذا قرأتها على نفسي فكأنما كتاب الله بين عَيْنِي ، ولقد كنت أسمع الحديث ، فإذا رَدَّدْتُه تَفَلَّت ، وأنا اليوم أسمع الأحاديث ، فإذا تحدثتُ بها لم أخْرِم منها حرفا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : "مؤمن ورب الكعبة يا أبا الحسن".
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم. كذا قال ، وقد تقدم من غير طريقه. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق الوليد ، ثم قال : على شرط الشيخين حيث صرح الوليد بالسماع من ابن جريج ، فالله أعلم - فإنه في المتن غرابة بل نكارة (2) والله أعلم.
وقال الإمام أحمد : حدثنا وَكِيع ، حدثنا العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها أمسكها ، وإن تركها ذهبت ".
ورواه - أيضا - عن محمد بن عبيد ويحيى بن سعيد ، عن عبيد الله العمري به (3).
ورواه - أيضا - عن عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعًا نحوه (4).
وقال البزار : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا حميد بن حماد بن أبي الحوار ، حدثنا مِسْعر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أحسن قراءة ؟ قال : "من إذا سمعته يقرأ رؤيت أنه يخشى الله ، عز وجل" (5).
__________
(1) زيادة من الترمذي.
(2) سنن الترمذي برقم (3570) والمستدرك (1/ 316 ، 317) وأعل بثلاث علل : الأولى : عنعنة ابن جريج. الثانية : تدليس بقية فإنه يدلس تدليس التسوية. الثالثة : سليمان الدمشقي تكلم فيه من جهة حفظه.
(3) المسند (2/ 23) ، (2/ 17 ، 30).
(4) المسند (2/ 35).
(5) مسند البزار برقم (2336) "كشف الأستار" وفيه حماد بن حميد ضعيف.

(1/94)


وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقال لصاحب القرآن : اقرأ وارْقَ ورَتِّل كما كنت ترتل في الدنيا ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها " (1).
وقال أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لَهِيعة ، حدثني حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي (2) صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن قلبك حُثِيَ الإيمان ، وإن العبد يعطى الإيمان قبل القرآن " (3).
وبهذا الإسناد : أن رجلا جاء بابن له فقال : يا رسول الله ، إن ابني هذا يقرأ المصحف بالنهار ويبيت بالليل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تنقم أن ابنك يظل ذاكرا ويبيت سالما " (4).
وقال أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ابن لَهِيعة ، عن حيي ، عن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام : أي رب ، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ، ويقول القرآن : منعته النوم بالليل فشفعني فيه " ، قال : "فيشفعان" (5).
وقال أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لَهِيعة ، حدثنا دراج ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أكثر منافقي أمتي قراؤها " (6).
وقال أحمد : حدثنا وَكِيع ، حدثني همام ، عن قتادة ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه ".
ورواه - أيضا - عن غُنْدَر ، عن شعبة ، عن قتادة به (7). وقال الترمذي : حسن صحيح.
وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه ، حدثنا أبي ، حدثنا عيسى بن يونس ، ويحيى بن أبي الحجاج التميمي ، عن إسماعيل بن رافع ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ، عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ القرآن فكأنما استُدْرِجَت النبوَّةُ بين جنبيهِ ، غير أنه لا يُوحَى إليه ، ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدًا أُعْطِىَ أفضلَ مما أُعْطِىَ فقد عَظَّم ما صَغَّر الله ، وصَغَّر ما عظّم الله ، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يَسْفَه فيمن يسفه ، أو يَغْضَب فيمن يَغْضَب ، أو يَحْتَدَّ فيمن يَحْتَدُّ ، ولكن يعفو ويصفح ، لِفضل القرآن " (8).
__________
(1) المسند ( 2/ 192).
(2) في مسند أحمد : "رسول الله".
(3) المسند (2/ 172).
(4) المسند (2/ 173).
(5) المسند (2/ 174).
(6) المسند (2/ 175).
(7) المسند (2/ 164 ، 193 ، 195).
(8) قال الهيثمي في المجمع (7/ 159) : "فيه إسماعيل بن رافع وهو متروك".

(1/95)


وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا عباد بن ميسرة ، عن الحَسَن ، عن أبي هُرَيرةَ ؛ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من استمع إلى آية من كتاب الله كُتِبَتْ له حسنةٌ مضاعفةٌ ، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة " (1).
وقال البزار : حدثنا محمد بن حرب ، حدثنا يحيى بن المتوكل ، حدثنا عَنْبَسة بن مهْران عن الزهري ، عن سَعِيدٍ وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مراءٌ في القرآن كفرٌ ". ثم قال : عنبسة : هذا ليس بالقويّ. وعنده فيه إسناد آخر (2).
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو بكر ، حدثنا ابن إدريس ، حدثنا المقبري ، عن جدِّه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه (3) " (4).
وقال الطبراني : حدثنا موسى بن حازم الأصبهاني ، حدثنا محمد بن بكير الحضرمي ، حدثنا إسماعيل بن عَيَّاشٍ ، عن يحيى بن الحارث الذِّماري ، عن القاسم أبي عبد الرحمن ، عن فضالة بن عُبَيد ، وتَمِيمٍ الداريِّ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ عشر آيات في ليلة كُتِب له قنطار ، والقنطار خير من الدنيا وما فيها ، فإذا كان يوم القيامة يقول ربك ، عز وجل : اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينتهي إلى آخر آية معه ، يقول ربك : اقبض ، فيقول العبد بيده : يا رب أنت أعلم. فيقول : بهذه الخلد وبهذه النعيم " (5).
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة معقس بن عمران بن حطان قال : قال : دخلت مع أبي على أم الدرداء ، رضي الله عنها ، فسألها أبي : ما فضل من قرأ القرآن على من لم يقرأ ؟ قالت : حدثتني عائشة قالت : جُعِلت دَرَجُ الجنة على عدد آي القرآن ، فمن (6) قرأ ثلث القرآن ثم دخل الجنة كان على الثلث من دَرَجها ، ومن قرأ نصف القرآن كان على النصف من درَجها ، ومن قرأ كُلَّه كان في عِلِّيِّين ، لم يكن فوقه إلا نبي أو صديق أو شهيد (7).
وقال الطبراني : حدثنا مَسْعَدَةُ (8) بن سَعْد العطارُ المكي ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحِزَامي ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم مولى جميع بن حارثة الأنصاري ، حدثنا عبد الله بن ماهان الأزدي ، حدثني فائد مولى عُبَيد الله بن أبي رافع ، حدثتني سُكينة بنت الحُسَين بن علي ، عن أبيها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حملة القرآن عُرَفاء أهل الجنة يوم القيامة " (9).
وروى الطبراني من حديث بقيَّة ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن المهاصر بن حبيب ، عن عبيدة
__________
(1) المسند (2/ 341).
(2) ورواه أبو نعيم في الحلية (5/ 192) من طريق محمد بن حرب الواسطي به ، وقال : "غريب من حديث مكحول ، لم نكتبه إلا من حديث ابن حرب".
(3) في ط : "غرابته".
(4) مسند أبي يعلى (11/ 436) وقال الهيثمي في المجمع (7/ 163) : "فيه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك".
(5) المعجم الكبير (2/ 50).
(6) في ط : "من".
(7) تاريخ دمشق (17/ 10 "المخطوط").
(8) في ط : "مسورة".
(9) المعجم الكبير (3/ 132) وقال الهيثمي في المجمع (7/ 161) : "فيه إسحاق المدني وهو ضعيف".

(1/96)


المليكي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : " يا أهل القرآن ، لا توسَّدوا القرآن ، واتلوه حَقّ تلاوته من آناء الليل والنهار ، وتغنوه وتَقَنَّوه ، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون ، ولا تستعجلوا ثوابه ، فإن له ثَوابَيْن (1) " (2).
وفي حديث عقبة بن عامر نحوه ، كما تقدم.
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا ابن لَهِيعَة ، عن مِشْرَحٍ ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أن القرآن جُعِل في إهابٍ ثم ألقي في النار ما احترق " (3).
تفرد به. قيل : معناه : أن الجسد الذي يقرأ القرآن [لا تمسه النار] (4).
وفي سُنَن ابن ماجة من طريق المغيرة بن نَهِيكٍ ، عن عقبة بن عامر مرفوعًا : " من تعلم القرآن (5) ثم تركه فقد عصاني" (6).
وفي حديث رواه أبو يعلى من طريق ليث ، عن مجاهد ، عن أبي سعيد مرفوعًا : " عليك بتقوى الله ، فإنها رأس كل خير ، وعليك بالجهاد ، فإنه رهبانية الإسلام ، وعليك بِذِكْرِ الله وتلاوة القرآن ، فإنَّه نورٌ لك في الأرض وذكرٌ لك في السماء ، واخْزُنْ لسانَكَ إلا من خيرٍ ، فإنَّك بذلك تَغْلِب الشيطان " (7).
وهكذا أذكُرُ آثارًا مرويّةً عن ابن أمِّ عَبْد (8) أحدِ قُرَّاء القرآن مِنَ الصَّحَابةِ المأمورِ بالتلاوة على نحوهم (9)
روى الطبراني ، عن الدَّبَرِيّ ، عن عبد الرزاق ، عن مَعْمَرٍ ، عن أبي إسحاق ، قال ابن مسعود : كل آية في كتاب الله خيرٌ مما في السماء والأرض (10).
ومن طريق شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن مرَّة قال ابن مسعود : من أراد العلم فلْيَتَبوَّأْ من القرآن ، فإن فيه علم الأولين والآخرين (11).
ومن طريق سُفيان وشعبة ، عن ساعد (12) بن كُهَيل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : إنّ هذا القرآن ليس فيه حرف إلا له حدٌّ ، ولكلِّ حد مَطْلَعٌ (13).
ومن حديث الثوري ، عن إسماعيل بن أبي خالد (14) عن سيار أبي الحكم ، عن ابن مسعودٍ أنه قال : أعربوا هذا القرآن فإنه عربيٌّ ، وسيجيءُ قوم يَثْقَفُونه وليسوا بخياركم (15).
__________
(1) في ط : "ثوابا".
(2) قال الهيثمي في المجمع (2/ 252) : "رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف".
(3) المسند (4/ 151).
(4) زيادة من ط.
(5) في سنن ابن ماجة : "الرمى".
(6) سنن ابن ماجة برقم (2814).
(7) مسند أبي يعلى (2/ 284) وليث بن أبي سليم ضعيف.
(8) في ط : "عن ابن أم عبد عبد الله بن مسعود".
(9) في طـ : "حرفهم".
(10) المعجم الكبير (9/ 145).
(11) المعجم الكبير (9/ 146).
(12) في ط : "سلمة".
(13) المعجم الكبير (9/ 146).
(14) في ط : "إسماعيل بن خالد".
(15) المعجم الكبير (9/ 150).

(1/97)


والثوري ، عن عاصمٍ ، عن زِرٍّ ، عن ابن مسعود قال : أديموا النظر في المصحف ، وإذا اختلفتم في ياءٍ أو تاءٍ فاجعلوها ياء ، ذكّروا القرآن فإنه مذكَّر (1).
وقال عبد الرزاق ، عن إسرائيل ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن شَدَّاد (2) بن مَعْقِل ، سَمعْتُ ابن مسعود يقول : أول ما تفقدونَ من دينكم الأمانة ، وآخر ما يبقى من دينكم الصلاة ، وَلَيُصَلِّيَنَّ قومٌ لا خَلاقَ لهم ، ولينزعنَّ قومٌ من بين أظهركم. قالوا : يا أبا عبد الرحمن ، ألسنا نقرأُ القرآن وقد أثبتناه في مصاحفنا ؟ قال : يُسْرَى على القرآن ليلا فَيُذْهَبُ به من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء - وفي رواية : لا يبقى في مصحف منه شيءٌ - ويصبح الناسُ فُقَراءَ كالبهائم. ثم قرأ عبد الله : { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا } [الإسراء : 86] (3).
وقال الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا أبو نعيم ، حدثني شعبة ، عن علي بن بذيمةَ (4) عن أبي عبيدة بن عبد الله ، عن أبيه قال : من قرأ القرآن في أقَلَّ من ثلاثٍ فهو راجز (5).
قال هشام عن الحسَنِ : إنه بلغه عن ابن مسعود مثلُ ذلك.
ومن طريق الأعمش ، عن أبي وائلٍ قال : كان عبد الله بن مسعود يقل الصوم ، فيقال له في ذلك ، فيقول : إني إذا صُمْتُ ضَعُفْتُ عن القراءةِ والصلاة ، والقراءة والصلاة أحبُّ إليَّ (6).
__________
(1) المعجم الكبير (9/ 152).
(2) في ط : "مقداد".
(3) المعجم الكبير (9/ 152) والمصنف لعبد الرزاق (5980).
(4) في ط : "علي بن زيد".
(5) المعجم الكبير (9/ 154).
(6) المعجم الكبير (9/ 195).

(1/98)


مقدمة مفيدة
قال أبو بكر بن الأنباري : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، عن حجاج بن مِنْهال ، عن همام ، عن قتادة قال : نزل في المدينة من القرآن البقرة ، وآل عمرانَ ، والنساء ، والمائدة ، والأنفال ، وبراءة ، والرعد ، والنحل ، والحج ، والنُّور ، والأحزاب ، ومحمد ، والفتح ، والحجرات ، والحديد ، والرحمن ، والمجادلة ، والحشر ، والممتحنة ، والصف ، والمنافقون ، والتغابن ، والطلاق ، ويا أيها النبي لمَ تُحَرِّم ، وإلى رأس العشر ، وإذا زلزلت ، وإذا جاء نصرُ الله. هؤلاء السور نزلت بالمدينة ، وسائر القرآن نزل بمكة.
فأما عدد آيات القرآن فستة آلاف آية ، ثم اختلف فيما زاد على ذلك على أقوال ، فمنهم من لم يزد على ذلك ، ومنهم من قال : ومائتا آية وأربع آيات ، وقيل : وأربع عشرة آية ، وقيل : ومائتان وتسع عشرة ، وقيل : ومائتان وخمس وعشرون آية ، وست وعشرون آية ، وقيل : ومائتا آية ، وست وثلاثون آية. حكى ذلك أبو عمرو الداني في كتاب البيان (1).
وأما كلماته ، فقال الفضل بن شاذان ، عن عطاءِ بن يسار : سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة.
وأما حروفُه ، فقال عبد الله بن كثير ، عن مجاهد : هذا ما أحصينا من القرآن وهو ثلاثُمائِة ألفِ
__________
(1) تفسير القرطبي (1/ 65).

(1/98)


حرف وواحدٌ وعشرون ألفَ حَرْفٍ ومائَةٌ وثمانونَ حرفًا.
وقال الفضل ، عن عطاء بن يسار : ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألفًا وخمسة عشر حرفًا.
وقال سَلام أبو محمد الحمانيّ : إنّ الحجاج جمع القراء والحفاظ والكُتَّاب فقال : أخبروني عن القرآن كُلِّه كم من حرفٍ هو ؟ قال : فحسبناه فأجمعوا أنه ثلاثُمائة ألفِ حَرْف وأربعون ألفًا وسبعمائة وأربعون حرفًا. قال : فأخبروني عن نصفه. فإذا هو إلى الفاء من قوله في الكهف : { وَلْيَتَلَطَّفْ } [الكهف : 19] ، وثُلثه الأول عند رأس مائة آية من براءة ، والثاني على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء ، والثالث إلى آخره. وسُبُعُه الأول إلى الدال من قوله : { فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ } [النساء : 55]. والسُّبُع الثاني إلى الباء من قوله في الأعراف : { حَبِطَتْ } [الأعراف : 147] ، والثالث إلى الألف الثانية من : { أُكُلَهَا } في الرعد [الرعد : 35] ، والرابع إلى الألف من قوله في الحج : { جَعَلْنَا مَنْسَكًا } [الحج : 67] ، والخامس إلى الهاء من قوله في الأحزاب : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ } [الأحزاب : 36] ، والسادس إلى الواو من قوله في الفتح : { الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ } [الفتح : 6] ، والسابع إلى آخر القرآن. قال سلام أبو محمد : عملنا ذلك في أربعة أشهر.
قالوا : وكان الحجاج يقرأ في كلِّ ليلةٍ ربع القرآن ، فالأول إلى آخر الأنعام ، والثاني إلى { وَلْيَتَلَطَّفْ } [الكهف : 19] ، والثالث إلى آخر الزمر ، والرابع إلى آخر القرآن. وقد ذكر الشيخ أبو عمرو الداني في كتابه البيان خلافًا في هذا كله ، والله أعلم (1).
وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات في المدارس وغيرها ، وقد ذكرنا فيما تقدم الحديث الوارد في تحزيب الصحابة للقرآن ، والحديث في مسند أحمدَ وسُنَن أبي داودَ وابن ماجَهْ وغيرهما (2) عن أوس بن حُذَيفة أَنَّه سَأَلَ أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في حياته : كيف يُحَزِّبون القرآن ؟ قالوا : ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرَةَ وثلاثَ عَشْرَةَ ، وحزْبُ المُفَصَّل من قاف حتى يختم (3).
قال القرطبي : أجمعوا أنه ليس في القرآن شيء من التراكيب الأعجمية ؟ وأجمعوا أن فيه أعلامًا من الأعجمية كإبراهيم ونوح ، ولوط ، واختلفوا : هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية ؟ فأنكر ذلك الباقلاني والطبري وقالا ما وقع فيه ما يوافق الأعجمية ، فهو من باب ما توافقت فيه اللغات (4).
__________
(1) انظر : تفسير القرطبي (1/ 64).
(2) في ط : "غيرهما".
(3) المسند (4/ 9) وسنن أبي داود برقم (1393) وسنن ابن ماجة برقم (438).
(4) تفسير القرطبي (1/ 68).

(1/99)


فصل
واختلفوا (1) في معنى السورة : مِمَّ هي مشتقة ؟ فقيل : من الإبانة والارتفاع. قال النابغة :
ألم تر أنَّ الله أعطاكَ سورَةً... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ (2)
فكأن القارئ يتنقل بها من منزلة إلى منزلة. وقيل : لشرفها وارتفاعها كسور البلد. وقيل : سميت
__________
(1) في ط : "واختلف".
(2) البيت في تفسير الطبري (1/ 105).

(1/99)


سُورَةً لكونها قِطْعةً من القرآن وجزءًا منه ، مأخوذ من أسآر الإناء وهو البقية ، وعلى هذا فيكون أصلها مهموزًا ، وإنما خففت فأبدلت الهمزة واوًا لانضمام ما قبلها. وقيل : لتمامها وكمالها لأن العرب يسمون الناقة التامة سُورَةً.
قلت : ويحتمل أن يكون من الجمع والإحاطة لآياتها كما سُمِّي سورُ البلد لإحاطته بمنازِلِه ودُورِه ، والله أعلم.
وجمع السورة سُوَرٌ بفتح الواو ، وقد تُجمع (1) على سُورَاتٍ وسُوْرَات.
وأما الآية فمن العلامَةِ على انقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها وانفصاله ، أي : هي بائنة من أختها. قال (2) الله تعالى : { إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ } [البقرة : 248] ، وقال النابغة :
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرفْتُها... لستَّةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
(3)
وقيل : لأنها جماعةُ حروفٍ من القرآن وطائفة منه ، كما يقال : خرج القوم بآيتهم ، أي : بجماعتهم. قال الشاعر (4)
خَرَجْنَا من النَّقبين لا حَىَّ مِثلُنا... بآيتنا نزجِي اللقاحَ المَطَافِلا
وقيل : سُمِّيت آيةً لأنها عَجَبٌ يَعْجِز البشر عن التكلّم بمثلها.
قال سيبويه : وأصلها أَيَيَة مثل أَكَمَة وشَجَرَة ، تحرَّكت الياءُ وافتتح ما قبلها فقلبت ألفًا فصارت آية ، بهمزة بعدها مدة. وقال الكسائي : آيِيَة على وزن آمِنة ، فَقُلِبت ألفًا ، ثم حُذفت لالتباسها.
وقال الفَرَّاء : أصلها أَيَّة - بتشديد الياء - فَقُلِبَت الأولى ألفًا ، كراهيةَ التشديد فصارت آية ، وجمعُها : آىٌ وآياىٌ وآياتٌ.
وأما الكلمة فهي اللفظ الواحد ، وقد تكون على حرفين مثل : ما ولا وله ولك ، وقد يكون أكثر. وأكثر ما يكون (5) عشرة أحرف : { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } [النور : 55] ، و { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } [هود : 28] ، { فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } [الحجر : 22] ، وقد تكون الكلمة آية ، مثل : والفجر ، والضحى ، والعَصْر ، وكذلك : الم ، وطه ، ويس ، وحم - في قول الكوفيين - و { حم عسق } عندهم كلمتان. وغيرهم لا يسمى هذه آيات بل يقول : هي فواتح السُّوَرِ. وقال أبو عَمْرو الدانيّ : لا أعلم كلمةً هي وحدها آيةٌ إلا قوله : { مُدْهَامَّتَانِ } في سورة الرحمن [الرحمن : 64]. آخر المقدمة
__________
(1) في ط : "يجمع".
(2) في ط : "ومنه قول".
(3) البيت في تفسير القرطبي (1/ 66).
(4) البيت لبرج بن مسهر الطائي ، وهو في تفسير القرطبي (1/ 66).
(5) في ط : "تكون".

(1/100)


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

بسم الله الرحمن الرحيم
فاتحة الكتاب
يقال لها : الفاتحة ، أي فاتحة الكتاب خطا ، وبها تفتح (1) القراءة في الصلاة (2) ويقال لها أيضا : أم الكتاب عند الجمهور ، وكره أنس ، والحسن وابن سيرين كرها تسميتها بذلك ، قال الحسن وابن سيرين : إنما ذلك اللوح المحفوظ ، وقال الحسن : الآيات المحكمات : هن أم الكتاب ، ولذا كرها (3) - أيضا - أن يقال لها أم القرآن وقد ثبت في[الحديث] (4) الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم " ويقال لها : الحمد ، ويقال لها : الصلاة ، لقوله عليه السلام (5) عن ربه : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، قال الله : حمدني عبدي " الحديث. فسميت الفاتحة : صلاة ؛ لأنها شرط فيها. ويقال لها : الشفاء ؛ لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعا : " فاتحة الكتاب شفاء من كل سم (6) ". ويقال لها : الرقية ؛ لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما يدريك أنها رقية ؟ ". وروى الشعبي عن ابن عباس أنه سماها : أساس القرآن ، قال : فأساسها (7) بسم الله الرحمن الرحيم ، وسماها سفيان بن عيينة : الواقية. وسماها يحيى بن أبي كثير : الكافية ؛ لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها ، كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة : " أم القرآن عوض من غيرها ، وليس غيرها عوضا عنها " (8). ويقال لها : سورة الصلاة والكنز ذكرهما الزمخشري في كشافه. وهي مكية ، قاله (9) ابن عباس وقتادة وأبو العالية ، وقيل مدنية ، قاله (10) أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري. ويقال : نزلت مرتين : مرة بمكة ، ومرة بالمدينة ، والأول أشبه لقوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } [الحجر : 87] ، والله أعلم (11). وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة ، وهو غريب جدًا ، نقله القرطبي عنه. وهي سبع آيات بلا خلاف ، [وقال عمرو بن عبيد : ثمان ، وقال حسين الجعفي : ستة (12) وهذان شاذان] (13). وإنما اختلفوا في البسملة : هل هي آية مستقلة من أولها كما هو عند جمهور قراء الكوفة وقول الجماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف ، أو بعض آية أو لا تعد من أولها بالكلية ، كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء ؟ على ثلاثة أقوال ، سيأتي تقريره (14) في موضعه إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة.
__________
(1) زيادة من جـ ، ط.
(2) المسند (5/26).
(3) في جـ : "التميمي".
(4) المسند (5/26) وأبو عثمان لم يوثقه سوى ابن حبان وأبوه لا يعرف ، وقد اتضح أن الحديث مضطرب ، اختلف فيه على سليمان التميمي.
(5) سنن أبي داود برقم (3121) وسنن النسائي الكبرى برقم (10913) وسنن ابن ماجة برقم (1448).
(6) سنن الترمذي برقم (2878) ورواه الحاكم في المستدرك (2/259) من طريق حكيم بن جبير به.
(7) في أ : "سهل".
(8) المسند (2/284) وصحيح مسلم برقم (780) وسنن الترمذي برقم (2877) وسنن النسائي الكبرى برقم (8015).
(9) في جـ : "أبي".
(10) فضائل القرآن (ص121).
(11) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص121) وسنن النسائي الكبرى برقم (10800) والمستدرك (2/260).
(12) سنن النسائي الكبرى برقم (10799) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (3292) "مجمع البحرين" من طريق حلو بن السري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله به مرفوعا وخالفهما - أي ابن عجلان وحلو بن السري - شعبة ، فرواه عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله فوقفه ، أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (176) وشعبة أوثق الناس في أبي إسحاق ، ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (165) من طريق إبراهيم ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله موقوفا.
(13) سنن الدارمي برقم (3375).
(14) سنن الدارمي برقم (3377).

(1/101)


قالوا : وكلماتها خمس وعشرون كلمة ، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفًا. قال البخاري في أول كتاب التفسير : وسميت أم الكتب ، أنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ، ويبدأ بقراءتها في الصلاة (1) وقيل : إنما (2) سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله (3) إلى ما تضمنته. قال ابن جرير : والعرب تسمي كل جامع أمر (4) أو مقدم لأمر - إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع - أُمًّا ، فتقول (5) للجلدة التي تجمع الدماغ ، أمّ الرأس ، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها أُمًّا ، واستشهد (6) بقول ذي الرمة :
على رأسه أم لنا نقتدي بها... جماع أمور ليس (7) نعصي لها أمرا (8)
يعني : الرمح. قال : وسميت مكة : أم القرى لتقدمها أمام جميعها وجمعها ما سواها ، وقيل : لأن الأرض دحيت منها.
ويقال لها أيضًا : الفاتحة ؛ لأنها تفتتح بها القراءة ، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام ، وصح تسميتها بالسبع المثاني ، قالوا : لأنها تثنى في الصلاة ، فتقرأ في كل ركعة ، وإن كان للمثاني معنى آخر غير هذا ، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله (9).قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا ابن أبي ذئب وهاشم بن هاشم عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم القرآن : " هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي القرآن العظيم (10) " (11). ثم رواه عن إسماعيل بن عمر عن ابن أبي ذئب به ، وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنا ابن وهب ، أخبرني ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " هي أم القرآن ، وهي فاتحة الكتاب ، وهي السبع المثاني " (12).وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره : حدثنا أحمد بن محمد بن زياد ، ثنا محمد بن غالب بن حارث ، ثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي ، ثنا المعافى بن عمران ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن نوح بن أبي بلال ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله رب العالمين سبع آيات : بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن ، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم ، وهي أم الكتاب (13) " (14).
__________
(1) سنن الدارمي برقم (3383).
(2) في أ : "ليلا".
(3) في ط ، ب : "شيطان".
(4) في ط ، ب : "شيطان".
(5) المعجم الكبير (6/163) وصحيح ابن حبان برقم (1727) "موارد".
(6) في أ : "سورة البقرة".
(7) سنن الترمذي برقم (2876) وسنن النسائي الكبرى برقم (8749).
(8) في جـ : "فالله تبارك وتعالى أعلم".
(9) في ب : "وقال".
(10) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الحضير".
(11) في جـ ، ط : "في".
(12) في ط : "ثم قرأ".
(13) في جـ ، أ : "الحضير".
(14) في أ : "لأصبح".

(1/102)


وقد رواه الدارقطني أيضا عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه (1) أو مثله ، وقال : كلهم ثقات (2).وروى البيهقي عن علي (3) وابن عباس (4) وأبي هريرة (5) أنهم فسروا قوله تعالى : { سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } [الحجر : 87] بالفاتحة ، وأن البسملة هي الآية السابعة منها ، وسيأتي تمام هذا عند البسملة.
وقد روى الأعمش عن إبراهيم قال : قيل لابن مسعود : لِمَ لَمْ تكتب الفاتحة في مصحفك ؟ قال : لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة. قال أبو بكر بن أبي داود : يعني حيث يقرأ في الصلاة ، قال : واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها.
وقد قيل : إن الفاتحة أول شيء نزل من القرآن ، كما ورد في حديث رواه البيهقي في دلائل النبوة (6) ونقله الباقلاني أحد أقوال ثلاثة هذا [أحدها] (7) وقيل : { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } كما في حديث جابر في الصحيح (8). وقيل : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق : 1] وهذا هو الصحيح ، كما سيأتي تقريره في موضعه ، والله (9) المستعان. ذكر ما ورد في فضل الفاتحة
قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ، رحمه الله ، في مسنده : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، حدثني خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي سعيد بن المُعَلَّى ، رضي الله عنه ، قال : كنت أصلي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم أجبه حتى صلَّيت وأتيته ، فقال : " ما منعك أن تأتيني ؟ ". قال : قلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي. قال : " ألم يقل الله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال : 24] ثم قال : " لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ". قال : فأخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت : يا رسول الله إنك قلت : " لأعلمنك أعظم سورة في القرآن ". قال : " نعم ، الحمد لله رب العالمين هي : السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ".
وهكذا رواه البخاري عن مسدد ، وعلي بن المديني ، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان ، به (10).ورواه في موضع آخر من التفسير ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه من طرق عن شعبة ، به (11).ورواه الواقدي عن محمد بن معاذ الأنصاريّ ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي سعيد بن المُعَلَّى ، عن أبي بن كعب ، فذكر نحوه.
وقد وقع في الموطأ للإمام مالك بن أنس ، ما ينبغي التنبيه عليه ، فإنه رواه مالك عن العلاء بن عبد
__________
(1) صحيح البخاري برقم (5018).
(2) فضائل القرآن (ص26).
(3) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وجوه أخر".
(4) سبق تخريجه في فضائل القرآن.
(5) في ط ، ب : "الشماس".
(6) زيادة من ط.
(7) في جـ ، ب : "عن عمه جرير".
(8) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص27) وتقدم تخريجه في فضائل القرآن أيضا.
(9) زيادة من أ ، و.
(10) في جـ ، ط : "وقال".
(11) في ط ، ب : "المهاجر".

(1/103)


الرحمن بن يعقوب الحُرَقي : أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبرهم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب ، وهو يصلي في المسجد ، فلما فرغ من صلاته لحقه ، قال : فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على يدي ، وهو يريد أن يخرج من باب المسجد ، ثم قال : " إني لأرجو ألا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل (1) في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان (2) مثلها ". قال أبيّ : فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك ، ثم قلت : يا رسول الله ، ما السورة التي وعدتني ؟ قال : " كيف تقرأ إذا افتتحت (3) الصلاة ؟ قال : فقرأت عليه : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } حتى أتيت على (4) آخرها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هي هذه السورة ، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت " (5).فأبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المُعَلّى ، كما اعتقده ابن الأثير في جامع الأصول ومن تبعه (6) ، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري ، وهذا تابعي من موالي خزاعة ، وذاك الحديث متصل صحيح ، وهذا ظاهره أنه منقطع ، إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من أبيّ بن كعب ، فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط مسلم ، والله أعلم. على أنه قد روي عن أبيّ بن كعب من غير وجه كما قال الإمام أحمد :
حدثنا عفَّان ، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب ، وهو يصلي ، فقال : " يا أبي " ، فالتفت ثم لم يجبه ، ثم قال : أبي ، فخفف. ثم انصرف إلى رسول الل ه صلى الله عليه وسلم ، فقال : السلام عليك أيْ رسول الله. فقال : " وعليك السلام " [قال] (7) " ما منعك أيْ أبيّ إذ (8) دعوتك أن تجيبني ؟ ". قال : أيْ رسول الله ، كنت في الصلاة ، قال : " أولست تجد فيما أوحى الله إلي (9) { اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال : 24] ". قال : بلى يا رسول الله ، لا أعود ، قال : " أتحب أن أعلمك سورة لم تنزل لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان (10) مثلها ؟ " قلت : نعم ، أي رسول الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأرجو ألا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها " قال : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي يحدثني ، وأنا أتبطأ (11) ، مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث ، فلما دنونا من الباب قلت : أيْ رسول الله ، ما السورة التي وعدتني (12) قال : " ما تقرأ في الصلاة ؟ ". قال : فقرأت عليه أم القرآن ، قال : " والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ، ولا في الفرقان مثلها ؛ إنها السبع المثاني ".
__________
(1) في أ ، و : "عليهما".
(2) في جـ : "المهاجر به".
(3) المسند (5/348) وسنن ابن ماجة برقم (3781).
(4) في جـ : "جيد".
(5) في جـ : "عن أهلهما يوم القيامة".
(6) في أ : "حسنة".
(7) المسند (5/249).
(8) زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
(9) صحيح مسلم برقم (804).
(10) في جـ : "المتصلة".
(11) في جـ : "نواس".
(12) في جـ ، ط : "من طير صاف".

(1/104)


ورواه الترمذي ، عن قتيبة ، عن الدَّرَاوَرْدِي ، عن العلاء ، عن (1) أبيه ، عن أبي هريرة ، فذكره (2) ، وعنده : إنها من السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته ، ثم قال : هذا حديث حسن صحيح.
وفي الباب ، عن أنس بن مالك ، ورواه عبد الله بن [الإمام] (3) أحمد ، عن إسماعيل بن أبي مَعْمَر ، عن أبي أسامة ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن أبي بن كعب ، فذكره مطولا بنحوه ، أو قريبا منه (4).وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن أبي عمار حسين بن حريث ، عن الفضل بن موسى ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن أبيّ بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي مقسومة بيني وبين عبدي " ، هذا لفظ النسائي. وقال الترمذي : حسن غريب.
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، حدثنا هاشم ، يعني ابن البريد (5) حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن ابن جابر ، قال : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أهراق الماء ، فقلت : السلام عليك يا رسول الله. فلم يرد عليّ ، قال : فقلت : السلام عليك يا رسول الله. فلم يرد عليّ ، قال : فقلت : السلام عليك يا رسول الله ، فلم يرد عليّ. قال : فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ، وأنا خلفه حتى دخل رحله ، ودخلت أنا المسجد ، فجلست كئيبًا حزينًا ، فخرج عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تطهر ، فقال : " عليك (6) السلام ورحمة الله ، وعليك السلام ورحمة الله ، وعليك السلام ورحمة الله " ثم قال : " ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأَخْير سورة في القرآن ؟ " قلت : بلى يا رسول الله. قال : " اقرأ : الحمد لله رب العالمين ، حتى تختمها " (7).هذا إسناد جيد ، وابن عقيل تحتج (8) به الأئمة الكبار ، وعبد الله بن جابر هذا هو الصحابي ، ذكر ابن الجوزي أنه هو العبديّ ، والله أعلم. ويقال : إنه عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي ، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر (9).واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض ، كما هو المحكي عن كثير من العلماء ، منهم : إسحاق بن راهويه ، وأبو بكر بن العربي ، وابن الحصار من المالكية. وذهبت طائفة أخرى إلى أنه لا تفاضل في ذلك ؛ لأن الجميع كلام الله ، ولئلا يوهم التفضيل نقص
__________
(1) في أ : "صاحب لهما".
(2) المسند (4/183) وصحيح مسلم برقم (805).
(3) سنن الترمذي برقم (2883).
(4) في ط : "أجاب".
(5) فضائل القرآن (ص126).
(6) زيادة من ب.
(7) في جـ : "أخاكم".
(8) فضائل القرآن (ص126).
(9) زيادة من و.

(1/105)


المفضل عليه ، وإن كان الجميع فاضلا نقله القُرطُبي عن الأشعريّ ، وأبي بكر الباقلاني ، وأبي حاتم بن حبان البستي ، ويحيى بن يحيى ، ورواية عن الإمام مالك [أيضا] (1).
حديث آخر : قال البخاري في فضائل القرآن : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا وهب ، حدثنا هشام ، عن محمد ، بن معبد ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنا في مسير لنا ، فنزلنا ، فجاءت جارية فقالت : إن سيد الحي سليم ، وإن نَفَرَنَا غُيَّب ، فهل منكم (2) راق ؟ فقام معها رجل ما كنا نَأبِنُه برقية ، فرقاه ، فبرأ ، فأمر له بثلاثين شاة ، وسقانا لبنا ، فلما رجع (3) قلنا له : أكنت تحسن رقية ، أو كنت ترقي ؟ قال : لا ما رقيت إلا بأم الكتاب ، قلنا : لا تحدثوا شيئا حتى نأتي ، أو نسأل رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " وما كان يُدْريه أنها رقية ، أقسموا واضربوا لي بسهم ".
وقال أبو معمر : حدثنا عبد الوارث ، حدثنا هشام ، حدثنا محمد بن سيرين ، حدثني معبد بن سيرين ، عن أبي سعيد الخدري بهذا.
وهكذا رواه مسلم ، وأبو داود من رواية هشام ، وهو ابن حسان ، عن ابن سيرين ، به (5). وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث : أن أبا سعيد هو الذي رقى ذلك السليم ، يعني : اللديغ يسمونه بذلك تفاؤلا.
حديث آخر : روى مسلم في صحيحه ، والنسائي في سننه ، من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم ، عن عمار بن رُزَيق ، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل ، إذ سمع نقيضًا فوقه ، فرفع جبريل بصره إلى السماء ، فقال : هذا باب قد فتح من السماء ، ما فتح قط. قال : فنزل منه ملك ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، ولن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته. وهذا لفظ النسائي.
ولمسلم نحوه حديث آخر : قال مسلم : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، هو ابن راهويه ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن العلاء ، يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي (6) عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم (7) القرآن فهي خِداج - ثلاثًا - غير تمام ". فقيل لأبي هريرة : إنا نكون وراء الإمام ، قال : اقرأ بها في نفسك ؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجل : قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الفاتحة : 2] ، قال الله : حمدني عبدي ، وإذا قال : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }
__________
(1) في جـ ، ط ، ب : "منه".
(2) فضائل القرآن (ص126 ، 127].
(3) في جـ : "يحدثه".
(4) فضائل القرآن (127).
(5) زيادة من ب ، و.
(6) في هـ : "ورقاء".
(7) فضائل القرآن (ص127).

(1/106)


[الفاتحة : 3] ، قال الله : أثنى علي عبدي ، فإذا قال : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } [الفاتحة : 4] ، قال (1) مجدني عبدي " - وقال مرة : " فوض إلي عبدي - فإذا قال : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة : 5] ، قال : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : { اهدنا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } [الفاتحة : 6 ، 7] ، قال (2) هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ".
وهكذا رواه النسائي ، عن إسحاق بن راهويه (3). وقد روياه - أيضًا - عن قتيبة ، عن مالك ، عن العلاء ، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة ، عن أبي هريرة ، به (4) وفي هذا السياق : " فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ".
وكذا رواه ابن إسحاق ، عن العلاء ، وقد رواه مسلم من حديث ابن جُرَيْج ، عن العلاء ، عن أبي السائب هكذا (5).
ورواه - أيضًا - من حديث ابن أبي أويس ، عن العلاء ، عن أبيه وأبي السائب ، كلاهما عن أبي هريرة (6).
وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، وسألت أبا زُرْعَة عنه فقال : كلا الحديثين صحيح ، من قال : عن العلاء ، عن أبيه ، وعن العلاء عن أبي السائب (7).
وقد روى هذا الحديث عبد الله ابن الإمام أحمد ، من حديث العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن أبيّ بن كعب مطولا (8).
قال (9) ابن جرير : حدثنا صالح بن مسمار المروزي ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا عَنْبسة بن سعيد ، عن مُطَرَّف بن طريف ، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرَة ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، وله ما سأل ، فإذا قال العبد : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } قال : حمدني عبدي ، وإذا قال : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قال : أثنى علي عبدي. ثم قال : هذا لي وله ما بقي " (10)
وهذا غريب من هذا الوجه.
__________
(1) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "والصحيح".
(2) في جـ ، ط ، ب ، و : "قرأ بهن" ، وفي أ : "قرأهن".
(3) الحديث وقع لي في سنن النسائي (2/177) من حديث حذيفة ، رضي الله عنه.
(4) زيادة من أ ، و.
(5) في أ : "وأعطيت السبع المثاني".
(6) فضائل القرآن (ص120) ورواه الطبري في تفسيره (1/100) من طريق رواد بن الجراح عن سعيد بن بشير به ، ورواه الطبري في تفسيره (1/100) من طريق الطيالسي عن عمران - أبي العوام - عن قتادة به ، ورواه الطبري في تفسيره (1/101) من طريق ليث بن أبي سليم عن أبي بردة عن أبي المليح به نحوه.
(7) زيادة من ب.
(8) في ب : "قال أيضا".
(9) في جـ : "عمر".
(10) فضائل القرآن (ص120).

(1/107)


ثم الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة (1) من وجوه :
أحدها : أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة ، والمراد القراءة كقوله تعالى : { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا } [الإسراء : 110] ، أي : بقراءتك كما جاء مصرحًا به في الصحيح ، عن ابن عباس (2) وهكذا قال في هذا الحديث : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل " ثم بيّن تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة فدل على عظم (3) القراءة في الصلاة ، وأنها من أكبر أركانها ، إذ أطلقت العبادة وأريد بها (4) جزء واحد منها وهو القراءة ؛ كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله : { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء : 78] ، والمراد صلاة الفجر ، كما جاء مصرحا به في الصحيحين : من أنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار ، فدل هذا كله على أنه لا بد من القراءة في الصلاة ، وهو اتفاق من العلماء.
ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في الوجه الثاني ، وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب ، أم تجزئ هي أو غيرها ؟ على قولين مشهورين ، فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم أنها لا تتعين ، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة ، واحتجوا بعموم قوله تعالى : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } [المزمل : 20] ، وبما ثبت في الصحيحين ، من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته (5) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " إذا قمت إلى الصلاة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " (6) قالوا : فأمره بقراءة ما تيسر ، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها ، فدل على ما قلناه.
والقول الثاني : أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ، ولا تجزئ الصلاة بدونها ، وهو قول بقية الأئمة : مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء ؛ واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور ، حيث قال صلوات الله وسلامه عليه : " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاج " والخداج هو : الناقص كما فسَّر به في الحديث : " غير تمام ". واحتجوا - أيضًا - بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهريّ ، عن محمود بن الربيع ، عن عبادة بن الصّامت ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (7). وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن " (8) والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، ووجه المناظرة هاهنا يطول ذكره ، وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك ، رحمهم الله.
ثم إن مذهب الشافعيّ وجماعة من أهل العلم : أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون : إنما تجب قراءتها في معظم الركعات ، وقال الحسن وأكثر البصريين : إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من
__________
(1) المسند (6/73).
(2) المسند (6/82).
(3) المسند (6/73).
(4) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فلا أدري".
(5) في جـ ، ط ، ب : "القارئ".
(6) في جـ : "خمس".
(7) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(8) في هـ : "عيسى".

(1/108)


الصلوات ، أخذا بمطلق الحديث : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ".
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي : لا تتعين (1) قراءتها ، بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } [المزمل : 20] ، [كما تقدم] (2) والله أعلم.
وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد مرفوعًا : " لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها " (3). وفي صحة هذا نظر ، وموضح (4) تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير ، والله أعلم.
الوجه الثالث : هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم ؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء :
أحدها : أنه تجب عليه قراءتها ، كما تجب على إمامه ؛ لعموم الأحاديث المتقدمة.
والثاني : لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها ، لا في الصلاة الجهرية ولا السرية ، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " ولكن في إسناده ضعف (5). ورواه مالك ، عن وهب بن كَيْسَان ، عن جابر من كلامه (6). وقد روي هذا الحديث من طرق ، ولا يصح شيء منها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم.
والقول الثالث : أنه تجب القراءة على المأموم في السرية ، لما (7) تقدم ، ولا تجب (8) في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما جعل الإمام ليؤتم به ؛ فإذا كبَّر فكبّروا ، وإذا قرأ فأنصتوا " وذكر بقية الحديث (9).
وهكذا رواه أهل السنن ؛ أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " وإذا قرأ فأنصتوا " (10). وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضا ، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول وهو قول قديم للشافعي ، رحمه الله ، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل (11).
__________
(1) رواه الطبراني في الأوسط برقم (3450) "مجمع البحرين" والبيهقي في شعب الإيمان برقم (2582) من طريق عُبيس بن ميمون ، عن موسى بن أنس به ، وقال البيهقي : "عُبيس بن ميمون منكر الحديث : وهذا لا يصح ، وإنما روى عن ابن عمر من قوله".
(2) ف جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الصحيح".
(3) في و : "يقول".
(4) صحيح البخاري برقم (1747) وصحيح مسلم برقم (1296).
(5) في هـ : "مربد" وهو خطأ.
(6) في جـ : "تأخرا في أصحابه".
(7) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (17/133) من طريق علي بن قتيبة عن شعبة عن عقيل بن أبي طلحة به ، وجاء من حديث أنس ، رواه أبو يعلى في مسنده (6/289) من طريق عمرو بن عاصم عن أبي العوام عن معمر عن الزهري عن أنس رضي الله عنه.
(8) في ب : "سورة البقرة".
(9) جاء من حديث العباس ، رواه مسلم في صحيحه برقم (1775) من طريق الزهري ، عن كثير بن عباس عن أبيه العباس رضي الله عنه.
(10) في جـ ، ط ، ب ، و : "حبيش".
(11) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (12/502) من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه قال : "كان شعار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم مسيلمة : "يا أصحاب سورة البقرة".

(1/109)


والغرض من ذكر هذه المسائل هاهنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور ، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد (1) الجوهريّ ، حدثنا غسان بن عبيد ، عن أبي عمران الجَوْني ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا وضعت جنبك على الفراش ، وقرأت فاتحة الكتاب و { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } فقد أمنت من كل شيء إلا الموت " (2)
الكلام على تفسير الاستعاذة (3) قال الله تعالى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأعراف : 199 ، 200] ، وقال تعالى : { ادفع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } [المؤمنون : 96 - 98] وقال تعالى : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [فصلت : 34 - 36].
فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها ، وهو أن الله يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ، ليرده عنه طبعُهُ الطَّيب الأصل (4) إلى الموادة (5) والمصافاة ، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة ؛ إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم ، لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل ؛ كما قال تعالى : { يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ } [الأعراف : 27] وقال : { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [فاطر : 6] وقال { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا } [الكهف : 50] ، وقد أقسم للوالد إنه لمن الناصحين ، وكذب ، فكيف معاملته لنا وقد قال : { فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } [ص : 82 ، 83] ، وقال (6) تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [النحل : 98 ، 99]
قالت طائفة من القراء وغيرهم : نتعوذ بعد القراءة ، واعتمدوا على ظاهر سياق الآية ، ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة ؛ وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيما ذكره (7) ابن قلوقا عنه ، وأبو حاتم السجستاني ، حكى ذلك أبو القاسم يوسف بن علي بن جُبارة الهذلي المغربي في كتاب " الكامل ".
وروي عن أبي هريرة - أيضا - وهو غريب.
__________
(1) تفسير القرطبي (1/154).
(2) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(3) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(4) صحيح البخاري برقم (891) وصحيح مسلم برقم (880).
(5) في ط ، ب ، أ ، و : "السورة".
(6) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(7) في جـ : "وروي".

(1/110)


[ونقله فخر الدين محمد بن عمر الرازي (1) في تفسيره عن ابن سيرين في رواية عنه قال : وهو قول إبراهيم النخعي وداود بن علي الأصبهاني الظاهري ، وحكى القرطبي عن أبي بكر بن العربي عن المجموعة عن مالك ، رحمه الله تعالى ، أن القارئ يتعوذ بعد الفاتحة ، واستغربه ابن العربي. وحكى قول ثالث وهو الاستعاذة أولا وآخرا جمعا بين الدليلين نقله فخر الدين (2) ] (3).
والمشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة لدفع الوسواس فيها ، إنما تكون قبل التلاوة ، ومعنى الآية عندهم : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل : 98] أي : إذا أردت القراءة كقوله : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } الآية [المائدة : 6] أي : إذا أردتم القيام. والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله :
حدثنا محمد بن الحسن بن آتش (4) حدثنا جعفر بن سليمان ، عن علي بن علي الرفاعي اليشكري ، عن أبي المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدريّ ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبَّر قال : " سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك ". ويقول : " لا إله إلا (5) الله " ثلاثًا ، ثم يقول : " أعوذ بالله السميع العليم ، من الشيطان الرجيم ، من هَمْزه ونَفْخِه ونَفْثه ".
وقد رواه أهل السنن الأربعة من رواية جعفر بن سليمان ، عن علي بن علي ، وهو الرّفاعي (6) ، وقال الترمذي : هو أشهر حديث في هذا الباب. وقد فسَر الهمز بالموتة وهي الخنق ، والنَّفخ بالكبر ، والنفث بالشعر. كما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث شعبة ، عن عمرو بن مُرّة ، عن عاصم العَنزيّ ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل في الصلاة ، قال : " الله أكبر كبيرًا ، ثلاثًا ، الحمد لله كثيرا ، ثلاثًا ، سبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا ، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من هَمْزه ونَفْخه ونفْثه ".
قال عمرو : وهمزه الموتة ، ونفخه الكبر ، ونفثه الشعر (7).
وقال ابن ماجه : حدثنا علي بن المنذر ، حدثنا ابن فُضيل ، حدثنا عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم ، وهَمْزه ونفخه ونفثه ".
قال : همزه : الموتة ، ونَفْثُه : الشعر ، ونفخه : الكِبْر (8).
__________
(1) في جـ : "اسمه اللطيف" ، وفي أ : "اسم لطيف".
(2) في جـ : "المجيد".
(3) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فالألف".
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وما أشبهه".
(6) في أ : "هنا".
(7) في ط ، ب : "كل من".
(8) البيت في تفسير الطبري (1/212).

(1/111)


وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف ، حدثنا شريك ، عن يعلى بن عطاء ، عن رجل حدثه : أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبَّر ثلاثًا ، ثم قال : " لا إله إلا الله " ثلاث مرات ، وسبحان الله وبحمده " ، ثلاث مرات. ثم قال : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ونفثه (1).وقال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده : حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان الكوفي ، حدثنا علي بن هشام بن البريد عن يزيد بن زياد ، عن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، قال : تلاحى رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فَتَمزّع أنف أحدهما غضبا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأعلم شيئا لو قاله ذهب عنه ما يجد : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".
وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة ، عن يوسف بن عيسى المروزي ، عن الفضل بن موسى ، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد (2) ، به (3).
وقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل ، عن أبي سعيد ، عن زائدة ، وأبو داود عن يوسف بن موسى ، عن جرير بن عبد الحميد ، والترمذي ، والنسائي في اليوم والليلة عن بُنْدَار ، عن ابن مهدي ، عن الثوري ، والنسائي - أيضًا - من حديث زائدة بن قدامة ، ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل ، قال : استَب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب أحدهما غضبًا شديدًا حتى خُيّل إليّ أن أحدهما يَتَمزّع أنفه من شدة غضبه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب " قال : ما هي يا رسول الله ؟ قال : " يقول : اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم ". قال : فجعل معاذ يأمره ، فأبى [ومحك] (4) ، وجعل يزداد غضبًا. وهذا لفظ أبي داود (5).وقال الترمذي : مرسل ، يعني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل ، فإنه مات قبل سنة عشرين.
قلت : وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبيّ بن كعب ، كما تقدم وبلغه عن معاذ بن جبل ، فإن هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة ، رضي الله عنهم. قال البخاري : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن عدي بن ثابت ، قال : قال سليمان بن صُرَد : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحن عنده جلوس ، فأحدهما يسب صاحبه مغضَبًا قد احمر وجهه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ،
__________
(1) البيت في تفسير الطبري (1/213).
(2) تفسير القرطبي (1/156) والحديث رواه ابن ماجة في السنن برقم (2620) من طريق يزيد بن أبي زياد ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه به مرفوعا ، وقال البوصيري في الزوائد (2/334) : "هذا إسناد ضعيف ، يزيد بن أبي زياد الدمشقي قال فيه البخاري وأبو حاتم : منكر الحديث".
تنبيه : وقع في بعض النسخ المساعدة : قال سفيان ، بدل شقيق ، والذي في تفسير القرطبي موافق لما هاهنا ، وقد روي هذا القول عن سفيان الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (2329).
(3) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(5) في ب ، و : "لخص" ، وفي جـ ، ط : "يخص".

(1/112)


لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " فقالوا للرجل : ألا تسمع ما يقول رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم قال : إني لست بمجنون (2).
وقد رواه - أيضًا - مع مسلم ، وأبي داود ، والنسائي ، من طرق متعددة ، عن الأعمش ، به (3).
وقد جاء في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا ، وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال ، والله أعلم. وقد رُوِيَ أن جبريل عليه السلام ، أوّل ما نزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالاستعاذة ، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير :
حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشر بن عمارة ، حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال : يا محمد ، استعذ. قال : " أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " ثم قال : قل : بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } قال عبد الله : وهي أول سورة أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم ، بلسان جبريل (4).وهذا الأثر غريب ، وإنما ذكرناه ليعرف ، فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا ، والله أعلم.
مسألة : وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها ، وحكى فخر الدين عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة قال : وقال ابن سيرين : إذا تعوذ مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب ، واحتج فخر الدين لعطاء بظاهر الآية : { فَاسْتَعِذْ } وهو أمر ظاهره الوجوب وبمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، ولأنها تدرأ شر الشيطان وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ولأن الاستعاذة أحوط وهو أحد مسالك الوجوب. وقال بعضهم : كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم دون أمته ، وحكي عن مالك أنه لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ لقيام شهر رمضان في أول ليلة منه.
مسألة : وقال الشافعي في الإملاء ، يجهر بالتعوذ ، وإن أسر فلا يضر ، وقال في الأم بالتخيير لأنه أسر ابن عمر وجهر أبو هريرة ، واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى : هل يستحب التعوذ فيها ؟ على قولين ، ورجح عدم الاستحباب ، والله أعلم. فإذا قال المستعيذ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة وزاد (5) بعضهم : أعوذ بالله السميع العليم ، وقال آخرون : بل يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم ، قاله الثوري والأوزاعي وحكي عن بعضهم أنه يقول : أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لمطابقة أمر الآية ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور ، والأحاديث الصحيحة ، كما تقدم ، أولى بالاتباع من هذا ، والله أعلم.
مسألة : ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف :
__________
(1) في ط : "وما".
(2) في ط : "إذا".
(3) في ب : "ولا".
(4) في جـ ، ط : "لا ينبغي".
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب.

(1/113)


بل للصلاة ، فعلى هذا يتعوذ المأموم وإن كان لا يقرأ ، ويتعوذ في العيد بعد الإحرام وقبل تكبيرات العيد ، والجمهور بعدها قبل القراءة.
ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث ، وتطييب له وتهيؤ لتلاوة كلام الله وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه ، ولا يقبل مصانعة ، ولا يدارى بالإحسان ، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات القرآن في ثلاث من المثاني ، وقال تعالى : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا } [الإسراء : 65] ، وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري يوم بدر ، ومن قتله العدو البشري كان شهيدًا ، ومن قتله العدو الباطني كان طرِيدًا ، ومن غلبه العدو الظاهر كان مأجورًا ، ومن قهره العدو الباطن كان مفتونا أو موزورًا ، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان.
فصل : والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر ، والعياذة تكون لدفع الشر ، واللياذ يكون لطلب جلب الخير كما قال المتنبي :
يا من ألوذ به فيما أؤمله... ومن أعوذ به ممن أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره... ولا يهيضون عظما أنت جابره (1)
فصل معنى الاستعاذة
ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، أي : أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي ، أو يصدني عن فعل ما أمرت به ، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه ؛ فإن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله ؛ ولهذا أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته (2) بإسداء الجميل إليه ، ليرده طبعه عمَّا هو فيه من الأذى ، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل ؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه ، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة ، قوله في الأعراف : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين } [الأعراف : 199] ، فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر ، ثم قال : { وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأعراف : 200] ، وقال تعالى في سورة " قد أفلح المؤمنون " : { ادفع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } [المؤمنون : 96 - 98] ، وقال تعالى في سورة " حم السجدة " : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [فصلت : 34 - 36].
__________
(1) في ط : "أنعم".
(2) في جـ : "أبو إياس".

(1/114)


والشيطان في لغة العرب مشتق من شَطَن إذا بعد ، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر ، وبعيد بفسقه عن كل خير ، وقيل : مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار ، ومنهم من يقول : كلاهما صحيح في المعنى ، ولكن الأول أصح ، وعليه يدل كلام العرب ؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان ، عليه (1) السلام :
أيما شاطِنٍ عصاه عكاه... ثمّ يُلْقى في السِّجْن والأغلال (2)
فقال : أيما شاطن ، ولم يقل : أيما شائط.
وقال النابغة الذبياني - وهو : زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذُبْيان - :
نأت بسعاد عنك نَوًى شَطُونُ... فبانت والفؤادُ بها رَهِينُ (3)
يقول : بعدت بها طريق بعيدة.
[وقال سيبويه : العرب تقول : تشيطن فلان إذا فَعَل فِعْل الشيطان ولو كان من شاط لقالوا : تشيط] (4).والشيطان (5) مشتق من البعد على (6) الصحيح ؛ ولهذا يسمون كل ما (7) تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطانًا ، قال الله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } [الأنعام : 112]. وفي مسند الإمام أحمد ، عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا ذر ، تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن " ، فقلت : أو للإنس شياطين ؟ قال : " نعم " (8).وفي صحيح مسلم عن أبي ذر - أيضًا - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود ". فقلت : يا رسول الله ، ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر (9) فقال : " الكلب الأسود شيطان " (10).وقال ابن وهب : أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، ركب برْذونًا ، فجعل يتبخْتر به ، فجعل لا يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا ، فنزل عنه ، وقال : ما حملتموني (11) إلا على شيطان ، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده (12) صحيح (13).
__________
(1) في جـ ، ط : "من يهود".
(2) زيادة من ب.
(3) في جـ ، ط : "أجاءك".
(4) في جـ : "ما نعلمهم".
(5) في أ : "فقال".
(6) في جـ : "تسعون" ، وفي ط ، ب ، أ ، و : "ستون".
(7) في جـ : "إحدى وستون".
(8) في جـ ، أ ، و : "هل مع هذا غيره يا محمد".
(9) في جـ ، ط ، ب ، و : "ماذا".
(10) في جـ ، ط ، ب : "هذه".
(11) في جـ : "أبو إياس".
(12) في جـ : "إحدى وستون".
(13) في جـ : "أربع وثلاثين سنة".

(1/115)


والرّجيم : فعيل بمعنى مفعول ، أي : إنه مرجوم مطرود عن الخير كله ، كما قال تعالى : { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ } [الملك : 5] ، وقال تعالى : { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } [الصافات : 6 - 10] ، وقال تعالى : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ } [الحجر : 16 - 18] ، إلى غير ذلك من الآيات.
[وقيل : رجيم بمعنى راجم ؛ لأنه يرجم الناس بالوساوس والربائث والأول أشهر] (1).
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) }.
افتتح بها الصحابةُ كتاب الله ، واتّفق العلماء على أنها بعض آية من سورَة النمل ، ثمّ اختلفوا : هل هي آية مستقلة في أوّل كل سورة ، أو من أول كل سورة كتبت في أوّلها ، أو أنها بعض آية من أوّل كل سورة ، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها ، أو أنها [إنما] (2) كتبت للفصل ، لا أنها (3) آية ؟ على أقوال للعلماء سلفًا وخلفًا ، وذلك مبسوط في غير هذا الموضع.
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضًا (4) ، وروي مرسلا عن سعيد بن جُبَير. وفي صحيح ابن خزيمة ، عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدّها آية ، لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي ، وفيه ضعف ، عن ابن جُرَيْج ، عن ابن أبي مُلَيْكَة ، عنها (5).وروى له الدارقطني متابعًا ، عن أبي هريرة مرفوعًا (6). وروى مثله عن علي وابن عباس وغيرهما (7).وممن حكي عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة : ابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وأبو هريرة ، وعليّ. ومن التابعين : عطاء ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، والزهري ، وبه يقول عبد الله بن المبارك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، في رواية عنه ، وإسحاق بن رَاهوَيه ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، رحمهم الله.
__________
(1) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (2/208) والطبري في تفسيره (1/217) من طريق ابن إسحاق ، وأطنب العلامة أحمد شاكر في الكلام عليه في حاشية تفسير الطبري.
(2) في و : "أطم وأعظم" ، وفي أ : "أعظم وأعظم".
(3) في جـ ، : "أغرب".
(4) في جـ ، ط : "ناس".
(5) هو كعب بن مالك ، والبيت في اللسان ، مادة "ريب".
(6) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(7) في جـ ، ط ، ب : "منزل".

(1/116)


وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، وقال الشافعي في قول ، في بعض طرق مذهبه : هي آية من الفاتحة وليست من غيرها ، وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة ، وهما غريبان.
وقال داود : هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها ، وهذه رواية عن الإمام أحمد بن حنبل. وحكاه أبو بكر الرازي ، عن أبي الحسن الكرخي ، وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة ، رحمهم الله (1).هذا ما يتعلق بكونها من الفاتحة أم لا. فأمَّا ما يتعلق بالجهر بها ، فمفرّع على هذا ؛ فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها ، وكذا من قال : إنها آية من (2) أوّلها ، وأمَّا من قال بأنها من أوائل السور فاختلفوا ؛ فذهب الشافعي ، رحمه الله ، إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة ، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفًا وخلفًا (3) ، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة ، وابن عمر ، وابن عباس ، ومعاوية ، وحكاه ابن عبد البر ، والبيهقي عن عمر وعليّ ، ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة ، وهم : أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ، وهو غريب. ومن التابعين عن سعيد بن جبير ، وعِكْرِمة ، وأبي قِلابة ، والزهري ، وعليّ بن الحسين ، وابنه محمد ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وسالم ، ومحمد بن كعب القرظي ، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وأبي وائل ، وابن سيرين ، ومحمد بن المنْكَدِر ، وعلي بن عبد الله بن عباس ، وابنه محمد ، ونافع مولى ابن عمر ، وزيد بن أسلم ، وعمر بن عبد العزيز ، والأزرق بن قيس ، وحبيب بن أبي ثابت ، وأبي الشعثاء ، ومكحول ، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن. زاد البيهقيّ : وعبد الله بن صفوان ، ومحمد بن الحنفية. زاد ابن عبد البر : وعمرو بن دينار.
والحُجَّة في ذلك أنها بعض الفاتحة ، فيجهر بها كسائر أبعاضها ، وأيضًا فقد روى النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ، والحاكم في مستدركه ، عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة ، وقال بعد أن فرغ : إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم (4).
وروى أبو داود والترمذي ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال الترمذي : وليس إسناده بذاك (5).
وقد رواه الحاكم في مستدركه ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، ثم قال : صحيح (6) وفي صحيح البخاري ، عن أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة
__________
(1) زيادة من جـ ، ط.
(2) في جـ ، ب : "نور".
(3) في جـ : "يعني نورا للمؤمنين".
(4) في جـ : "يتعوذون".
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(6) في ب : "البأس".

(1/117)


رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كانت قراءته مدا ، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، يمد بسم الله ، ويمد الرحمن ، ويمد الرحيم (1).
وفي مسند الإمام أحمد ، وسنن أبي داود ، وصحيح ابن خزيمة ، ومستدرك الحاكم ، عن أم سلمة ، قالت (2) : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته : بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. وقال الدارقطني : إسناده صحيح (3).
وروى الشافعي ، رحمه الله ، والحاكم في مستدركه ، عن أنس : أن معاوية صلى بالمدينة ، فترك البسملة ، فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك ، فلما صلى المرّة الثانية بسمل (4).
وفي هذه الأحاديث ، والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها ، فأما المعارضات والروايات الغريبة ، وتطريقها ، وتعليلها وتضعيفها ، وتقريرها ، فله موضع آخر.
وذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة ، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل ، وطوائف من سلف التابعين والخلف ، وهو مذهب أبي حنيفة ، والثوري ، وأحمد بن حنبل.
وعند الإمام مالك : أنه لا يقرأ البسملة بالكلية ، لا جهرًا ولا سرًا ، واحتجوا بما في صحيح مسلم ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بالحمد لله رب العالمين (5). وبما في الصحيحين ، عن أنس بن مالك ، قال : صلَّيْتُ خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين. ولمسلم : لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أوّل قراءة ولا في آخرها (6). ونحوه في السنن عن عبد الله بن مُغَفَّل ، رضي الله عنه (7).
فهذه مآخذ الأئمة ، رحمهم الله ، في هذه المسألة وهي قريبة ؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر ، ولله الحمد والمنة (8). فصل
في فضلها
قال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ، رحمه الله ، في تفسيره :
__________
(1) سنن الترمذي برقم (2451) وسنن ابن ماجه برقم (4215).
(2) تفسير ابن أبي حاتم (1/33) وفي إسناده ميمون القصاب ضعيف.
(3) سنن ابن ماجة برقم (1857) من طريق عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم ، عن أبي أمامة رضي الله عنه ، وقال البوصيري في الزوائد (2/70) : "هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف ، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه".
(4) في جـ ، ط : "وأفردنا".
(5) في جـ ، ط : "رسول الله".
(6) في أ : "بأن".
(7) في أ : "زيد".
(8) سنن سعيد بن منصور برقم (180) تحقيق د. الحميد.

(1/118)


حدثنا أبي ، حدثنا جعفر بن مسافر ، حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني ، حدثنا سلام بن وهب الجَنَديّ ، حدثنا أبي ، عن طاوس ، عن ابن عباس ؛ أن عثمان بن عفان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم. فقال : "هو اسم من أسماء الله ، وما بينه وبين اسم الله الأكبر ، إلا كما بين سواد العينين وبياضهما (1) من القرب".
وهكذا رواه أبو بكر بن مَرْدُويه ، عن سليمان بن أحمد ، عن عليّ بن المبارك ، عن زيد بن المبارك ، به (2).
وقد روى الحافظ ابن مَرْدُويه من طريقين ، عن إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن مِسْعَر ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتَّاب ليعلمه ، فقال المعلم : اكتب ، قال (3) ما أكتب ؟ قال : بسم الله ، قال له عيسى : وما باسم الله ؟ قال المعلم : ما أدري (4). قال له عيسى : الباء بَهاءُ الله ، والسين سناؤه ، والميم مملكته ، والله إله الآلهة ، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة ، والرحيم رحيم الآخرة".
وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن العلاء الملقب : زِبْرِيق ، عن إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود ، ومسعر ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فذكره (5). وهذا غريب جدًا ، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات ، والله أعلم.
وقد روى جُوَيبر (6) ، عن الضحَّاك ، نحوه من قبله.
وقد روى ابن مَرْدُويه ، من حديث يزيد بن خالد ، عن سليمان بن بريدة ، وفي رواية عن عبد الكريم أبي (7) أمية ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ؛ أن رسول الله (8) صلى الله عليه وسلم قال : "أنزلت عليّ آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن داود وغيري ، وهي بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (9).
وروي بإسناده عن عبد الكبير (10) بن المعافى بن عمران ، عن أبيه ، عن عمر بن ذَرّ ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله ، قال : لما نزل { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } هرب الغيم إلى المشرق ، وسكنت الرياح ، وهاج البحر ، وأصغت البهائم بآذانها ، ورُجِمت الشياطين من السماء ،
__________
(1) تفسير ابن أبي حاتم (1/34) والمستدرك (2/260).
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(3) في هـ : "أسد".
(4) في جـ : "فعدنا".
(5) في جـ : "أأحد".
(6) المسند (4/106) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (4/33) : "واختلف فيه على الأوزاعي ، فقال الأكثر : عن أسيد عن خالد بن دريك عن ابن محيريز. وقال ابن شماسة : عن الأوزاعي عن أسيد عن صالح بن محمد حدثني أبو جمعة به" وقال في فتح الباري (7/6) : "إسناده حسن".
(7) في جـ : "انصرفنا".
(8) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (4/23) عن بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح به.
(9) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (4/23) من طريق ضمرة بن ربيعة به.
(10) جزء الحسن بن عرفة برقم (19).

(1/119)


وحلف الله تعالى بعزته وجلاله (1) ألا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه (2).
[وقال وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال : من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ، ليجعل الله له من كل حرف منها جنة من كل واحد ، ذكره ابن عطية والقرطبي (3) ووجهه ابن عطية ونصره بحديث : "فقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها" (4) لقول الرجل : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفا وغير ذلك] (5).
وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عاصم ، قال : سمعت أبا تميمة يحدث ، عن رديف النبي صلى الله عليه وسلم قال : عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : تَعِس الشيطان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تقل تعس الشيطان. فإنك إذا قلت : تعس الشيطان تعاظم ، وقال : بقوتي صرعته ، وإذا قلت : باسم الله ، تصاغر حتى يصير مثل الذباب".
هكذا وقع في رواية الإمام أحمد (6) وقد روى (7) النسائي في اليوم والليلة ، وابن مَرْدُويه في تفسيره ، من حديث خالد الحذاء ، عن أبي تميمة هو الهجيمي ، عن أبي المليح بن أسامة بن عمير ، عن أبيه ، قال : كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقال : "لا تقل هكذا ، فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت ، ولكن قل : بسم الله ، فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة" (8).فهذا من تأثير بركة بسم الله ؛ ولهذا تستحب في أوّل كل عمل وقول. فتستحب في أوّل الخطبة لما جاء : "كل أمر (9) لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم ، فهو أجذم" (10) ، [وتستحب البسملة عند دخول الخلاء ولما ورد من الحديث في ذلك (11) ] (12) ، وتستحب في أوّل الوضوء لما جاء في مسند الإمام أحمد والسنن ، من رواية أبي هريرة ، وسعيد بن زيد ، وأبي سعيد مرفوعًا : "لا وضوء لمن لم
__________
(1) مسند أبي يعلى (1/147) والمستدرك (4/85) وتعقب الذهبي الحاكم فقال : "بل ضعفوه".
(2) رواه البزار في مسنده (2840) "كشف الأستار" من طريق سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، وقال : "غريب من حديث أنس".
(3) في هـ : "نويلة".
(4) في جـ : "المسجد الأقصى".
(5) في جـ ، ط : "بيت الله".
(6) في طـ ، ب ، أ ، و : "مستقبلوا".
(7) تفسير ابن أبي حاتم (1/36) وفي إسناده إسحاق بن إدريس قال البخاري : "تركه الناس". وقال ابن معين : "يضع الحديث". ورواه الطبراني في المعجم الكبير (24/207) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري ، عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه به نحوه.
(8) في جـ ، ط : "إقام".
(9) في جـ ، ط ، ب : "تمام".
(10) في طـ : "إقام".
(11) في جـ : "لها".
(12) في جـ : "وإتمام الركوع والسجود".

(1/120)


يذكر اسم الله عليه" (1) ، وهو حديث حسن. ومن العلماء من أوجبها عند الذكر هاهنا ، ومنهم من قال بوجوبها مطلقًا ، وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة ، وأوجبها آخرون عند الذكر ، ومطلقا في قول بعضهم ، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله ، وقد ذكر الرازي في تفسيره في فضل البسملة أحاديث منها : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا أتيت أهلك فسم الله ؛ فإنه إن ولد لك ولد كتب لك بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات" وهذا لا أصل له ، ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها.
وهكذا تستحب عند الأكل لما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لربيبه عمر بن أبي سلمة : "قل : باسم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك" (2). ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه ، وكذلك تستحب عند الجماع لما في الصحيحين ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال : باسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا" (3).
ومن هاهنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلق بالباء في قولك : باسم الله ، هل هو اسم أو فعل متقاربان وكل قد ورد به القرآن ؛ أما من قدره باسم ، تقديره : باسم الله ابتدائي ، فلقوله تعالى : { وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [هود : 41] ، ومن قدره بالفعل [أمرًا وخبرًا نحو : أبدَأ ببسم الله أو ابتدأت ببسم الله] (4) ، فلقوله : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق : 1] وكلاهما صحيح ، فإن الفعل لا بُدّ له من مصدر ، فلك أن تقدر الفعل ومصدره ، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله ، إن كان قيامًا أو قعودًا أو أكلا أو شربًا أو قراءة أو وضوءًا أو صلاة ، فالمشروع ذكر [اسم] (5) الله في الشروع في ذلك كله ، تبركًا وتيمنًا واستعانة على الإتمام والتقبل ، والله أعلم ؛ ولهذا روى ابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث بشر بن عُمَارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : إن أوّل ما نزل به جبريل على محمد (6) صلى الله عليه وسلم قال : "يا محمد قل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ، ثم قال : قل : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قال : قال له جبريل : قل : باسم الله يا محمد ، يقول : اقرأ بذكر الله ربك ، وقم ، واقعد بذكر الله. [هذا] (7) لفظ ابن جرير (8).
وأما مسألة الاسم : هل هو المسمى أو غيره ؟ ففيها للناس ثلاثة أقوال :
[أحدها : أن الاسم هو المسمى ، وهو قول أبي عبيدة وسيبويه ، واختاره الباقلاني وابن فورك ، وقال فخر الدين الرازي - وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب الري - في مقدمات تفسيره :
__________
(1) في جـ : "النبي".
(2) في جـ ، ط ، ب : "قربانا".
(3) صحيح البخاري برقم (8) وصحيح مسلم برقم (16).
(4) البيت في تفسير الطبري (1/242).
(5) في ب : "الآخر".
(6) البيت في تفسير الطبري (1/242).
(7) زيادة من ط.
(8) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فيها".

(1/121)


قالت الحشوية والكرامية والأشعرية : الاسم نفس المسمى وغير التسمية ، وقالت المعتزلة : الاسم غير المسمى ونفس التسمية ، والمختار عندنا : أن الاسم غير المسمى وغير التسمية ، ثم نقول : إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات مقطعة وحروف مؤلفة ، فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمى ، وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى ، فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات وهو عبث ، فثبت أن الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث.
ثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى ، بأنه قد يكون الاسم موجودًا والمسمى مفقودًا كلفظة المعدوم ، وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعددة كالمترادفة وقد يكون الاسم واحدًا والمسميات متعددة كالمشترك ، وذلك دال على تغاير الاسم والمسمى ، وأيضا فالاسم لفظ وهو عرض والمسمى قد يكون ذاتا ممكنة أو واجبة بذاتها ، وأيضًا فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمى لوجد اللافظ بذلك حر النار أو برد الثلج ونحو ذلك ، ولا يقوله عاقل ، وأيضا فقد قال الله تعالى : { وللهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [الأعراف : 180] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" (1) ، فهذه أسماء كثيرة والمسمى واحد وهو الله تعالى ، وأيضا فقوله : { وللهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } أضافها إليه ، كما قال : { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [الواقعة : 74 ، 96] ونحو ذلك. والإضافة تقتضي المغايرة وقوله : { فَادْعُوهُ بِهَا } أي : فادعوا الله بأسمائه ، وذلك دليل على أنها غيره ، واحتج من قال : الاسم هو المسمى ، بقوله تعالى : { تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ } [الرحمن : 78] والمتبارك هو الله. والجواب : أن الاسم معظم لتعظيم الذات المقدسة ، وأيضا فإذا قال الرجل : زينب طالق ، يعني امرأته طالق ، طلقت ، ولو كان الاسم غير المسمى لما وقع الطلاق ، والجواب : أن المراد أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق. قال الرازي : وأما التسمية فإنها جعل الاسم معينا لهذه الذات فهي غير الاسم أيضا ، والله أعلم] (2).
{ الله } عَلَمٌ على الرب تبارك وتعالى ، يقال : إنه الاسم الأعظم ؛ لأنه يوصف بجميع الصفات ، كما قال تعالى : { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [الحشر : 22 - 24] ، فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له ، كما قال تعالى : { وللهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } وقال تعالى : { قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } [الإسراء : 110] وفي الصحيحين ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة" (3) ، وجاء تعدادها في رواية الترمذي ، [وابن
__________
(1) في أ ، و : "حاجاته".
(2) في أ : "في".
(3) في أ : "يكشفا".

(1/122)


ماجه (1) وبين (2) الروايتين اختلاف زيادات ونقصان ، وقد ذكر فخر الدين الرازي في تفسيره عن بعضهم أن لله خمسة آلاف اسم : ألف في الكتاب والسنة الصحيحة ، وألف في التوراة ، وألف في الإنجيل ، وألف في الزبور ، وألف في اللوح المحفوظ] (3).
وهو اسم لم يسم به غيره تبارك وتعالى ؛ ولهذا لا يعرف في كلام العرب له اشتقاق من فعل ويفعل ، فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له. وقد نقل القرطبي عن جماعة من العلماء منهم الشافعي والخطابي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم ، وروي عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمة. قال الخطابي : ألا ترى أنك تقول : يا الله ، ولا تقول : يا الرحمن ، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام (4).وقيل : إنه مشتق ، واستدلوا عليه بقول رؤْبَة بن العَجّاج :
لله در الغانيات المُدّه... سبحن واسترجعن من تألهي (5)
فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر ، وهو التأله ، من أله يأله إلاهة وتألهًا ، كما روي أن ابن عباس قرأ : "ويذرك وَإلاهَتَك" قال : عبادتك ، أي : أنه كان يُعْبَد ولا يَعْبُد ، وكذا قال مجاهد وغيره.
وقد استدل بعضهم على كونه مشتقا بقوله : { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ } [الأنعام : 3] أي : المعبود في السماوات والأرض ، كما قال : { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ } [الزخرف : 84] ، ونقل سيبويه عن الخليل : أن أصله : إلاه ، مثل فعال ، فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة ، قال سيبويه : مثل الناس ، أصله : أناس ، وقيل : أصل الكلمة : لاه ، فدخلت الألف واللام للتعظيم وهذا اختيار سيبويه. قال الشاعر :
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب... عني ولا أنت دياني فتخزوني (6)
قال القرطبي : بالخاء المعجمة ، أي : فتسوسني ، وقال الكسائي والفراء : أصله : الإله حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية ، كما قال : { لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي } [الكهف : 38] أي : لكن أنا ، وقد قرأها كذلك الحسن ، قال القرطبي : ثم قيل : هو مشتق من وله : إذا تحير ، والوله ذهاب العقل ؛ يقال : رجل واله ، وامرأة ولهى ، وماء موله : إذا أرسل في الصحاري ، فالله تعالى تتحير أولو الألباب والفكر في حقائق صفاته ، فعلى هذا يكون أصله : ولاه ، فأبدلت الواو همزة ، كما قالوا في وشاح : أشاح ، ووسادة : أسادة ، وقال فخر الدين الرازي : وقيل : إنه مشتق من ألهت إلى فلان ، أي : سكنت إليه ، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره ، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته ؛ لأنه الكامل على الإطلاق دون
__________
(1) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(2) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أحدها".
(3) في جـ ، ط ، ب : "لمؤمني".
(4) صحيح البخاري برقم (97) وصحيح مسلم برقم (154).
(5) زيادة من جـ ، ط.
(6) زيادة من جـ ، ط.

(1/123)


غيره قال الله تعالى : { أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد : 28] قال : وقيل : من لاه يلوه : إذا احتجب. وقيل : اشتقاقه من أله الفصيل ، إذ ولع بأمه ، والمعنى : أن العباد مألوهون مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال ، قال : وقيل : مشتق من أله الرجل يأله : إذا فزع من أمر نزل به فألهه ، أي : أجاره ، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه ؛ لقوله تعالى : " { وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ } [المؤمنون : 88] ، وهو المنعم لقوله : { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } [النحل : 53] وهو المطعم لقوله : { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ } [الأنعام : 14] وهو الموجد لقوله : { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } [النساء : 78].
وقد اختار فخر الدين أنه اسم علم غير مشتق البتة ، قال : وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء ، ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه :
منها : أنه لو كان مشتقًا لاشترك في معناه كثيرون ، ومنها : أن بقية الأسماء تذكر صفات له ، فتقول : الله الرحمن الرحيم الملك القدوس ، فدل أنه ليس بمشتق ، قال : فأما قوله تعالى : { الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ } [إبراهيم : 1 ، 2] على قراءة الجر فجعل ذلك من باب عطف البيان ، ومنها قوله تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } [مريم : 65] ، وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامدًا غير مشتق نظر ، والله أعلم.
وحكى فخر الدين عن بعضهم أنه ذهب إلى أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي ، ثم ضعفه ، وهو حقيق بالتضعيف كما قال ، وقد حكى فخر الدين هذا القول ثم قال : واعلم أن الخلق قسمان : واصلون إلى ساحل بحر المعرفة ، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة ؛ فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم ، وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور وفسحة الكبرياء والجلال ، فتاهوا في ميادين الصمدية ، وبادوا في عرصة الفردانية ، فثبت أن الخلق كلهم والهون في معرفته ، وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال : لأن الخلق يألهون إليه بنصب اللام وجرها لغتان ، وقيل : إنه مشتق من الارتفاع ، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع : لاها ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس : لاهت.
وأصل ذلك الإله ، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة ، فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أوّلها للتعريف فأدغمت إحداهما في الأخرى ، فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشددة ، وفخمت تعظيما ، فقيل : الله.
{ الرحمن الرحيم } اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة ، ورحمن أشد مبالغة من رحيم ، وفي كلام ابن جرير ما يُفْهِم حكاية الاتفاق على هذا ، وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك ، كما تقدم في الأثر ، عن عيسى عليه السلام ، أنه قال : والرحمن رحمن الدنيا والآخرة ، والرحيم رحيم الآخرة.

(1/124)


وقد زعم بعضهم أنه غير مشتق إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر المرحوم وقد قال : { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } [الأحزاب : 43] ، وحكى ابن الأنباري في الزاهر عن المبرد : أن الرحمن اسم عبراني ليس بعربي ، وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن : وقال أحمد بن يحيى : الرحيم عربي ، والرحمن عبراني ، فلهذا جمع بينهما. قال أبو إسحاق : وهذا القول مرغوب عنه (1). وقال القرطبي : والدليل على أنه مشتق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "قال الله تعالى : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي ، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" (2). قال : وهذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق.
قال : وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله وبما وجب له ، قال القرطبي : هما بمعنى واحد كندمان ونديم قاله أبو عبيد ، وقيل : ليس بناء فعلان كفعيل ، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك : رجل غضبان ، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول ، قال أبو علي الفارسي : الرحمن : اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى ، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين ، قال الله تعالى : { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } [الأحزاب : 43] ، وقال ابن عباس : هما اسمان رقيقان ، أحدهما أرق من الآخر ، أي أكثر رحمة ، ثم حكي عن الخطابي وغيره : أنهم استشكلوا هذه الصفة ، وقالوا : لعله أرفق كما جاء في الحديث : "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله وإنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" (3). وقال ابن المبارك : الرحمن إذا سئل أعطى ، والرحيم إذا لم يسأل يغضب ، وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من لم يسأل الله يغضب عليه" (4) ، وقال بعض الشعراء :
لا تطلبن بني آدم حاجة... وسل الذي أبوابه لا تغلق (5)
الله يغضب إن تركت سؤاله... وبني آدم حين يسأل يغضب
__________
(1) في جـ : "بما في أيديهم".
(2) في طـ ، ب ، أ ، و : "بما".
(3) صحيح البخاري برقم (4485 ، 7362) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) زيادة من طـ ، ب.
(5) تفسير الطبري (1/249).

(1/125)


قال (1) ابن جرير : حدثنا السري بن يحيى التميمي ، حدثنا عثمان بن زُفَر ، سمعت العَرْزَميّ يقول : الرحمن الرحيم ، قال : الرحمن لجميع الخلق ، الرحيم ، قال : بالمؤمنين. قالوا : ولهذا قال : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ } [الفرقان : 59] وقال : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [طه : 5] فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته ، وقال : { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } [الأحزاب : 43] فخصهم باسمه الرحيم ، قالوا : فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه ، والرحيم خاصة بالمؤمنين ، لكن جاء في الدعاء المأثور : رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يُسم به غيره كما قال تعالى : { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } وقال تعالى : { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به ؛ فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب ، فصار يُضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر ، وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب.
وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن ؛ لأنه أكد به ، والتأكيد (2) لا يكون إلا أقوى من المؤكَّد ، والجواب أن هذا ليس من باب التوكيد (3) ، وإنما هو من باب النعت [بعد النعت] (4) ولا يلزم فيه ما ذكروه ، وعلى هذا فيكون تقدير اسم الله الذي لم يسم به أحد غيره ، ووصفه أولا بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره ، كما قال تعالى : { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } [الإسراء : 110]. وإنما تجهرم مسيلمة اليمامة في التسمي به ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة. وأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره حيث قال : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة : 128] كما وصف غيره بذلك من أسمائه في قوله : { إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [الإنسان : 2].
والحاصل : أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره ، ومنها ما لا يسمى به غيره ، كاسم الله والرحمن والخالق والرزاق ونحو ذلك ؛ فلهذا بدأ باسم الله ، ووصفه بالرحمن ؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم ؛ لأن التسمية أولا إنما تكون بأشرف (5) الأسماء ، فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص.
فإن قيل : فإذا كان الرحمن أشد مبالغة ؛ فهلا اكتفى به عن الرحيم ؟ فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه : أنه لما تسمى غيره تعالى بالرحمن ، جيء بلفظ الرحيم ليقطع التوهم بذلك ، فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى. كذا رواه ابن جرير عن عطاء. ووجهه بذلك ، والله أعلم.
وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن ، حتى رد الله عليهم ذلك بقوله : { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } [الإسراء : 110] ؛ ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعَلي : "اكتب { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } " ، فقالوا : لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري (6) ، وفي بعض الروايات : لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا } [الفرقان : 60].
__________
(1) زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
(2) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "مقتطعا".
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(4) تفسير ابن أبي حاتم (1/40).
(5) في جـ : "إلا أنه من".
(6) في جـ ، ط ، ب : "وقد".

(1/126)


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)

والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جُحود وعناد وتعنت في كفرهم ؛ فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية (1) تسمية الله تعالى بالرحمن ، قال ابن جرير : وقد أنشد لبعض الجاهلية الجُهَّال (2) ألا ضَرَبَتْ تلك الفتاةُ هَجِينَها... ألا قَضَبَ الرحمنُ رَبى يمينها (3)
وقال سلامة بن جندب الطهوي :
عَجِلتم علينا عَجْلَتينَا عليكُمُ... وما يَشَأ الرّحْمَن يَعْقِد ويُطْلِقِ (4)
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشر بن عمارة ، حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : الرحمن : الفعلان من الرحمة ، وهو من كلام العرب ، وقال : { الرحمن الرحيم } [الفاتحة : 3] الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه ، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه ، وكذلك أسماؤه كلها.
وقال ابن جرير أيضًا : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا حماد بن مَسْعَدة ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : الرحمن اسم ممنوع (5).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد [بن] (6) يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني أبو الأشهب ، عن الحسن ، قال : الرحمن : اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه ، تسمى به تبارك وتعالى (7).
وقد جاء في حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقطع قرآنه حرفًا حرفًا { بسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } (8) ، فقرأ بعضهم كذلك وهم طائفة من الكوفيين ومنهم من وصلها بقوله : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وكسرت الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور. وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة فيقولون : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها كما قرئ (9) قوله تعالى : { الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ } قال ابن عطية : ولم ترد بهذه قراءة عن أحد فيما علمت (10). { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) }.
القراء السبعة على ضم الدال من قوله : { الحمدُ لِله } وهو مبتدأ وخبر. وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج أنهما قالا "الحمدَ لِله" بالنصب وهو على إضمار فعل ، وقرأ ابن أبي
__________
(1) في جـ : "وتفسيره" ، وفي طـ ، ب : "ويفسره".
(2) في جـ : "القسم".
(3) تفسير ابن أبي حاتم (1/42).
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(5) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وقال : الطبع ينبت الذنوب على القلب فحفت به".
(6) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "هذا".
(7) في طـ ، ب : "قال : ثم".
(8) في جـ ، ط ، ب : "وكانوا".
(9) في جـ : "يرفع".
(10) في جـ ، ط : "قال ابن جرير"

(1/127)


عبلة : "الحمدُ لُله" بضم الدال واللام إتباعًا للثاني الأول وله شواهد لكنه شاذ ، وعن الحسن وزيد بن علي : "الحمدِ لِله" بكسر الدال إتباعًا للأول الثاني.
قال أبو جعفر بن جرير : معنى { الحمد لله } الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه ، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ، ولا يحيط بعددها غيره أحد ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق ، وغذَّاهم به من نعيم العيش ، من غير استحقاق منهم ذلك عليه ، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه ، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم ، فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرًا.
[وقال ابن جرير : { الحمد لله } ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال : قولوا : { الحمد لله } ] (1).
قال : وقد قيل : إن قول القائل : الحمد لله ، "ثناء عليه بأسمائه وصفاته الحسنى (2) ، وقوله : الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه ، ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلا من الحمد والشكر مكان (3) الآخر.
[وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية. وقال ابن عباس : { الحمد لله } كلمة كل شاكر ، وقد استدل القرطبي لابن جرير بصحة قول القائل : { الحمد لله } شكرًا (4) ] (5).
وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر ؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية ، والشكر لا يكون إلا على المتعدية ، ويكون بالجنان واللسان والأركان ، كما قال الشاعر :
أفادتكم النعماء مني ثلاثة... يدي ولساني والضمير المحجبا
ولكنهم (6) اختلفوا : أيهما أعم ، الحمد أو الشكر ؟ على قولين ، والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا ، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه ؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية ، تقول : حَمدته لفروسيته وحمدته لكرمه. وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول ، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه (7) ، لأنه يكون بالقول والعمل (8) والنية ، كما تقدم ، وهو أخص لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية ، لا يقال : شكرته لفروسيته ، وتقول : شكرته على كرمه وإحسانه إليّ. هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين ، والله أعلم.
وقال أبو نصر إسماعيل بن حَمَّاد الجوهري : الحمد نقيض الذم ، تقول : حَمِدت الرجل أحمده حمدًا
__________
(1) في جـ : "ما صح به بنظره".
(2) تفسير الطبري (1/260).
(3) سنن الترمذي برقم (3334) وسنن النسائي الكبرى برقم (11658) وسنن ابن ماجة برقم (4244).
(4) في أ ، و : "منها".
(5) في جـ : "فلذلك".
(6) في و : "ذكره الله".
(7) في جـ : "إلى نقض".
(8) في جـ : "فلذلك".

(1/128)


ومحمدة (1) ، فهو حميد ومحمود ، والتحميد أبلغ من الحمد ، والحمد أعم من الشكر. وقال في الشكر : هو الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف ، يقال : شكرته ، وشكرت له. وباللام أفصح (2).
[وأما المدح فهو أعم من الحمد ؛ لأنه يكون للحي وللميت وللجماد - أيضا - كما يمدح الطعام والمال ونحو ذلك ، ويكون قبل الإحسان وبعده ، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضًا فهو أعم] (3).
ذكر أقوال السلف في الحمد
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو معمر القطيعي ، حدثنا حفص ، عن حجاج ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قال عمر : قد عَلِمْنا سبحان الله ، ولا إله إلا الله ، فما الحمد لله ؟ فقال علي : كلمة رضيها الله لنفسه (4).
ورواه غير أبي مَعْمَر ، عن حفص ، فقال : قال عمر لعلي ، وأصحابه عنده : لا إله إلا الله ، وسبحان الله ، والله أكبر ، قد عرفناها ، فما الحمد لله ؟ قال (5) علي : كلمة أحبها [الله] (6) لنفسه ، ورضيها لنفسه ، وأحب أن تقال (7).
وقال علي بن زيد بن جُدْعَان ، عن يوسف بن مِهْرَان ، قال : قال ابن عباس : الحمد لله كلمة الشكر ، وإذا قال العبد : الحمد لله ، قال : شكرني عبدي. رواه ابن أبي حاتم.
وروى - أيضًا - هو وابن جرير ، من حديث بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : أنه قال : الحمد لله هو الشكر لله والاستخذاء له ، والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك.
وقال كعب الأحبار : الحمد لله ثناء الله. وقال الضحاك : الحمد لله رداء الرحمن. وقد ورد الحديث بنحو ذلك.
قال ابن جرير : حدثني سعيد بن عمرو السَّكوني ، حدثنا بقية بن الوليد ، حدثني عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حبيب ، عن الحكم بن عمير ، وكانت له صحبة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا
__________
(1) زيادة من جـ ، ط.
(2) في جـ ، ط : "النبي".
(3) في جـ ، ط : "وقال".
(4) في أ : "سفيان".
(5) تفسير الطبري (1/265).
(6) في جـ : "وقال".
(7) في جـ ، ط : "فيحتمل".

(1/129)


قلت : الحمد لله رب العالمين ، فقد شكرت الله ، فزادك" (1).
وقد روى الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا روح ، حدثنا عوف ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع ، قال : قلت : يا رسول الله ، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي ، تبارك وتعالى ؟ فقال : "أما إن ربك يحب الحمد" (2).
ورواه النسائي ، عن علي بن حجر ، عن ابن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع ، به (3).
وروى الترمذي ، والنسائي وابن ماجه ، من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير ، عن طلحة بن خراش ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله" (4). وقال الترمذي : حسن غريب.
وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال : الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ" (5). وقال القرطبي في تفسيره ، وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال : الحمد لله ، لكان الحمد لله أفضل من ذلك" (6). قال القرطبي وغيره : أي لكان إلهامه الحمد لله أكبر نعمة عليه من نعم الدنيا ؛ لأن ثواب الحمد لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى ، قال الله تعالى : { المال وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا } [الكهف : 46]. وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم : "أن عبدًا من عباد الله قال : يا رب ، لك الحمد كما ينبغي
__________
(1) البيت في تفسير الطبري (1/264).
(2) البيت في تفسير الطبري (1/265) وهو للحارث المخزومي.
(3) في جـ : "كما أنزلت".
(4) في جـ : "يتلبس".
(5) في جـ : "تفسيره".
(6) في جـ ، ط ، ب : "يخدعون".

(1/130)


لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها ، فصعدا إلى السماء فقالا يا رب ، إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها ، قال الله - وهو أعلم بما قال عبده - : ماذا قال عبدي ؟ قالا يا رب إنه قد قال : يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما : اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها" (1). وحكى القرطبي عن طائفة أنهم قالوا : قول العبد : الحمد لله رب العالمين ، أفضل من قول : لا إله إلا الله ؛ لاشتمال الحمد لله رب العالمين على التوحيد مع الحمد ، وقال آخرون : لا إله إلا الله أفضل لأنها الفصل بين الإيمان والكفر ، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله كما ثبت في الحديث المتفق عليه وفي الحديث الآخر في السنن : "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (2). وقد تقدم عن جابر مرفوعا : "أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله". وحسنه الترمذي.
والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد ، وصنوفه لله تعالى كما جاء في الحديث : "اللهم لك الحمد كله ، ولك الملك كله ، وبيدك الخير كله ، وإليك يرجع الأمر كله" الحديث (3).
{ رَبِّ الْعَالَمِينَ } والرب هو : المالك المتصرف ، ويطلق في اللغة على السيد ، وعلى المتصرف للإصلاح ، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى.
[ولا يستعمل الرب لغير الله ، بل بالإضافة تقول : رب الدار رب كذا ، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل ، وقد قيل : إنه الاسم الأعظم] (4).والعالمين : جمع عالم ، [وهو كل موجود سوى الله عز وجل] (5) ، والعالم جمع لا واحد له من لفظه ، والعوالم أصناف المخلوقات [في السماوات والأرض] (6) في البر والبحر ، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا أيضًا.
قال بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الفاتحة : 2] الحمد لله الذي له الخلق كله ، السماوات والأرضون ، ومن فيهن وما بينهن ، مما نعلم ، وما لا نعلم.
وفي رواية سعيد بن جبير ، وعكرمة ، عن ابن عباس : رب الجن والإنس. وكذلك قال سعيد بن
__________
(1) في جـ : "لا تمنع".
(2) في أ ، و : "ما أظهره".
(3) في أ : "السبي".
(4) في جـ : "بكأس".
(5) في أ : "ويزيدها".
(6) في جـ : "بإسخاطهم".

(1/131)


جبير ، ومجاهد وابن جريج ، وروي عن علي [نحوه] (1). وقال (2) ابن أبي حاتم : بإسناد لا يعتمد عليه.
واستدل القرطبي لهذا القول بقوله : { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } [الفرقان : 1] وهم الجن والإنس. وقال الفراء وأبو عبيدة : العالم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين ولا يقال للبهائم : عالم ، وعن زيد بن أسلم وأبي عمرو بن العلاء (3) كل ما له روح يرتزق. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم - وهو آخر خلفاء بني أمية ويعرف بالجعد ويلقب بالحمار - أنه قال : خلق الله سبعة عشر ألف عالم أهل السماوات وأهل الأرض عالم واحد وسائر ذلك لا يعلمه (4) إلا الله ، عز وجل.
وقال قتادة : رب العالمين ، كل صنف عالم. وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى { رب العالمين } قال : الإنس عالم ، والجن عالم ، وما سوى (5) ذلك ثمانية عشر ألف عالم ، أو أربعة عشر ألف عالم ، هو يشك ، من الملائكة على الأرض ، وللأرض أربع زوايا ، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم ، وخمسمائة عالم ، خلقهم [الله] (6) لعبادته. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
[وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح] (7).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن خالد ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الفرات ، يعني ابن الوليد ، عن معتب (8) بن سمي ، عن تُبَيع ، يعني الحميري ، في قوله : { رب العالمين } قال : العالمين ألف أمة فستمائة في البحر ، وأربعمائة في البر.
[وحكي مثله عن سعيد بن المسيب] (9).
وقد روي نحو هذا مرفوعا كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده :
حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبيد بن واقد القيسي ، أبو عباد ، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان ، حدثنا محمد بن المنْكَدِر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قلّ الجراد في سنة من سني عمر التي ولي فيها فسأل عنه ، فلم يخبر بشيء ، فاغتم لذلك ، فأرسل راكبا يضرب إلى اليمن ، وآخر إلى الشام ، وآخر إلى العراق ، يسأل : هل رئي من الجراد شيء أم لا ؟ قال : فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد ، فألقاها بين يديه ، فلما رآها كبر ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
__________
(1) تفسير الطبري (1/273).
(2) تفسير ابن أبي حاتم (1/46).
(3) زيادة من و.
(4) زيادة من جـ.
(5) صحيح البخاري برقم (4902) وصحيح مسلم برقم (3314).
(6) صحيح البخاري برقم (25) وصحيح مسلم برقم (22) من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما.
(7) في طـ ، ب : "ناس".
(8) في أ : "النبي".
(9) تفسير الطبري (1/288).

(1/132)


"خلق الله ألف أمة ، ستمائة في البحر وأربعمائة في البر ، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد ، فإذا هلك (1) تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه" (2).محمد بن عيسى هذا - وهو الهلالي - ضعيف.
وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال : لله ألف عالَم ؛ ستمائة في البحر وأربعمائة في البر ، وقال وهب بن منبه : لله ثمانية عشر ألف عالَم ؛ الدنيا عالم منها. وقال مقاتل : العوالم ثمانون ألفًا. وقال كعب الأحبار : لا يعلم عدد العوالم إلا الله عز وجل. نقله كله البغوي ، وحكى القرطبي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : إن لله أربعين ألف عالم ؛ الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها ، وقال الزجاج : العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة. قال القرطبي : وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين ؛ كقوله : { قال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } والعالم مشتق من العلامة(قلت) : لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته كما قال ابن المعتز :
فيا عجبا كيف يعصى الإله... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية... تدل على أنه واحد
{ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) }.
وقوله : { الرحمن الرحيم } تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن إعادته.
{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) }
قرأ بعض القراء : { مَلِك يَوْمِ الدِّينِ } وقرأ آخرون : { مَالِكِ } (3).وكلاهما صحيح متواتر في السبع.
[ويقال : مليك أيضًا ، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ : "ملكي يوم الدين" وقد رجح كلا من القراءتين مرجحون من حيث المعنى ، وكلاهما صحيحة حسنة ، ورجح الزمخشري ملك ؛ لأنها قراءة أهل الحرمين ولقوله : { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } وقوله : { قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ } وحكي عن أبي حنيفة أنه قرأ "مَلَكَ يومَ الدين" على أنه فعل وفاعل ومفعول ، وهذا شاذ غريب جدا] (4).وقد روى أبو بكر بن أبي داود في ذلك شيئًا غريبًا حيث قال : حدثنا أبو عبد الرحمن الأذْرَمِيُّ ، حدثنا عبد الوهاب عن عدي (5) بن الفضل ، عن أبي المطرف ، عن ابن شهاب : أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية كانوا يقرءون : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } وأول من أحدث "مَلِكِ" مروان (6).قلت : مروان عنده علم بصحة ما قرأه ، لم يطلع عليه ابن شهاب ، والله أعلم.
وقد روي من طرق متعددة أوردها ابن مَرْدُويه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } (7) ومالك مأخوذ من الملْك ، كما قال : { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } [مريم : 40] وقال : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ } [الناس : 1 ، 2] وملك : مأخوذ من الملك كما قال تعالى : { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر : 16] وقال : { قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ } [الأنعام : 73] وقال : { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } [الفرقان : 26].
__________
(1) تفسير الطبري (1/289).
(2) تفسير الطبري (1/289).
(3) في أ ، و : "لحاله".
(4) زيادة من (أ).
(5) زيادة من طـ ، ب ، و.
(6) في أ : "كما قال".
(7) زيادة من أ.

(1/133)


إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه ، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين ، وذلك عام في الدنيا والآخرة ، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا ، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه ، كما قال : { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } [النبأ : 38] وقال تعالى : { وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا } [طه : 108] ، وقال : { يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } [هود : 105].
وقال الضحاك عن ابن عباس : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } يقول : لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما ، كملكهم في الدنيا. قال : ويوم الدين يوم الحساب للخلائق ، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ، إلا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف ، وهو ظاهر.
وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى تفسير { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } أنه القادر على إقامته ، ثم شرع يضعفه.
والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم (1) ، وأن كلا من القائلين بهذا وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر ، ولا ينكره ، ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا ، كما قال : { المْلُكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } [الفرقان : 26] والقول الثاني يشبه قوله : { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } ، [الأنعام : 73] والله أعلم.
والمَلِك في الحقيقة هو الله عز وجل ؛ قال الله تعالى : { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ } وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا مالك إلا الله ، وفيهما عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ؟ أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟" وفي القرآن العظيم : { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا } ، { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ } { إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا } وفي الصحيحين : (مثل الملوك على الأسرة).
والدين الجزاء والحساب ؛ كما قال تعالى : { يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ } ، وقال : { أئنا لمدينون } أي مجزيون محاسبون ، وفي الحديث : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" أي حاسب نفسه لنفسه ؛ كما قال عمر رضي الله عنه : "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم : { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } ".
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) }.
[قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من { إياك } وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر وهي قراءة شاذة مردودة ؛ لأن "إيا" ضوء الشمس. وقرأ بعضهم : "أياك" بفتح الهمزة وتشديد الياء ، وقرأ بعضهم : "هياك" بالهاء بدل الهمزة ، كما قال الشاعر :
فهياك والأمر الذي إن تراحبت... موارده ضاقت عليك مصادره
و { نستعين } بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم وقيس] (2).العبادة في اللغة من الذلة ، يقال : طريق مُعَبّد ، وبعير مُعَبّد ، أي : مذلل ، وفي الشرع : عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.
وقدم المفعول وهو { إياك } ، وكرر ؛ للاهتمام والحصر ، أي : لا نعبد إلا إياك ، ولا نتوكل إلا عليك ، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله (3) إلى هذين المعنيين ، وهذا كما قال بعض السلف : الفاتحة سر القرآن ، وسرها هذه الكلمة : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة : 5] فالأول تبرؤ من الشرك ، والثاني تبرؤ من الحول والقوة ، والتفويض
__________
(1) في أ ، و : "أو ذهبوا أو خلصوا".
(2) في طـ ، ب ، أ ، و : "الملفوظ".
(3) المسند (5/178).

(1/134)


إلى الله عز وجل. وهذا المعنى في غير آية من القرآن ، كما قال تعالى : { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [هود : 123] { قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } [الملك : 29] { رَبَّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا } [المزمل : 9] ، وكذلك هذه الآية الكريمة : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }.
وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب ، وهو مناسبة (1) ، لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى ؛ فلهذا قال : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى ، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك ؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك ، وهو قادر عليه ، كما جاء في الصحيحين ، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (2). وفي صحيح مسلم ، من حديث العلاء بن عبد الرحمن ، مولى الحُرَقَة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، إذا قال العبد : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الفاتحة : 2] قال : حمدني عبدي ، وإذا قال : { الرحمن الرحيم } [الفاتحة : 3] قال : أثنى علي عبدي ، فإذا قال : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } [الفاتحة : 4] قال الله : مجدني عبدي ، وإذا قال : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة : 5] قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } [الفاتحة : 6 ، 7] قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (3).وقال الضحاك ، عن ابن عباس : { إياك نعبد } يعني : إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك { وإياك نستعين } على طاعتك وعلى أمورنا كلها.
وقال قتادة : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أمركم.
وإنما قدم : { إياك نعبد } على { وإياك نستعين } لأن العبادة له هي المقصودة ، والاستعانة وسيلة إليها ، والاهتمام والحزم هو أن يقدم (4) ما هو الأهم فالأهم ، والله أعلم.
فإن قيل : فما معنى النون في قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فإن كانت للجمع فالداعي واحد ، وإن كانت للتعظيم فلا تناسب هذا المقام ؟ وقد أجيب : بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد والمصلي فرد منهم ، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم ، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه (5) المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها (6) ، وتوسط لهم بخير ، ومنهم من قال : يجوز أن تكون للتعظيم ، كأن العبد قيل له : إذا كنت في العبادة فأنت شريف وجاهك عريض فقل : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، وإذا كنت خارج العبادة فلا تقل : نحن ولا فعلنا ، ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف لافتقار الجميع إلى الله عز وجل. ومنهم من قال : ألطف في التواضع من إياك أعبد ، لما في الثاني من تعظيمه نفسه
__________
(1) في طـ ، ب : "وقال".
(2) في طـ ، أ ، و : "مجازيهم".
(3) في طـ ، ب ، أ ، و : "ومعاقبهم".
(4) تفسير الطبري (1/303).
(5) في جـ ، ط ، ب : "ناس".
(6) زيادة من ب ، و.

(1/135)


اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)

من جعله نفسه وحده أهلا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته ، ولا يثني عليه كما يليق به ، والعبادة مقام عظيم (1) يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى ، كما قال بعضهم :
لا تدعني إلا بيا عبدها... فإنه أشرف أسمائي
وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته [فقال] (2) { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ } [الكهف : 1] { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } [الجن : 19] { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا } [الإسراء : 1] فسماه عبدًا عند إنزاله عليه وقيامه في الدعوة وإسرائه به ، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين له ، حيث يقول : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر : 97 - 99].
وقد حكى فخر الدين في تفسيره عن بعضهم : أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة ؛ لكون العبادة تصدر (3) من الخلق إلى الحق والرسالة من الحق إلى الخلق ؛ قال : ولأن الله متولي مصالح عبده ، والرسول متولي مصالح أمته (4) وهذا القول خطأ ، والتوجيه أيضًا ضعيف لا حاصل له ، ولم يتعرض له فخر الدين بتضعيف ولا رده. وقال بعض الصوفية : العبادة إما لتحصيل ثواب ورد عقاب ؛ قالوا : وهذا ليس بطائل إذ مقصوده تحصيل مقصوده ، وإما للتشريف بتكاليف الله تعالى ، وهذا - أيضًا - عندهم ضعيف ، بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال ، قالوا : ولهذا يقول المصلي : أصلي لله ، ولو كان لتحصيل الثواب ودرء (5) العذاب لبطلت صلاته. وقد رد ذلك عليهم آخرون وقالوا : كون العبادة لله عز وجل ، لا ينافي أن يطلب معها ثوابا ، ولا أن يدفع عذابًا ، كما قال ذلك الأعرابي : أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ إنما أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "حولها ندندن" (6).
{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) }
قراءة الجمهور بالصاد. وقرئ : "السراط" وقرئ بالزاي ، قال الفراء : وهي لغة بني عذرة وبلقين (7) وبني كلب.
لما تقدم الثناء على المسؤول ، تبارك وتعالى ، ناسب أن يعقب بالسؤال ؛ كما قال : "فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل" وهذا أكمل أحوال السائل ، أن يمدح مسؤوله ، ثم يسأل حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله : { اهدنا } ] (8) ، لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة ، ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنه الأكمل ، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه ، كما قال موسى عليه السلام : { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } [القصص : 24] وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسؤول ، كقول ذي النون : { لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء : 87] وقد يكون بمجرد الثناء
__________
(1) في ب ، أ ، و : "ضلالتهم".
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(3) في جـ : "ضلال".
(4) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(5) زيادة من جـ.
(6) زيادة من طـ.
(7) في هـ : "فأما" وهو خطأ.
(8) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "كما قد يكون".

(1/136)


على المسؤول ، كقول الشاعر :
أأذكر حاجتي أم قد كفاني... حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما... كفاه من تعرضه الثناء
والهداية هاهنا : الإرشاد والتوفيق ، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا (1) { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } فتضمن معنى ألهمنا ، أو وفقنا ، أو ارزقنا ، أو اعطنا ؛ { وهديناه النجدين } [البلد : 10] أي : بينا له الخير والشر ، وقد تعدى بإلى ، كقوله تعالى : { اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [النحل : 121] { فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ } [الصافات : 23] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة ، وكذلك قوله تعالى : { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [الشورى : 52] وقد تعدى باللام ، كقول أهل الجنة : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا } [الأعراف : 43] أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلا (2).وأما الصراط المستقيم ، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير : أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن "الصراط المستقيم" هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه.
وكذلك ذلك في لغة جميع العرب ، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخَطَفي :
أميرُ المؤمنين على صِراطٍ... إذا اعوج الموارِدُ مُسْتَقيمِ
قال : والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر ، قال : ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل ، وصف باستقامة أو اعوجاج ، فتصف المستقيم باستقامته ، والمعوج باعوجاجه.
ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط ، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد ، وهو المتابعة لله وللرسول ؛ فروي أنه كتاب الله ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثني يحيى بن يمان ، عن حمزة الزيات ، عن سعد ، وهو أبو (3) المختار الطائي ، عن ابن أخي الحارث الأعور ، عن الحارث الأعور ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الصراط المستقيم كتاب الله" (4).وكذلك رواه ابن جرير ، من حديث حمزة بن حبيب الزيات ، وقد [تقدم في فضائل القرآن فيما] (5) رواه أحمد والترمذي من رواية الحارث الأعور ، عن علي مرفوعا : "وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم" (6).
__________
(1) في ط : "وقال".
(2) زيادة من جـ ، ط.
(3) في جـ : "هم".
(4) زيادة من و.
(5) البيت للأشهب بن رميلة ، كما في اللسان ، مادة "فلج".
(6) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الوحدة".

(1/137)


وقد روي هذا موقوفا عن علي ، وهو أشبه (1) ، والله أعلم.
وقال الثوري ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، قال : الصراط المستقيم. كتاب الله ، وقيل : هو الإسلام. وقال الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد ، عليهما السلام : قل : يا محمد ، اهدنا الصراط المستقيم. يقول : اهدنا (2) الطريق الهادي ، وهو دين الله الذي لا عوج فيه.
وقال ميمون بن مِهْرَان ، عن ابن عباس ، في قوله : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } قال : ذاك الإسلام. وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } قالوا : هو الإسلام. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } قال : الإسلام ، قال : هو أوسع مما بين السماء والأرض. وقال ابن الحنفية في قوله تعالى : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } قال هو دين الله ، الذي لا يقبل من العباد غيره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : اهدنا الصراط المستقيم ، قال : هو الإسلام.
وفي [معنى] (3) هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده ، حيث قال : حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء ، حدثنا ليث يعني ابن سعد ، عن معاوية بن صالح : أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، حدثه عن أبيه ، عن النواس بن سمعان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ضرب الله مثلا صراطًا مستقيما ، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ، ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا ، وداع يدعو من فوق الصراط ، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب ، قال : ويحك ، لا تفتحه ؛ فإنك إن تفتحه تلجه. فالصراط الإسلام ، والسوران حدود الله ، والأبواب المفتحة محارم الله ، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم".
وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير من حديث الليث بن سعد به (4).ورواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن علي بن حجر عن بقية ، عن بُجَيْر (5) بن سعد ، عن خالد بن مَعْدَان ، عن جبير بن نفير ، عن النواس بن سمعان ، به (6).
__________
(1) في طـ ، ب : "سبيل".
(2) في جـ ، ط ، ب : "منها".
(3) في أ ، و : "فبينما".
(4) زيادة من جـ.
(5) في أ ، و : "فبينما".
(6) في جـ : "ما حوله ذهب الله بنورهم".

(1/138)


وهو إسناد صحيح ، والله أعلم.
وقال مجاهد : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } ، قال : الحق. وهذا أشمل ، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير ، من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم ؛ حدثنا حمزة بن المغيرة ، عن عاصم الأحول ، عن أبي العالية : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } قال : هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وصاحباه من بعده ، قال عاصم : فذكرنا ذلك للحسن ، فقال : صدق أبو العالية ونصح.
وكل هذه الأقوال صحيحة ، وهي متلازمة ، فإن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ، واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر ، فقد اتبع الحق ، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام ، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن ، وهو كتاب الله وحبله المتين ، وصراطه المستقيم ، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضا ، ولله الحمد.
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن الفضل السقطي ، حدثنا إبراهيم بن مهدي المِصِّيصي ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، قال : الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (1). ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي - أعني { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } - أن يكون معنيًا به : وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له مَنْ أنعمت عليه مِنْ عبادك ، من قول وعمل ، وذلك هو الصراط المستقيم ؛ لأن مَن وفق لما وُفق له من أنعم الله عليهم (2) مِن النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، فقد وُفق للإسلام ، وتصديق الرسل ، والتمسك بالكتاب ، والعمل بما أمره الله به ، والانزجار عما زجره عنه ، واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهاج الخلفاء الأربعة ، وكل عبد صالح ، وكل ذلك من الصراط المستقيم.
فإن قيل : كيف (3) يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها ، وهو متصف بذلك ؟ فهل (4) هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا ؟
فالجواب : أن لا ولولا احتياجه ليلا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله إلى ذلك ؛ فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية ، ورسوخه فيها ، وتبصره ، وازدياده منها ، واستمراره عليها ، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق ، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله ؛ فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه ، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار ، وقد قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نزلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ } الآية [النساء : 136] ، فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان ، وليس في ذلك تحصيل الحاصل ؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك ، والله أعلم.
وقال تعالى آمرا لعباده المؤمنين أن يقولوا : { رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } وقد كان الصدِّيق رضي الله عنه يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرًا. فمعنى قوله تعالى : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } استمر بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره.
__________
(1) في جـ ، ط ، ب : "فإقباله".
(2) في جـ : "استوقد نارا".
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(4) في جـ : "فهو".

(1/139)


صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) }
قد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } إلى آخرها أن الله يقول : "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". وقوله : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } مفسر للصراط المستقيم. وهو بدل منه عند النحاة ، ويجوز أن يكون عطف بيان ، والله أعلم.
و { الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } (1) هم المذكورون في سورة النساء ، حيث قال : { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا } [النساء : 69 ، 70].
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك ، من ملائكتك ، وأنبيائك ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ؛ وذلك نظير ما قال ربنا تعالى : { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } الآية [النساء : 69].
وقال أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } قال : هم النبيون. وقال ابن جُرَيْج ، عن ابن عباس : هم المؤمنون. وكذا قال مجاهد. وقال وَكِيع : هم المسلمون. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه. والتفسير المتقدم ، عن ابن عباس أعم ، وأشمل ، والله أعلم.
وقوله تعالى : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } [قرأ الجمهور : "غير" بالجر على النعت ، قال الزمخشري : وقرئ بالنصب على الحال ، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب ، ورويت عن ابن كثير ، وذو الحال الضمير في { عليهم } والعامل : { أنعمت } والمعنى] (2) اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم ، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله ، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره ، غير صراط المغضوب عليهم ، [وهم] (3) الذين فسدت إرادتهم ، فعلموا الحق وعدلوا عنه ، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق ، وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين ، وهما طريقتا اليهود والنصارى.
وقد زعم بعض النحاة أن { غير } هاهنا استثنائية ، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم ، وما أوردناه أولى ، لقول الشاعر (4) كأنَّك من جِمال بني أقَيش... يُقَعْقَعُ عند (5) رِجْلَيْه بشَنِّ
أي : كأنك جمل من جمال بني أقيش ، فحذف الموصوف واكتفى بالصفة (6) ، وهكذا ، { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ }
__________
(1) في جـ : "لأنها".
(2) في جـ : "علمه".
(3) في جـ : "طعنوا بكفرهم به".
(4) في جـ : "فبذلك".
(5) في جـ : "يصدقه".
(6) في طـ ، ب ، و : "إلا هو".

(1/140)


أي : غير صراط المغضوب عليهم.
اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف ، وقد دل عليه سياق الكلام ، وهو قوله تعالى : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ثم قال تعالى : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } ومنهم من زعم أن(لا) في قوله : { ولا الضالين } زائدة ، وأن تقدير الكلام عنده : غير المغضوب عليهم والضالين ، واستشهد ببيت العجاج : في بئْر لا حُورٍ سرى (1) وما شَعَر (2)
أي في بئر حور. والصحيح ما قدمناه. ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : أنه كان يقرأ : " غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْر الضَّالّين". وهذا إسناد صحيح (3) ، [وكذا حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك] (4) وهو محمول على أنه صدر منه على وجه التفسير ، فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء بها لتأكيد النفي ، [لئلا يتوهم أنه معطوف على { الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ] (5) ، وللفرق بين الطريقتين ، لتجتنب كل منهما ؛ فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به ، واليهود فقدوا العمل ، والنصارى فقدوا العلم ؛ ولهذا كان الغضب لليهود ، والضلال للنصارى ، لأن من علم وترك استحق الغضب ، بخلاف من لم يعلم. والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه ، لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه ، وهو اتباع الرسول الحق ، ضلوا ، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه ، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب [كما قال فيهم : { مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ } ] (6) [المائدة : 60] وأخص أوصاف النصارى الضلال [كما قال : { قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل"] (7) } [المائدة : 77] ، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار. [وذلك واضح بين] (8).قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت سِماك بن حرب ، يقول : سمعت عبَّاد بن حُبَيش ، يحدث عن عدي بن حاتم ، قال : جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذوا عمتي وناسًا ، فلما أتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صُفُّوا له ، فقالت : يا رسول الله ، ناء الوافد وانقطع الولد ، وأنا عجوز كبيرة ، ما بي من خدمة ، فمُنّ علي مَنّ الله عليك ، قال : "من وافدك ؟" قالت : عدي بن حاتم ، قال : "الذي فر من الله ورسوله!" قالت : فمنَّ علي ، فلما رجع ، ورجل إلى جنبه (9) ، ترى أنه علي ، قال : سليه حُمْلانا ، فسألته ، فأمر لها ، قال : فأتتني فقالت : لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها ، فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه ، وأتاه فلان فأصاب منه ، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي ، وذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر ، فقال :
__________
(1) في جـ : "عمي خرس".
(2) في جـ ، ط ، ب ، أ : "وكذا".
(3) في جـ : "لا يؤمنون".
(4) زيادة من جـ ، ط.
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(6) البيت في اللسان ، مادة "صقع" وهو فيه : يحكون بالمصقولة القواطع... تشقق البرق عن الصواقع
(7) زيادة من جـ ، ط.
(8) في أ : "استضاءوا".
(9) زيادة من جـ.

(1/141)


"يا عدي ، ما أفرك (1) أن يقال (2) لا إله إلا الله ؟ فهل من إله إلا الله ؟ قال : ما أفرك (3) أن يقال : الله أكبر ، فهل شيء أكبر (4) من الله ، عز وجل ؟". قال : فأسلمت ، فرأيت وجهه استبشر ، وقال : "المغضوب (5) عليهم اليهود ، وإن الضالين النصارى" (6).وذكر الحديث ، ورواه الترمذي ، من حديث سماك بن حرب (7) ، وقال : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه. قلت : وقد رواه حماد بن سلمة ، عن سماك ، عن مُرِّيّ بن قَطَريّ ، عن عدي بن حاتم ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } قال : "هم اليهود" { ولا الضالين } قال : "النصارى هم الضالون". وهكذا رواه سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم به (8).وقد روي حديث عدي هذا من طرق ، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر ، عن بُدَيْل العُقَيْلي ، أخبرني عبد الله بن شَقِيق ، أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القُرَى ، وهو على فرسه ، وسأله رجل من بني القين ، فقال : يا رسول الله ، من هؤلاء ؟ قال : " المغضوب عليهم - وأشار إلى اليهود - والضالون هم النصارى" (9).وقد رواه الجُرَيري وعروة ، وخالد الحَذَّاء ، عن عبد الله بن شقيق ، فأرسلوه (10) ، ولم يذكروا من سمع النبي صلى الله عليه وسلم. ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله بن عمر ، فالله أعلم.
وقد روى ابن مَرْدُويه ، من حديث إبراهيم بن طَهْمان ، عن بديل بن ميسرة ، عن عبد الله بن شقيق ، عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم قال : "اليهود" ، [قال] (11) قلت : الضالين ، قال : "النصارى" (12).وقال السُّدِّي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } هم اليهود ، { ولا الضالين } هم النصارى.
وقال الضحاك ، وابن جُرَيْج ، عن ابن عباس : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } اليهود ، { ولا الضالين }
__________
(1) في أ : "فيه".
(2) في جـ : "يكذبون" ، وفي أ : "يكون".
(3) في أ ، و : "ومنهم من يمشي".
(4) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الله".
(5) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أن نبي الله".
(6) في جـ ، ط ، ب ، "أبين و".
(7) في أ : "داود".
(8) في و : "يؤتى".
(9) في أ ، و : "يؤتى".
(10) في جـ : "ويتقد".
(11) في جـ : "الطيالسي".
(12) في جـ : "عتيبة".

(1/142)


[هم] (1) النصارى.
وكذلك قال الربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغير واحد ، وقال ابن أبي حاتم : ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.
وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ضالون ، الحديث المتقدم ، وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنزلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ } [البقرة : 90] ، وقال في المائدة (2) { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } [المائدة : 60] ، وقال تعالى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة : 78 ، 79].
وفي السيرة (3) (4) عن زيد بن عمرو بن نفيل ؛ أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف ، قالت له اليهود : إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. فقال : أنا من غضب الله أفر. وقالت له النصارى : إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سَخَط الله فقال : لا أستطيعه. فاستمر على فطرته ، وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين ، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى ، وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية ؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك ، وكان منهم ورقة بن نوفل ، حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي ، رضي الله عنه.
(مسألة) : والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما ؛ وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس ، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ، ولأن كلا من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة ، فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك والله أعلم. وأما حديث : "أنا أفصح من نطق بالضاد" فلا أصل له والله أعلم. فصل
اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات ، على حمد الله وتمجيده والثناء عليه ، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا (5) ، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين ، وعلى إرشاده عبيده (6) إلى سؤاله والتضرع إليه ، والتبرؤ من حولهم وقوتهم ، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى ، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل ، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم ، وهو الدين القويم ، وتثبيتهم عليه حتى يُفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة ، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين.
واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة ، والتحذير من مسالك الباطل ؛ لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة ، وهم المغضوب عليهم والضالون. وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة ، كما قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } الآية [المجادلة : 14] ،
__________
(1) في أ : "تحير".
(2) في جـ : "وهذا شبه".
(3) في جـ : "المؤمنين".
(4) في جـ : "بالمصباح الذي".
(5) زيادة من جـ ، ط.
(6) في جـ ، ب : قدم الآية الثامنة على الآية الثالثة من سورة الحج.

(1/143)


وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به ، وإن كان هو الذي أضلهم بقدَره ، كما قال تعالى : { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } [الكهف : 17]. وقال : { مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [الأعراف : 186]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال ، لا كما تقوله الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم ، من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه (1) ، ويحتجون على بدعتهم (2) بمتشابه من القرآن ، ويتركون ما يكون فيه صريحا في الرد عليهم ، وهذا حال أهل الضلال والغي ، وقد ورد في الحديث الصحيح : "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" (3). يعني في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } [آل عمران : 7] ، فليس - بحمد الله - لمبتدع في القرآن حجة صحيحة ؛ لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل مفرقًا بين الهدى والضلال ، وليس فيه تناقض ولا اختلاف ؛ لأنه من عند الله ، تنزيل من حكيم حميد (4).
فصل
يستحب لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها : آمين [مثل : يس] (5) ، ويقال : أمين. بالقصر أيضًا [مثل : يمين] (6) ، ومعناه : اللهم استجب ، والدليل على ذلك (7) ما رواه الإمام أحمد وأبو داود ، والترمذي ، عن وائل بن حجر ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } فقال : "آمين" ، مد (8) بها صوته ، ولأبي داود : رفع بها صوته (9) ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن. وروي عن علي ، وابن مسعود وغيرهم.
وعن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } قال : "آمين" حتى يسمع من يليه من الصف الأول ، رواه أبو داود ، وابن ماجه ، وزاد : يرتج (10) بها المسجد (11) ، والدارقطني وقال : هذا إسناد حسن.
وعن بلال أنه قال : يا رسول الله ، لا تسبقني بآمين. رواه أبو داود (12).
__________
(1) في جـ ، ب ، أ ، و : "تعالى".
(2) في أ : "في أول البقرة وآخرها" ، وفي جـ : "في أول سورة الواقعة وفي آخرها".
(3) في جـ : "فلخص".
(4) صحيح البخاري برقم (34) وصحيح مسلم برقم (58) ولفظه : "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا - والرابعة - وإذا خاصم فجر".
(5) في جـ : "المددين".
(6) المسند (3/17).
(7) في جـ ، ط ، ب ، و : "ابن إسحاق".
(8) زيادة من جـ.
(9) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(10) في جـ : "غير هذا الموضع".
(11) في جـ : "فراشا" وهو خطأ.
(12) صحيح البخاري برقم (4761) وصحيح مسلم برقم (68).

(1/144)


ونقل أبو نصر القشيري (1) عن الحسن وجعفر الصادق أنهما شددا الميم من آمين مثل : { آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } [المائدة : 2].
قال أصحابنا وغيرهم : ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة ، ويتأكد في حق المصلي ، وسواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا ، وفي جميع الأحوال ، لما جاء في الصحيحين ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا أمن الإمام فأمنوا ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ، غفر له ما تقدم من ذنبه" ولمسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا قال أحدكم في الصلاة : آمين ، والملائكة (2) في السماء : آمين ، فوافقت إحداهما الأخرى ، غفر له ما تقدم من ذنبه" (3).[قيل : بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان ، وقيل : في الإجابة ، وقيل : في صفة الإخلاص] (4).وفي صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعا : "إذا (5) قال ، يعني الإمام : { ولا الضالين } ، فقولوا : آمين. يجبكم الله" (6).وقال جُوَيبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قلت : يا رسول الله ، ما معنى آمين ؟ قال : "رب افعل" (7).وقال الجوهري : معنى آمين : كذلك فليكن ، وقال الترمذي : معناه : لا تخيب رجاءنا ، وقال الأكثرون : معناه : اللهم استجب لنا ، وحكى القرطبي عن مجاهد وجعفر الصادق وهلال بن كيسان : أن آمين اسم من أسماء الله تعالى وروي عن ابن عباس مرفوعًا ولا يصح ، قاله أبو بكر بن العربي المالكي (8).وقال أصحاب مالك : لا يؤمن الإمام ويؤمن المأموم ، لما رواه مالك عن سُمَيّ ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "وإذا قال ، يعني الإمام : { ولا الضالين } ، فقولوا : آمين". الحديث (9). واستأنسوا - أيضا - بحديث أبي موسى : "وإذا قرأ : { ولا الضالين } ، فقولوا : "آمين".
وقد قدمنا في المتفق عليه : "إذا أمن الإمام فأمنوا" وأنه عليه الصلاة والسلام كان يؤمن إذا قرأ (10) { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ }
__________
(1) في جـ : "ولا".
(2) رواه البخاري في صحيحه برقم (7373) ومسلم في صحيحه برقم (30).
(3) في جـ : "ليقول".
(4) رواه أبو داود في السنن برقم (4980) من حديث حذيفة رضي الله عنه.
(5) ورواه الإمام أحمد في المسند (5/72) من طريق بهز وعفان عن حماد بن سلمة به.
(6) رواه ابن ماجة في السنن برقم (2118) عن هشام بن عمار ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن عمير به ، وقال البوصيري في الزوائد (2/151) : "هذا إسناد رجاله ثقات على شرط البخاري لكنه منقطع بين سفيان وبين عبد الملك بن عمير".
(7) في جـ : "أندادا".
(8) سنن النسائي الكبرى برقم (10825) وسنن ابن ماجة برقم (2117) وقال البوصيري في الزوائد (1/150) : "هذا فيه الأجلح بن عبد الله ، مختلف فيه".
(9) في جـ : "تعالى".
(10) زيادة من جـ ، ط.

(1/145)


وقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية ، وحاصل الخلاف أن الإمام إن نسي التأمين جهر المأموم به قولا واحدًا ، وإن أمَّن الإمام جهرًا فالجديد أنه لا يجهر المأموم وهو مذهب أبي حنيفة ، ورواية عن مالك ؛ لأنه ذكر من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة. والقديم أنه يجهر به ، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، والرواية الأخرى عن مالك ، لما (1) تقدم : "حتى يرتج المسجد".
ولنا قول آخر ثالث : أنه إن كان المسجد صغيرًا لم يجهر المأموم (2) ، لأنهم يسمعون قراءة الإمام ، وإن كان كبيرا جهر ليبلغ التأمين مَنْ في أرجاء المسجد ، والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عنده اليهود ، فقال : "إنهم لن يحسدونا (3) على شيء كما يحسدونا (4) على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين" (5) ، ورواه ابن ماجه ، ولفظه : "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين" (6) ، وله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول : آمين ، فأكثروا من قول : "آمين" (7) وفي إسناده طلحة بن عمرو ، وهو ضعيف.
وروى ابن مَرْدُويه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "آمين : خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين" (8).وعن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أعطيت آمين في الصلاة وعند الدعاء ، لم يعط أحد قبلي إلا أن يكون موسى ، كان موسى يدعو ، وهارون يؤمن ، فاختموا الدعاء بآمين ، فإن الله يستجيبه لكم" (9).
قلت : ومن هنا نزع بعضهم في الدلالة بهذه الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى : { وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } [يونس : 88 ، 89] ، فذكر الدعاء عن موسى وحده ، ومن سياق الكلام ما يدل على أن
__________
(1) في جـ : "لأن هذا".
(2) في جـ : "وقال".
(3) في جـ : "الله وحده".
(4) في جـ ، أ : "عمله".
(5) في جـ : "سره".
(6) في ب : "أطيب عند الله".
(7) في جـ ، ب ، أ ، و : "نفسي منكم".
(8) في جـ : "وصلى وزعم أنه مسلم".
(9) في أ : "وإن صلى وإن صام".

(1/146)


هارون أمَّن ، فنزل منزلة من دعا ، لقوله تعالى : { قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } [يونس : 89] ، فدلّ ذلك على أن من أمَّن على دعاء فكأنما قاله ؛ فلهذا قال من قال : إن المأموم لا يقرأ لأن تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها ؛ ولهذا جاء في الحديث : "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" ، وكان بلال يقول : لا تسبقني بآمين. فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية ، والله أعلم.
ولهذا قال ابن مَرْدُويه : حدثنا أحمد بن الحسن ، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا جرير ، عن ليث بن أبي سليم ، عن كعب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا قال الإمام : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } فقال : آمين ، فتوافق (1) آمين أهل الأرض آمين أهل السماء ، غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه ، ومثل من لا يقول : آمين ، كمثل رجل غزا مع قوم ، فاقترعوا ، فخرجت سهامهم ، ولم يخرج سهمه ، فقال : لِمَ لَمْ يخرج سهمي ؟ فقيل : إنك لم تقل : آمين" (2).
__________
(1) في جـ ، ط : "بل بما سماهم".
(2) المسند (4/130).

(1/147)


[بسم الله الرحمن الرحيم] (1)
تفسير سورة البقرة
خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة حرف ، وستة آلاف ومائة وعشرون كلمة ، ومائتان وستة وثمانون آية في عدد الكوفي وعدد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ذكر ما ورد في فضلها
قال الإمام أحمد : حدثنا عارم ، حدثنا معتمر ، عن أبيه ، عن رجل ، عن أبيه ، عن معقل بن يسار ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " البقرة سَنَام القرآن وذروته ، نزل مع كل آية منها ثمانون مَلَكًا ، واستخرجت : "اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" [البقرة : 255] من تحت العرش ، فوصلت بها ، أو فوصلت بسورة البقرة ، ويس : قلب القرآن ، لا يقرؤها رجل يريد الله ، والدار الآخرة إلا غفر له ، واقرؤوها على موتاكم " انفرد به أحمد (2).
وقد رواه أحمد - أيضًا - عن عارم ، عن عبد الله بن المبارك ، عن سليمان التيمي (3) عن أبي عثمان - وليس بالنَّهْدي - عن أبيه ، عن مَعْقِل بن يَسَار ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرؤوها على موتاكم " يعني : يس (4).
فقد بَيَّنَّا بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى. وقد أخرج هذا الحديث على هذه الصفة في الرواية الثانية أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (5).
وقد روى الترمذي من حديث حكيم بن جبير ، وفيه ضعف ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكل شيء سنام ، وإن سَنَام القرآن البقرة ، وفيها آية هي سيدة آي القرآن : آية الكرسي " (6).
وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي ، من حديث سهيل (7) بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ، فإن البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان " (8) وقال الترمذي : حسن صحيح.
__________
(1) زيادة من جـ ، ط.
(2) المسند (5/26).
(3) في جـ : "التميمي".
(4) المسند (5/26) وأبو عثمان لم يوثقه سوى ابن حبان وأبوه لا يعرف ، وقد اتضح أن الحديث مضطرب ، اختلف فيه على سليمان التميمي.
(5) سنن أبي داود برقم (3121) وسنن النسائي الكبرى برقم (10913) وسنن ابن ماجة برقم (1448).
(6) سنن الترمذي برقم (2878) ورواه الحاكم في المستدرك (2/259) من طريق حكيم بن جبير به.
(7) في أ : "سهل".
(8) المسند (2/284) وصحيح مسلم برقم (780) وسنن الترمذي برقم (2877) وسنن النسائي الكبرى برقم (8015).

(1/149)


وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثني ابن أبي مريم ، عن ابن (1) لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سِنان بن سعد ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه " (2).
سنان بن سعد ، ويقال بالعكس ، وثقه ابن معين واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره.
وقال أبو عبيد : حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن سلمة بن كُهَيْل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، يعني ابن مسعود ، قال : إن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع فيه سورة البقرة. ورواه النسائي في اليوم والليلة ، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة (3) ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه.
وقال ابن مَرْدُويه : حدثنا أحمد بن كامل ، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي ، حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال ، حدثني أبو بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم ، يَضَع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى ، ويدع سورة البقرة يقرؤها ، فإن الشيطان يفرّ من البيت تقرأ فيه سورة البقرة ، وإن أصفْرَ البيوت ، الجَوْفُ الصِّفْر من كتاب الله ".
وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة ، عن محمد بن نصر ، عن أيوب بن سليمان ، به (4).
وروى الدارمي في مسنده عن ابن مسعود قال : ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط (5). وقال : إن لكل شيء سناما ، وإن سنام القرآن سورة البقرة ، وإن لكل شيء لبابًا ، وإن لباب القرآن المفصل (6). وروى - أيضا - من طريق الشعبي قال : قال عبد الله بن مسعود : من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة أربع من أولها وآية الكرسي وآيتان بعدها وثلاث آيات من آخرها (7) وفي رواية : لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق.
وعن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لكل شيء سناما ، وإن سنام القرآن البقرة ، من قرأها في بيته ليلة (8) لم يدخله الشيطان (9) ثلاث ليال ، ومن قرأها في بيته نهارًا لم يدخله
__________
(1) في جـ : "أبي".
(2) فضائل القرآن (ص121).
(3) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص121) وسنن النسائي الكبرى برقم (10800) والمستدرك (2/260).
(4) سنن النسائي الكبرى برقم (10799) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (3292) "مجمع البحرين" من طريق حلو بن السري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله به مرفوعا وخالفهما - أي ابن عجلان وحلو بن السري - شعبة ، فرواه عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله فوقفه ، أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (176) وشعبة أوثق الناس في أبي إسحاق ، ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (165) من طريق إبراهيم ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله موقوفا.
(5) سنن الدارمي برقم (3375).
(6) سنن الدارمي برقم (3377).
(7) سنن الدارمي برقم (3383).
(8) في أ : "ليلا".
(9) في ط ، ب : "شيطان".

(1/150)


الشيطان (1) ثلاثة أيام ".
رواه أبو القاسم الطبراني ، وأبو حاتم ، وابن حبان في صحيحه (2).
وقد روى الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من حديث عبد الحميد بن جعفر ، عن سعيد المقبري ، عن عطاء مولى أبي أحمد ، عن أبي هريرة ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد ، فاستقرأهم فاستقرأ كُلّ واحد منهم ، يعني ما معه من القرآن ، فأتى على رجل من أحدثهم سنًا ، فقال : " ما معك يا فلان ؟ " قال : معي كذا وكذا وسورة البقرة ، فقال : " أمعك سورة البقرة ؟" قال : نعم. قال : " اذهب فأنت أميرهم " فقال رجل من أشرافهم : والله ما منعني أن أتعلم البقرة (3) إلا أني خشيت ألا أقوم بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعلموا القرآن واقرؤوه ، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأ وقام به كمثل جراب محشو مسْكًا يفوح ريحه في كل مكان ، ومثل من تعلمه ، فيرقد وهو في جوفه ، كمثل جراب أوكِي على مسك " (4).
هذا لفظ رواية الترمذي ، ثم قال : هذا حديث حسن. ثم رواه من حديث الليث ، عن سعيد ، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلا فالله أعلم (5).
قال (6) البخاري : وقال الليث : حدثني يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أسَيد بن حُضَير (7) قال : بينما هو يقرأ من الليل (8) سورة البقرة ، وفرسه مربوطة عنده ، إذ جالت الفرس ، فسكت ، فسكَنتْ ، فقرأ (9) فجالت الفرس ، فسكت ، فسكنت ، ثم قرأ فجالت الفرس ، فانصرف ، وكان ابنه يحيى قريبًا منها. فأشفق أن تصيبه ، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها ، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اقرأ يا ابن حُضَير (10) ". قال : فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى ، وكان منها قريبًا ، فرفعت رأسي وانصرفت إليه ، فرفعت رأسي إلى السماء ، فإذا مثل الظُّلَّة فيها أمثال المصابيح ، فخرجت حتى لا أراها ، قال : " وتدري ما ذاك ؟ ". قال : لا. قال : " تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت (11) ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم (12).
وهكذا رواه الإمام العَالم أبو عبيد القاسم بن سلام ، في كتاب فضائل القرآن ، عن عبد الله بن صالح ، ويحيى بن بكير ، عن الليث به (13).
وقد روي من وجه آخر (14) عن أسيد بن حضير ، كما تقدم (15) ، والله أعلم.
__________
(1) في ط ، ب : "شيطان".
(2) المعجم الكبير (6/163) وصحيح ابن حبان برقم (1727) "موارد".
(3) في أ : "سورة البقرة".
(4) سنن الترمذي برقم (2876) وسنن النسائي الكبرى برقم (8749).
(5) في جـ : "فالله تبارك وتعالى أعلم".
(6) في ب : "وقال".
(7) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الحضير".
(8) في جـ ، ط : "في".
(9) في ط : "ثم قرأ".
(10) في جـ ، أ : "الحضير".
(11) في أ : "لأصبح".
(12) صحيح البخاري برقم (5018).
(13) فضائل القرآن (ص26).
(14) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وجوه أخر".
(15) سبق تخريجه في فضائل القرآن.

(1/151)


وقد وقع نحو من هذا لثابت بن قيس بن شماس ، (1) رضي الله عنه ، وذلك فيما رواه أبو عبيد [القاسم] (2) : حدثنا عباد بن عباد ، عن جرير بن حازم ، عن جرير (3) بن يزيد : أن أشياخ أهل المدينة حدثوه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قيل له : ألم تر ثابت بن قيس بن شماس ؟ لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح ، قال : " فلعله قرأ سورة البقرة ". قال : فسئل ثابت ، فقال : قرأت سورة البقرة (4).
وهذا إسناد جيد ، إلا أن فيه إبهاما ، ثم هو مرسل ، والله أعلم. [ذكر] (5) ما ورد في فضلها مع آل عمران
قال (6) الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا بشير بن مهاجر (7) حدثني عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول : " تعلموا سورة البقرة ، فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا تستطيعها البطلة ". قال : ثم سكت ساعة ، ثم قال : " تعلموا سورة البقرة ، وآل عمران ، فإنهما الزهراوان ، يُظلان صاحبهما يوم القيامة ، كأنهما غمامتان أو غيايتان ، أو فرْقان من طير صَوافّ ، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب ، فيقول له : هل تعرفني ؟ فيقول : ما أعرفك. فيقول : أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر ، وأسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته ، وإنك اليوم من وراء كل تجارة. فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، ويكسى والداه حلتين ، لا يقوم لهما (8) أهل الدنيا ، فيقولان : بم كسينا هذا ؟ فيقال : بأخذ ولدكما القرآن ، ثم يقال : اقرأ واصعد في دَرَج الجنة وغرفها ، فهو في صعود ما دام يقرأ هَذًّا كان أو ترتيلا ".
وروى ابن ماجه من حديث بشير بن المهاجر (9) بعضه (10) ، وهذا إسناد حسن (11) على شرط مسلم ، فإن بشيرا هذا أخرج له مسلم ، ووثقه ابن معين ، وقال النسائي : ليس به بأس ، إلا أن الإمام أحمد قال فيه : هو منكر الحديث ، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تجيء بالعجب. وقال البخاري : يخالف في بعض حديثه. وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي : روى ما لا يتابع عليه. وقال الدارقطني : ليس بالقوي.
قلت : ولكن لبعضه شواهد ؛ فمن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي ؛ قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلام ، عن أبي أمامة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اقرؤوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة ، اقرؤوا الزهراوين : البقرة وآل عمران ، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان ، أو كأنهما غيايتان ، أو كأنهما فِرْقان من طير صوافّ يحاجان عن أهلهما " (12) ثم قال : " اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة (13) ، وتركها حسرة ، ولا تستطيعها
__________
(1) في ط ، ب : "الشماس".
(2) زيادة من ط.
(3) في جـ ، ب : "عن عمه جرير".
(4) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص27) وتقدم تخريجه في فضائل القرآن أيضا.
(5) زيادة من أ ، و.
(6) في جـ ، ط : "وقال".
(7) في ط ، ب : "المهاجر".
(8) في أ ، و : "عليهما".
(9) في جـ : "المهاجر به".
(10) المسند (5/348) وسنن ابن ماجة برقم (3781).
(11) في جـ : "جيد".
(12) في جـ : "عن أهلهما يوم القيامة".
(13) في أ : "حسنة".

(1/152)


البطلة " (1).
وقد رواه مسلم في الصلاة من حديث معاوية بن سلام ، عن أخيه زيد بن سلام ، عن جده أبي سلام مَمْطور الحَبَشِيّ ، عن أبي أمامة صُدَيّ بن عجلان [الباهلي] (2) ، به (3).
الزهراوان : المنيران ، والغياية : ما أظلك من فوقك. والفِرْقُ : القطعة من الشيء ، والصواف : المصطفة المتضامة (4). والبطلة السحرة ، ومعنى " لا تستطيعها " أي : لا يمكنهم حفظها ، وقيل : لا تستطيع النفوذ في قارئها ، والله أعلم.
ومن ذلك حديث النَّوّاس (5) بن سِمْعان. قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن محمد بن مهاجر ، عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي ، عن جُبَير بن نُفَير ، قال : سمعت النواس بن سمعان الكلابي ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به ، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران ". وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد ، قال : " كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شَرْق ، أو كأنهما فرْقَان من طير صَوَاف (6) يُحَاجَّان عن صاحبهما " (7).
ورواه مسلم ، عن إسحاق بن منصور ، عن يزيد بن عبد ربه ، به (8).
والترمذي ، من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي ، به (9). وقال : حسن غريب.
وقال أبو عبيد : حدثنا حجاج ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : قال حماد : أحسبه عن أبي منيب ، عن عمه ؛ أن رجلا قرأ البقرة وآل عمران ، فلما قضى صلاته قال له كعب : أقرأت البقرة وآل عمران ؟ قال : نعم. قال : فوالذي نفسي بيده ، إن فيهما اسم الله الذي إذا دعي به استجاب (10). قال : فأخبرني به. قال : لا والله لا أخبرك ، ولو أخبرتك لأوشكت أن تدعوه بدعوة أهلك فيها أنا وأنت (11).
[قال أبو عبيد] (12) : وحدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن سليم بن عامر : أنه سمع أبا أمامة يقول : إن أخًا لكم (13) أرِي في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل ، وعلى رأس الجبل شجرتان خضراوان تهتفان : هل فيكم من يقرأ سورة البقرة ؟ وهل فيكم من يقرأ سورة آل عمران ؟ قال : فإذا قال الرجل : نعم. دنتا منه بأعذاقهما ، حتى يتعلق بهما فتُخطران به
__________
(1) المسند (5/249).
(2) زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
(3) صحيح مسلم برقم (804).
(4) في جـ : "المتصلة".
(5) في جـ : "نواس".
(6) في جـ ، ط : "من طير صاف".
(7) في أ : "صاحب لهما".
(8) المسند (4/183) وصحيح مسلم برقم (805).
(9) سنن الترمذي برقم (2883).
(10) في ط : "أجاب".
(11) فضائل القرآن (ص126).
(12) زيادة من ب.
(13) في جـ : "أخاكم".

(1/153)


الجبل (1).
[قال أبو عبيد] (2) وحدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي عمران : أنه سمع أم الدرداء تقول : إن رجلا ممن قرأ القرآن أغار على جار له ، فقتله ، وإنه أقيدَ به (3) ، فقتل ، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة ، حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة ، ثم إن آل عمران انسلت منه ، وأقامت البقرة جمعة ، فقيل لها : { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } [ق : 29] قال : فخرجت كأنها السحابة العظيمة (4).
قال أبو عبيد : أراه ، يعني : أنهما كانتا معه في قبره تدفعان عنه وتؤنسانه ، فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن.
وقال - أيضًا - : حدثنا أبو مُسْهِر الغساني ، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي : أن يزيد بن الأسود الجُرَشي كان يحدث (5) : أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم ، برئ من النفاق حتى يمسي ، ومن قرأهما من ليلة برئ من النفاق حتى يصبح ، قال : فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه (6).
[قال أيضًا] (7) : وحدثنا يزيد ، عن وقاء (8) بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان - أو كتب - من القانتين (9).
فيه انقطاع ، ولكن ثبت في الصحيحين (10) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما (11) في ركعة واحدة (12). [ذكر] (13) ما ورد في فضل السبع الطول
قال أبو عبيد : حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي ، عن محمد بن شعيب ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن واثلة بن الأسقع ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " أعطيت السبع الطُّوال مكان التوراة ، وأعطيت المئين مكان الإنجيل ، وأعطيت المثاني (14) مكان الزبور ، وفضلت بالمفصّل " (15).
هذا حديث غريب ، وسعيد بن بشير ، فيه لين.
وقد رواه أبو عبيد [أيضا] (16) ، عن عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن سعيد بن أبي هلال ، قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال... فذكره ، والله أعلم. ثم قال (17) حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عمرو (18) بن أبي عمرو ، مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن حبيب بن هند الأسلمي ،
__________
(1) فضائل القرآن (ص126).
(2) زيادة من و.
(3) في جـ ، ط ، ب : "منه".
(4) فضائل القرآن (ص126 ، 127].
(5) في جـ : "يحدثه".
(6) فضائل القرآن (127).
(7) زيادة من ب ، و.
(8) في هـ : "ورقاء".
(9) فضائل القرآن (ص127).
(10) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "والصحيح".
(11) في جـ ، ط ، ب ، و : "قرأ بهن" ، وفي أ : "قرأهن".
(12) الحديث وقع لي في سنن النسائي (2/177) من حديث حذيفة ، رضي الله عنه.
(13) زيادة من أ ، و.
(14) في أ : "وأعطيت السبع المثاني".
(15) فضائل القرآن (ص120) ورواه الطبري في تفسيره (1/100) من طريق رواد بن الجراح عن سعيد بن بشير به ، ورواه الطبري في تفسيره (1/100) من طريق الطيالسي عن عمران - أبي العوام - عن قتادة به ، ورواه الطبري في تفسيره (1/101) من طريق ليث بن أبي سليم عن أبي بردة عن أبي المليح به نحوه.
(16) زيادة من ب.
(17) في ب : "قال أيضا".
(18) في جـ : "عمر".

(1/154)


عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أخذ السبع فهو حَبْر" (1).
وهذا أيضًا غريب ، وحبيب بن هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي ، روى عنه عمرو بن أبي عمرو وعبد الله بن أبي بكرة ، وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحا ، فالله أعلم.
وقد رواه الإمام أحمد ، عن سليمان بن داود ، وحسين ، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر ، به (2).
ورواه - أيضًا - عن أبي سعيد ، عن سليمان بن بلال ، عن حبيب بن هند ، عن عروة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أخذ السبع الأوَل من القرآن فهو حَبْر " (3).
قال أحمد : وحدثنا حسين ، حدثنا ابن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله (4).
قال عبد الله بن أحمد : وهذا أرى فيه ، عن أبيه ، عن الأعرج ، ولكن كذا كان في الكتاب بلا " أبي " (5) ، أغفله أبي ، أو كذا هو مرسل ، ثم قال أبو عبيد : حدثنا هُشَيْم ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } [الحجر : 87] ، قال : هي السبع الطول : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، ويونس. قال : وقال مجاهد : هي السبع الطول. وهكذا قال مكحول ، وعطية بن قيس ، وأبو محمد الفارسي (6) ، وشَداد بن عبيد الله ، ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك ، وفي تعدادها ، وأن يونس هي السابعة. فصل
والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف ، قال بعض العلماء : وهي مشتملة على ألف خبر ، وألف أمر ، وألف نهي.
وقال العادون : آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات ، وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة ، وحروفها خمسة (7) وعشرون ألفًا وخمسمائة حرف ، فالله أعلم.
قال ابن جُرَيْج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنزل بالمدينة سورة البقرة.
وقال خَصيف : عن مجاهد ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : أنزل بالمدينة سورة البقرة.
وقال الواقدي : حدثني الضحاك بن عثمان ، عن أبي الزِّناد ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، قال : نزلت البقرة بالمدينة.
وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء ، والمفسرين ، ولا خلاف فيه.
__________
(1) فضائل القرآن (ص120).
(2) المسند (6/73).
(3) المسند (6/82).
(4) المسند (6/73).
(5) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فلا أدري".
(6) في جـ ، ط ، ب : "القارئ".
(7) في جـ : "خمس".

(1/155)


الم (1)

وقال ابن مَرْدُويه : حدثنا محمد بن مَعْمَر ، حدثنا الحسن بن علي بن الوليد [الفارسي] (1) حدثنا خلف بن هشام ، حدثنا عُبيس (2) بن ميمون ، عن موسى بن أنس بن مالك ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقولوا : سورة البقرة ، ولا سورة آل عمران ، ولا سورة النساء ، وكذا القرآن كله ، ولكن قولوا : السورة التي يذكر فيها البقرة ، والتي يذكر فيها آل عمران ، وكذا القرآن كله " (3).
هذا حديث غريب لا يصح رفعه ، وعيسى بن ميمون هذا هو أبو سلمة الخواص ، وهو ضعيف الرواية ، لا يحتج به. وقد ثبت في الصحيحين (4) ، عن ابن مسعود : أنه رمى الجمرة من بطن الوادي ، فجعل البيت عن يساره ، ومنى عن يمينه ، ثم قال (5) : هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. أخرجاه (6).
وروى ابن مَرْدُويه ، من حديث شعبة ، عن عقيل بن طلحة ، عن عتبة بن فرقد (7) قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه تأخرًا (8) ، فقال : " يا أصحاب سورة البقرة " (9). وأظن هذا كان يوم حنين ، حين ولوا مدبرين أمر العباس فناداهم : " يا أصحاب الشجرة " ، يعني أهل بيعة الرضوان. وفي رواية : " يا أصحاب البقرة (10) " ؛ لينشطهم بذلك ، فجعلوا يقبلون من كل وجه (11). وكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة ، جعل الصحابة يفرون لكثافة حَشْر (12) بني حنيفة ، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون : يا أصحاب سورة البقرة ، حتى فتح الله عليهم (13). رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم الم 1 }
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور ، فمنهم من قال : هي مما استأثر الله بعلمه ، فردوا علمها إلى الله ، ولم يفسروها [حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم به ، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خثيم ، واختاره
__________
(1) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(2) في هـ : "عيسى".
(3) رواه الطبراني في الأوسط برقم (3450) "مجمع البحرين" والبيهقي في شعب الإيمان برقم (2582) من طريق عُبيس بن ميمون ، عن موسى بن أنس به ، وقال البيهقي : "عُبيس بن ميمون منكر الحديث : وهذا لا يصح ، وإنما روى عن ابن عمر من قوله".
(4) ف جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الصحيح".
(5) في و : "يقول".
(6) صحيح البخاري برقم (1747) وصحيح مسلم برقم (1296).
(7) في هـ : "مربد" وهو خطأ.
(8) في جـ : "تأخرا في أصحابه".
(9) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (17/133) من طريق علي بن قتيبة عن شعبة عن عقيل بن أبي طلحة به ، وجاء من حديث أنس ، رواه أبو يعلى في مسنده (6/289) من طريق عمرو بن عاصم عن أبي العوام عن معمر عن الزهري عن أنس رضي الله عنه.
(10) في ب : "سورة البقرة".
(11) جاء من حديث العباس ، رواه مسلم في صحيحه برقم (1775) من طريق الزهري ، عن كثير بن عباس عن أبيه العباس رضي الله عنه.
(12) في جـ ، ط ، ب ، و : "حبيش".
(13) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (12/502) من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه قال : "كان شعار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم مسيلمة : "يا أصحاب سورة البقرة".

(1/156)


أبو حاتم بن حبان (1) ] (2).
ومنهم من فسَّرها ، واختلف هؤلاء في معناها ، فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنما هي أسماء السور [قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره : وعليه إطباق الأكثر ، ونقله عن سيبويه أنه نص عليه] (3) ، ويعتضد هذا بما ورد في الصحيحين ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة : الم السجدة ، وهل أتى على الإنسان (4).
وقال سفيان الثوري ، عن ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد : أنه قال : الم ، وحم ، والمص ، وص ، فواتح افتتح الله بها القرآن.
وكذا قال غيره : عن مجاهد. وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عنه ، أنه قال : الم ، اسم من أسماء القرآن.
وهكذا قال قتادة ، وزيد بن أسلم ، ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد : أنه اسم من أسماء السور (5) ، فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن ، فإنه يبعد أن يكون "المص" اسما للقرآن كله ؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول : قرأت "المص" ، إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف ، لا لمجموع القرآن. والله أعلم.
وقيل : هي اسم من أسماء الله تعالى. فقال الشعبي : فواتح السور من أسماء الله تعالى ، وكذلك قال سالم بن عبد الله ، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ، وقال شعبة عن السدي : بلغني أن ابن عباس قال : الم اسم من أسماء الله الأعظم. هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة.
ورواه ابن جرير عن بُنْدَار ، عن ابن مَهْدِي ، عن شعبة ، قال : سألت السدي عن حم وطس والم ، فقال : قال ابن عباس : هي اسم الله الأعظم.
وقال ابن جرير : وحدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا أبو النعمان ، حدثنا شعبة ، عن إسماعيل السدي ، عن مُرَّة الهمداني قال : قال عبد الله ، فذكر نحوه [وحكي مثله عن علي وابن عباس] (6).
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله تعالى.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن عُلية ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة أنه قال : الم ، قسم.
ورويا (7) - أيضًا - من حديث شريك بن عبد الله ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضُّحَى ، عن ابن عباس : الم ، قال : أنا الله أعلم.
وكذا قال سعيد بن جبير ، وقال السُّدِّي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن
__________
(1) تفسير القرطبي (1/154).
(2) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(3) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(4) صحيح البخاري برقم (891) وصحيح مسلم برقم (880).
(5) في ط ، ب ، أ ، و : "السورة".
(6) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(7) في جـ : "وروي".

(1/157)


مرّة الهمذاني عن ابن مسعود. وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : الم. قال : أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.
وقال أبو جعفر الرّازي ، عن الرّبيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : { الم } قال : هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفًا دارت فيها الألسن كلها ، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه ، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه ، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. قال عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، وعَجب ، فقال : وأعْجَب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه ، فكيف يكفرون به ؛ فالألف مفتاح اسم الله ، واللام مفتاح اسمه لطيف (1) والميم مفتاح اسمه مجيد (2) فالألف آلاء الله ، واللام لطف الله ، والميم مجد الله ، والألف (3) سنة ، واللام ثلاثون سنة ، والميم أربعون [سنة] (4). هذا لفظ ابن أبي حاتم. ونحوه رواه ابن جرير ، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها ، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر ، وأن الجمع ممكن ، فهي أسماء السور ، ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور ، فكل حرف منها دَلّ على اسم من أسمائه وصفة من صفاته ، كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه. قال : ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله ، وعلى صفة من صفاته ، وعلى مدة وغير ذلك ، كما ذكره الرّبيع بن أنس عن أبي العالية ؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معان كثيرة ، كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين ، كقوله تعالى : { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ } [الزخرف : 22 ، 23]. وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله ، كقوله : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل : 120] وتطلق ويراد بها الجماعة ، كقوله : { وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ } [القصص : 23] ، وقوله : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا} [النحل : 36] وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله : { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } [يوسف : 45] أي : بعد حين على أصح القولين ، قال : فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجهًا ، ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية ، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا ، وعلى هذا ، وعلى هذا معًا ، ولفظة الأمة وما أشبهها (5) من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح ، إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام ، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ، ليس هذا (6) موضع البحث فيها ، والله أعلم ؛ ثم إن لفظ الأمة تدل على كل (7) معانيه في سياق الكلام بدلالة الوضع ، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره ، فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف ، والمسألة مختلف فيها ، وليس فيها إجماع حتى يحكم به.
__________
(1) في جـ : "اسمه اللطيف" ، وفي أ : "اسم لطيف".
(2) في جـ : "المجيد".
(3) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فالألف".
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وما أشبهه".
(6) في أ : "هنا".
(7) في ط ، ب : "كل من".

(1/158)


وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة ، فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا ، كما قال الشاعر :
قلنا قفي لنا فقالت قاف... لا تَحْسَبِي أنا نَسينا الإيجاف (1)
تعني : وقفت. وقال الآخر :
ما للظليم عَالَ كَيْفَ لا يا... ينقَدُّ عنه جلده إذا يا (2)
قال ابن جرير : كأنه أراد أن يقول : إذا يفعل كذا وكذا ، فاكتفى بالياء من يفعل ، وقال الآخر :
بالخير خيرات وإن شرًا فا... ولا أريد الشر إلا أن تا (3)
يقول : وإن شرًا فشر ، ولا أريد الشر إلا أن تشاء ، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام ، والله أعلم.
[قال القرطبي : وفي الحديث : "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" (4) الحديث. قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : اق] (5).
وقال خصيف ، عن مجاهد ، أنه قال : فواتح السور كلها "ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع. وقال بعض أهل العربية : هي حروف من حروف المعجم ، استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها ، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا ، كما يقول القائل : ابني يكتب في : ا ب ت ث ، أي : في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها. حكاه ابن جرير.
قلت : مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا ، وهي : ا ل م ص ر ك ي ع ط س ح ق ن ، يجمعها قولك : نص حكيم قاطع له سر. وهي نصف الحروف عددًا ، والمذكور منها أشرف من المتروك ، وبيان ذلك من صناعة التصريف.
[قال الزمخشري : وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أنصاف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ، ومن الرخوة والشديدة ، ومن المطبقة والمفتوحة ، ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلة ثم قال : فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته ، وهذه الأجناس المعدودة ثلاثون بالمذكورة منها ، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله] (6).
__________
(1) البيت في تفسير الطبري (1/212).
(2) البيت في تفسير الطبري (1/213).
(3) البيت في تفسير الطبري (1/213) وينسب إلى القيم بن أوس كما ذكره المحقق الفاضل.
(4) تفسير القرطبي (1/156) والحديث رواه ابن ماجة في السنن برقم (2620) من طريق يزيد بن أبي زياد ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه به مرفوعا ، وقال البوصيري في الزوائد (2/334) : "هذا إسناد ضعيف ، يزيد بن أبي زياد الدمشقي قال فيه البخاري وأبو حاتم : منكر الحديث".
تنبيه : وقع في بعض النسخ المساعدة : قال سفيان ، بدل شقيق ، والذي في تفسير القرطبي موافق لما هاهنا ، وقد روي هذا القول عن سفيان الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (2329).
(5) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(6) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.

(1/159)


ومن هاهنا لحظ (1) بعضهم في هذا المقام كلامًا ، فقال : لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثًا ولا سدى ؛ ومن قال من الجهلة : إنَّه في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية ، فقد أخطأ خطأ كبيرًا ، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر ، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به ، وإلا وقفنا حيث وقفنا ، وقلنا : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } [آل عمران : 7].
ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين ، وإنما اختلفوا ، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه ، وإلا فالوقف حتى يتبين. هذا مقام.
المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ، ما (2) هي ؟ مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها. فقال بعضهم : إنما ذكرت لنعرف بها أوائل السور. حكاه ابن جرير ، وهذا ضعيف ؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه ، وفيما ذكرت فيه بالبسملة تلاوة وكتابة.
وقال آخرون : بل ابتدئ بها لتُفْتَحَ لاستماعها أسماعُ المشركين - إذ (3) تواصوا بالإعراض عن القرآن - حتى إذا استمعوا له تُلي عليهم المؤلَّف منه. حكاه ابن جرير - أيضًا - ، وهو ضعيف أيضًا ؛ لأنه لو كان ككذلك لكان ذلك في جميع السور لا (4) يكون في بعضها ، بل غالبها ليس كذلك ، ولو كان كذلك - أيضًا - لانبغى (5) الابتداء بها في أوائل الكلام معهم ، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك. ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين ، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.
وقال آخرون : بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن ، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ، هذا مع أنه [تركب] (6) من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.
ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته ، وهذا معلوم بالاستقراء ، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ، ولهذا يقول تعالى : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ } [البقرة : 1 ، 2]. { الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } [آل عمران : 1 - 3]. { المص * كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ } [الأعراف : 1 ، 2]. { الر كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } [إبراهيم : 1]{ الم * تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [السجدة : 1 ، 2]. { حم * تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [فصلت : 1 ، 2]. { حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [الشورى : 1 - 3] ، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن (7) النظر ، والله أعلم.
__________
(1) في ب ، و : "لخص" ، وفي جـ ، ط : "يخص".
(2) في ط : "وما".
(3) في ط : "إذا".
(4) في ب : "ولا".
(5) في جـ ، ط : "لا ينبغي".
(6) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(7) في ط : "أنعم".

(1/160)


وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد ، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم ، فقد ادعى ما ليس له ، وطار في غير مطاره ، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف ، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته. وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار ، صاحب المغازي ، حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، قال : مر أبو ياسر (1) بن أخطب ، في رجال من يهود ، برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ هدى للمتقين] (2) } [البقرة : 1 ، 2 ] فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود ، فقال : تعلمون - والله - لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عليه : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ } فقال : أنت سمعته ؟ قال : نعم. قال : فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود (3) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقالوا : يا محمد ، ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك : { الم * ذلك الكتاب لا [ريب] } (4) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بلى". فقالوا : جاءك (5) بهذا جبريل من عند الله ؟ فقال : "نعم". قالوا : لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه (6) بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقام (7) حيي بن أخطب ، وأقبل على من كان معه ، فقال لهم : الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة ، أفتدخلون في دين نبي ، إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، هل مع هذا غيره ؟ فقال : "نعم" ، قال : ما ذاك ؟ قال : "المص" ، قال : هذا أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد سبعون (8) ، فهذه إحدى وثلاثون (9) ومائة سنة. هل مع هذا يا محمد غيره (10) ؟ قال : "نعم" قال : ما ذاك (11) ؟ قال : "الر". قال : هذا (12) أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان. فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. فهل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال : "نعم" ، قال : ماذا ؟ قال : "المر". قال : فهذه أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون ومائتان ، ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد ، حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا. ثم قال : قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر (13) لأخيه حيي بن أخطب ، ولمن معه من الأحبار : ما يدريكم ؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون (14) ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان ، فذلك سبعمائة وأربع سنين (15). فقالوا : لقد تشابه علينا أمره ، فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم : { هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } [آل عمران : 7] (16).
__________
(1) في جـ : "أبو إياس".
(2) زيادة من جـ.
(3) في جـ ، ط : "من يهود".
(4) زيادة من ب.
(5) في جـ ، ط : "أجاءك".
(6) في جـ : "ما نعلمهم".
(7) في أ : "فقال".
(8) في جـ : "تسعون" ، وفي ط ، ب ، أ ، و : "ستون".
(9) في جـ : "إحدى وستون".
(10) في جـ ، أ ، و : "هل مع هذا غيره يا محمد".
(11) في جـ ، ط ، ب ، و : "ماذا".
(12) في جـ ، ط ، ب : "هذه".
(13) في جـ : "أبو إياس".
(14) في جـ : "إحدى وستون".
(15) في جـ : "أربع وثلاثين سنة".
(16) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (2/208) والطبري في تفسيره (1/217) من طريق ابن إسحاق ، وأطنب العلامة أحمد شاكر في الكلام عليه في حاشية تفسير الطبري.

(1/161)


ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)

فهذا مداره على محمد بن السائب الكلبي ، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها ، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة ، وإن حسبت مع التكرر فأتم وأعظم (1) والله أعلم.
{ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) }
قال ابن جُرَيج : قال ابن عباس : "ذَلِكَ الْكِتَابُ" : هذا الكتاب. وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والسديّ ومقاتل بن حيان ، وزيد بن أسلم ، وابن جريج : أن ذلك بمعنى هذا ، والعرب تقارض بين هذين الاسمين من أسماء الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر ، وهذا معروف في كلامهم.
و { الْكِتَابُ } القرآن. ومن قال : إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل ، كما حكاه ابن جرير وغيره ، فقد أبعد النَّجْعَة وأغْرق (2) في النزع ، وتكلف ما لا علم له به.
والرّيب : الشك ، قال السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهَمْدانيّ عن ابن مسعود ، وعن أناس (3) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا رَيْبَ فِيهِ } لا شك فيه.
وقاله أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن أبي حاتم : لا أعلم في هذا خلافًا.
[وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل :
بثينة قالت يا جميل أربتني... فقلت كلانا يا بثين مريب...
واستعمل - أيضًا - في الحاجة كما قال بعضهم (4) :
قضينا من تهامة كل ريب... وخيبر ثم أجمعنا السيوفا] (5)
ومعنى الكلام : أن هذا الكتاب - وهو القرآن - لا شك فيه أنه نزل (6) من عند الله ، كما قال تعالى في السجدة : { الم * تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [السجدة : 1 ، 2]. [وقال بعضهم : هذا خبر ومعناه النهي ، أي : لا ترتابوا فيه] (7).
ومن القراء من يقف على قوله : { لا رَيْبَ } ويبتدئ بقوله : { فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } والوقف على قوله تعالى : { لا رَيْبَ فِيهِ } أولى للآية التي ذكرنا ، ولأنه يصير قوله : { هُدًى } صفة للقرآن ، وذلك أبلغ من كون : { فِيهِ هُدًى }.
و { هُدًى } يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت ، ومنصوبًا على الحال.
__________
(1) في و : "أطم وأعظم" ، وفي أ : "أعظم وأعظم".
(2) في جـ ، : "أغرب".
(3) في جـ ، ط : "ناس".
(4) هو كعب بن مالك ، والبيت في اللسان ، مادة "ريب".
(5) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(6) في جـ ، ط ، ب : "منزل".
(7) زيادة من جـ ، ط.

(1/162)


وخصّت الهداية للمتَّقين. كما قال : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [فصلت : 44]. { وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا } [الإسراء : 82] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن ؛ لأنه هو في نفسه هدى ، ولكن لا يناله إلا الأبرار ، كما قال : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [يونس : 57].
وقد قال السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } يعني : نورًا (1) للمتقين.
وقال الشعبي : هدى من الضلالة. وقال سعيد بن جبير : تبيان للمتَّقين. وكل ذلك صحيح.
وقال السدي : عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } قال : هم المؤمنون (2).
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { لِلْمُتَّقِينَ } أي : الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به.
وقال أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : { لِلْمُتَّقِينَ } قال : المؤمنين الذين يتَّقون (3) الشرك بي ، ويعملون بطاعتي.
وقال سفيان الثوري ، عن رجل ، عن الحسن البصري ، قوله : { لِلْمُتَّقِينَ } قال : اتَّقوا ما حرّم الله عليهم ، وأدوا ما افترض عليهم.
وقال أبو بكر بن عياش : سألني الأعمش عن المتَّقين ، قال : فأجبته. فقال [لي] (4) سل عنها الكلبي ، فسألته فقال : الذين يجتنبون كبائر الإثم. قال : فرجعت إلى الأعمش ، فقال : نرى أنه كذلك. ولم ينكره.
وقال قتادة { لِلْمُتَّقِينَ } هم الذين نعتهم الله بقوله : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ } الآية والتي بعدها [البقرة : 3 ، 4].
واختار ابن جرير : أن الآية تَعُمّ ذلك كله ، وهو كما قال.
وقد روى الترمذي وابن ماجه ، من رواية أبي عقيل عبد الله بن عقيل ، عن عبد الله بن يزيد ، عن ربيعة بن يزيد ، وعطية بن قيس ، عن عطية السعدي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس (5). ثم قال الترمذي : حسن غريب (6).
__________
(1) في جـ ، ب : "نور".
(2) في جـ : "يعني نورا للمؤمنين".
(3) في جـ : "يتعوذون".
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(5) في ب : "البأس".
(6) سنن الترمذي برقم (2451) وسنن ابن ماجه برقم (4215).

(1/163)


الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن عمران ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، يعني الرازي ، عن المغيرة بن مسلم ، عن ميمون أبي حمزة ، قال : كنت جالسًا عند أبي وائل ، فدخل علينا رجل ، يقال له : أبو عفيف ، من أصحاب معاذ ، فقال له شقيق بن سلمة : يا أبا عفيف ، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل ؟ قال : بلى سمعته يقول : يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد ، فينادي مناد : أين المتَّقون ؟ فيقومون في كَنَفٍ من الرّحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت : من المتَّقون ؟ قال : قوم اتَّقوا الشرك وعبادة الأوثان ، وأخلصوا لله العبادة ، فيمرون إلى الجنة (1).
وأصل التقوى : التوقي مما يكره لأن أصلها وقوى من الوقاية. قال النابغة :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه... فتناولته واتقتنا باليد...
وقال الآخر :
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت... بأحسن موصولين كف ومعصم...
وقد قيل : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، سأل أبيّ بن كعب عن التقوى ، فقال له : أما سلكت طريقًا ذا شوك ؟ قال : بلى قال : فما عملت ؟ قال : شمرت واجتهدت ، قال : فذلك التقوى.
وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال :
خل الذنوب صغيرها... وكبيرها ذاك التقى...
واصنع كماش فوق أر... ض الشوك يحذر ما يرى...
لا تحقرن صغيرة... إن الجبال من الحصى...
وأنشد أبو الدرداء يومًا :
يريد المرء أن يؤتى مناه... ويأبى الله إلا ما أرادا...
يقول المرء فائدتي ومالي... وتقوى الله أفضل ما استفادا...
وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرًا من زوجة صالحة ، إن نظر إليها سرته ، وإن أمرها أطاعته ، وإن أقسم عليها أبرته ، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله" (2).
{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) }
قال أبو جعفر الرازي ، عن العلاء بن المسيب بن رافع ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : الإيمان التصديق.
__________
(1) تفسير ابن أبي حاتم (1/33) وفي إسناده ميمون القصاب ضعيف.
(2) سنن ابن ماجة برقم (1857) من طريق عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم ، عن أبي أمامة رضي الله عنه ، وقال البوصيري في الزوائد (2/70) : "هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف ، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه".

(1/164)


وقال علي بن أبي طلحة وغيره ، عن ابن عباس ، { يُؤْمِنُونَ } يصدقون.
وقال مَعْمَر عن الزهري : الإيمان العمل.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : { يُؤْمِنُونَ } يخشون.
قال ابن جرير وغيره : والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادًا وعملا قال : وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان ، الذي هو تصديق القول بالعمل ، والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرار بالله وكتبه ورسله ، وتصديق الإقرار بالفعل. قلت : أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض ، وقد يستعمل في القرآن ، والمراد به ذلك ، كما قال تعالى : { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } [التوبة : 61] ، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } [يوسف : 17] ، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال ؛ كقوله : { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } [الإنشقاق : 25 ، والتين : 6] ، فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولا وعملا.
هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة ، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا : أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا (1) الكلام فيها في أول شرح البخاري ، ولله الحمد والمنة.
ومنهم من فسره بالخشية ، لقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } [الملك : 12] ، وقوله : { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } [ق : 33] ، والخشية خلاصة الإيمان والعلم ، كما قال تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [فاطر : 28].
وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه ، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد.
قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } قال : يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وجنته وناره ولقائه ، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث ، فهذا غيب كله.
وكذا قال قتادة بن دعامة.
وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي (2) صلى الله عليه وسلم : أما الغَيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة ، وأمر النار ، وما ذكر في القرآن.
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عِكْرِمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { بِالْغَيْبِ } قال : بما جاء منه ، يعني : مِنَ الله تعالى.
وقال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زِرّ ، قال : الْغَيْب القرآن.
__________
(1) في جـ ، ط : "وأفردنا".
(2) في جـ ، ط : "رسول الله".

(1/165)


وقال عطاء بن أبي رباح : من آمن بالله فقد آمن بالغيب.
وقال إسماعيل بن أبي خالد : { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } قال : بغيب الإسلام.
وقال زيد بن أسلم : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } قال : بالقدر. فكل هذه متقاربة في معنى واحد ؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.
وقال سعيد بن منصور : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد (1) قال : كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا ، فذكرنا أصحَاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقوا به ، قال : فقال عبد الله : إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بينا لمن رآه ، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } إلى قوله : { الْمُفْلِحُونَ } [البقرة : 1 - 5] (2).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن مَرْدُويه ، والحاكم في مستدركه ، من طرق ، عن الأعمش ، به (3).
وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه.
وفي معنى هذا الحديث الذي رواه [الإمام] (4) أحمد ، حدثنا أبو المغيرة ، أخبرنا الأوزاعي ، حدثني أسيد (5) بن عبد الرحمن ، عن خالد بن دُرَيك ، عن ابن مُحَيريز ، قال : قلت لأبي جمعة : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم ، أحدثك حديثًا جيدًا : تغدينا (6) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ، فقال : يا رسول الله ، هل أحد (7) خير منا ؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال : "نعم" ، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" (8).
طريق أخرى : قال أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن صالح بن جُبَيْر ، قال : قدم علينا أبو جمعة الأنصاري ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس ، ليصلي فيه ، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة ، فلما انصرف (9) خرجنا نشيعه ، فلما أراد الانصراف قال : إن لكم جائزة وحقا ؛ أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلنا : هات رحمك الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة ، فقلنا : يا رسول الله ، هل من قوم أعظم أجرًا منا ؟ آمنا بك واتبعناك ، قال :
__________
(1) في أ : "زيد".
(2) سنن سعيد بن منصور برقم (180) تحقيق د. الحميد.
(3) تفسير ابن أبي حاتم (1/34) والمستدرك (2/260).
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(5) في هـ : "أسد".
(6) في جـ : "فعدنا".
(7) في جـ : "أأحد".
(8) المسند (4/106) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (4/33) : "واختلف فيه على الأوزاعي ، فقال الأكثر : عن أسيد عن خالد بن دريك عن ابن محيريز. وقال ابن شماسة : عن الأوزاعي عن أسيد عن صالح بن محمد حدثني أبو جمعة به" وقال في فتح الباري (7/6) : "إسناده حسن".
(9) في جـ : "انصرفنا".

(1/166)


"ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء ، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه ، أولئك أعظم منكم أجرا" مرتين (1).
ثم رواه من حديث ضَمْرَة بن ربيعة ، عن مرزوق بن نافع ، عن صالح بن جبير ، عن أبي جمعة ، بنحوه (2).
وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوِجَادة التي اختلف فيها أهل الحديث ، كما قررته في أول شرح البخاري ؛ لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقا.
وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي : حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي ، عن المغيرة بن قيس التميمي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أي الخلق أعجب إليكم إيمانا ؟". قالوا : الملائكة. قال : "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟". قالوا : فالنبيون. قال : "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟". قالوا : فنحن. قال : "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟". قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ألا إن أعجب الخلق إليّ إيمانا لَقَوْمٌ يكونون من بعدكم يَجدونَ صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها" (3).
قال أبو حاتم الرازي : المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.
قلت : ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده ، وابن مردويه في تفسيره ، والحاكم في مستدركه ، من حديث محمد بن أبي حميد ، وفيه ضعف ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بمثله أو نحوه. وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه (4) وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعًا (5) ، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي ، حدثنا إسحاق بن إدريس ، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري ، أخبرني جعفر بن محمود ، عن جدته تويلة (6) بنت أسلم ، قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة ، فاستقبلنا مسجد إيلياء (7) ، فصلينا سجدتين ، ثم جاءنا من يخبرنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت (8) الحرام ، فتحول النساء مكان الرجال ، والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ، ونحن مستقبلون (9) البيت الحرام.
قال إبراهيم : فحدثني رجال من بني حارثة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك قال : "أولئك قوم
__________
(1) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (4/23) عن بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح به.
(2) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (4/23) من طريق ضمرة بن ربيعة به.
(3) جزء الحسن بن عرفة برقم (19).
(4) مسند أبي يعلى (1/147) والمستدرك (4/85) وتعقب الذهبي الحاكم فقال : "بل ضعفوه".
(5) رواه البزار في مسنده (2840) "كشف الأستار" من طريق سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، وقال : "غريب من حديث أنس".
(6) في هـ : "نويلة".
(7) في جـ : "المسجد الأقصى".
(8) في جـ ، ط : "بيت الله".
(9) في طـ ، ب ، أ ، و : "مستقبلوا".

(1/167)


آمنوا بالغيب" (1).
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
{ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومما رزقناهم ينفقون 3 }
قال ابن عباس : أي : يقيمون الصلاة بفروضها.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : إقامة (2) الصلاة إتمام (3) الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.
وقال قتادة : إقامة (4) الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها ، وركوعها وسجودها.
وقال مقاتل بن حيان : إقامتها : المحافظة على مواقيتها ، وإسباغ الطهور فيها (5) وتمام ركوعها وسجودها (6) وتلاوة القرآن فيها ، والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا إقامتها.
وقال علي بن أبي طلحة ، وغيره عن ابن عباس : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قال : زكاة أموالهم.
وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله (7) صلى الله عليه وسلم { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قال : هي نفقة الرجل على أهله ، وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
وقال جُوَيْبر ، عن الضحاك : كانت النفقات قربات (8) يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم ، حتى نزلت فرائض الصدقات : سبعُ آيات في سورة براءة ، مما يذكر فيهن الصدقات ، هن الناسخات المُثْبَتَات.
وقال قتادة : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } فأنفقوا مما أعطاكم الله ، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم ، يوشك أن تفارقها.
واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات ، فإنه قال : وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم : أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مُؤَدّين ، زكاة كان ذلك أو نفقة مَنْ لزمته نفقته ، من أهل أو عيال وغيرهم ، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك ؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك ، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.
قلت : كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال ، فإن الصلاة حق الله وعبادته ، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه ، وتمجيده والابتهال إليه ، ودعائه والتوكل عليه ؛ والإنفاق هو
__________
(1) تفسير ابن أبي حاتم (1/36) وفي إسناده إسحاق بن إدريس قال البخاري : "تركه الناس". وقال ابن معين : "يضع الحديث". ورواه الطبراني في المعجم الكبير (24/207) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري ، عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه به نحوه.
(2) في جـ ، ط : "إقام".
(3) في جـ ، ط ، ب : "تمام".
(4) في طـ : "إقام".
(5) في جـ : "لها".
(6) في جـ : "وإتمام الركوع والسجود".
(7) في جـ : "النبي".
(8) في جـ ، ط ، ب : "قربانا".

(1/168)


الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم ، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك ، ثم الأجانب ، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "بُنِيَ الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت" (1). والأحاديث في هذا كثيرة.
وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء ، قال الأعشى :
لها حارس لا يبرحُ الدهرَ بَيْتَها... وإن ذُبحَتْ صلى عليها وزَمْزَما (2)
وقال أيضًا (3) وقابلها الريح في دَنّها... وصلى على دَنّها وارتسم (4)
أنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذلك.
وقال الآخر - وهو الأعشى أيضًا - :
تقول بنتي وقد قَرَّبتُ مرتحلا... يا رب جنب أبي الأوصابَ والوَجَعَا...
عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي... نوما فإن لِجَنب المرء مُضْطجعا...
يقول : عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر ، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة ، بشروطها المعروفة ، وصفاتها ، وأنواعها [المشروعة] (5) المشهورة.
وقال ابن جرير : وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة ؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبتَه من ثواب الله بعمله ، مع ما يسأل ربه من (6) حاجته (7).
[وقيل : هي مشتقة من الصلَوَيْن إذا تحركا في الصلاة عند (8) الركوع ، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا (9) عجب الذنب ، ومنه سمي المصلي ؛ وهو الثاني للسابق في حلبة الخيل ، وفيه نظر ، وقيل : هي مشتقة من الصلى ، وهو الملازمة للشيء من قوله : { لا يَصْلاهَا } أي : يلزمها ويدوم فيها { إِلا الأشْقَى } [الليل : 15] وقيل : مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوّم ، كما أن المصلي يقوّم عوجه بالصلاة : { إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } [العنكبوت : 45] واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر ، والله أعلم] (10).
وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه ، إن شاء الله.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (8) وصحيح مسلم برقم (16).
(2) البيت في تفسير الطبري (1/242).
(3) في ب : "الآخر".
(4) البيت في تفسير الطبري (1/242).
(5) زيادة من ط.
(6) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فيها".
(7) في أ ، و : "حاجاته".
(8) في أ : "في".
(9) في أ : "يكشفا".
(10) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.

(1/169)


وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

{ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) }
قال ابن عباس : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ } أي : يصدقون بما جئت به من الله ، وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين ، لا يفرقون بينهم ، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم { وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } أي : بالبعث والقيامة ، والجنة ، والنار ، والحساب ، والميزان.
وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا ، وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هاهنا : هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [البقرة : 3] ومن هم ؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير :
أحدهما (1) : أن الموصوفين أوّلا هم الموصوفون ثانيًا ، وهم كل مؤمن ، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم ، قاله مجاهد ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة.
والثاني : هما واحد ، وهم مؤمنو أهل الكتاب ، وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات ، كما قال تعالى : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى } [الأعلى : 1 - 5] وكما قال الشاعر :
إلى الملك القَرْم وابن الهُمام... وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَم...
فعطف الصفات بعضها على بعض ، والموصوف واحد.
والثالث : أن الموصوفين أولا مؤمنو العرب ، والموصوفون ثانيا بقوله : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ } الآية مؤمنو (2) أهل الكتاب ، نقله السدي في تفسيره ، عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة ، واختاره ابن جرير ، ويستشهد لما قال بقوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ } الآية [آل عمران : 199] ، وبقوله تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [القصص : 52 - 54]. وثبت في الصحيحين ، من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي ، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها" (3).
وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة ، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين ، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين : منافق وكافر ، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى عربي وكتابي.
قلت : والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري ، عن رجل ، عن مجاهد. ورواه غير واحد ، عن
__________
(1) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أحدها".
(2) في جـ ، ط ، ب : "لمؤمني".
(3) صحيح البخاري برقم (97) وصحيح مسلم برقم (154).

(1/170)


أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد أنه قال : أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين ، وآيتان في نعت الكافرين ، وثلاث عشرة في المنافقين ، فهذه الآيات الأربع عامة في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي ، وكتابي من إنسي وجني ، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى ، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها ، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به مَنْ قبله من الرسل والإيقان بالآخرة ، كما أن هذا لا يصح إلا بذاك ، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك ، كما قال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نزلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ } الآية [النساء : 136]. وقال : { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزلَ إِلَيْنَا وَأُنزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ } الآية [العنكبوت : 46]. وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } [النساء : 47] وقال تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } [المائدة : 68] وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك ، فقال تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } الآية [البقرة : 285] وقال : { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } [النساء : 152] وغير ذلك من الآيات الدالة على أمْر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه. لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية ، وذلك أنهم مؤمنون بما بأيديهم (1) مفصلا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلا كان لهم على ذلك الأجر مرتين ، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان ، بما تقدم مجملا كما جاء في الصحيح : "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، ولكن قولوا : آمنا بالذي (2) أنزل إلينا وأنزل إليكم" (3) ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام ، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية ، فغيرهم [قد] (4) يحصل له من التصديق ما يُنيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم ، والله أعلم.
{ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) }
يقول الله تعالى : { أُولَئِكَ } أي : المتصفون بما تقدم : من الإيمان بالغيب ، وإقام الصلاة ، والإنفاق من الذي رزقهم الله ، والإيمان بما أنزل الله إلى الرسول ومَنْ قبله من الرسل ، والإيقان بالدار الآخرة ، وهو يستلزم الاستعداد لها من العمل بالصالحات وترك المحرمات.
{ عَلَى هُدًى } أي : نور وبيان وبصيرة من الله تعالى. { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي : في الدنيا والآخرة.
__________
(1) في جـ : "بما في أيديهم".
(2) في طـ ، ب ، أ ، و : "بما".
(3) صحيح البخاري برقم (4485 ، 7362) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) زيادة من طـ ، ب.

(1/171)


وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن عباس : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ } أي : على نور من ربهم ، واستقامة على ما جاءهم ، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي : الذين أدركوا ما طلبوا ، ونجوا من شر ما منه هربوا.
وقال ابن جرير : وأما معنى قوله : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ } فإن معنى ذلك : أنهم على نور من ربهم ، وبرهان واستقامة وسداد ، بتسديد الله إياهم ، وتوفيقه لهم وتأويل قوله : { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي المُنْجِحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله ، من الفوز بالثواب ، والخلود في الجنات ، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب (1).
وقد حكى ابن جرير قولا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ } الآية ، على ما تقدم من الخلاف. [قال] (2) وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ } منقطعا (3) مما قبله ، وأن يكون مرفوعًا على الابتداء وخبره { [ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَ] أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (4) واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب ، لما رواه السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما الذين يؤمنون بالغيب ، فهم المؤمنون من العرب ، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقين فقال : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة للمؤمنين عامة ، والإشارة عائدة عليهم ، والله أعلم. وقد نقل هذا عن مجاهد ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، رحمهم الله.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لَهِيعة ، حدثني عبيد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم واسمه سليمان بن عبد ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل له : يا رسول الله ، إنا نقرأ من القرآن فنرجو ، ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس ، أو كما قال. قال : فقال : "أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار ؟". قالوا : بلى يا رسول الله. قال : " { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ } " إلى قوله تعالى : { الْمُفْلِحُونَ } هؤلاء أهل الجنة". قالوا : إنا نرجو أن نكون هؤلاء. ثم قال : " { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ } " إلى قوله : { عَظِيمٌ } هؤلاء أهل النار". قالوا : لسنا هم يا رسول الله. قال : "أجل " (5).
__________
(1) تفسير الطبري (1/249).
(2) زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
(3) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "مقتطعا".
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(5) تفسير ابن أبي حاتم (1/40).

(1/172)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) }
يقول تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي : غَطوا الحق وستروه ، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك ، سواء عليهم إنذارك وعدمه ، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } [يونس : 96 ، 97] وقال في حق المعاندين من أهل الكتاب : { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ } الآية [البقرة : 145] أي : إن من (1) كتب الله عليه الشقاوة فلا مُسْعِد له ، ومن أضلَّه فلا هادي له ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، وبلّغهم الرّسالة ، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر ، ومن تولى فلا تحزن عليهم ولا يُهْمِدَنَّك ذلك ؛ { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ } [الرعد : 40] ، و { إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [هود : 12].
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرصُ أن يؤمن جميع النَّاس ويُتَابعوه على الهدى ، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادةُ في الذكر الأوّل ، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأوّل.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي : بما أنزل إليك ، وإن قالوا : إنَّا قد آمنا بما جاءنا قبلك { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } أي : إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك ، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق ، فقد (2) كفروا بما جاءك ، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك ، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا ، وقد كفروا بما عندهم من علمك ؟!
وقال أبو جعفر الرّازي ، عن الرّبيع بن أنس ، عن أبي العالية ، قال : نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب ، وهم الذين قال الله فيهم : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا } [إبراهيم : 28 ، 29].
والمعنى الذي ذكرناه أوّلا وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة ، أظهر ، ويفسر (3) ببقية الآيات التي في معناها ، والله أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا ، فقال : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لَهِيعة ، حدثني عبد الله بن المغيرة ، عن أبي الهيثم (4) عن عبد الله بن عمرو ، قال : قيل : يا رسول الله ، إنَّا نقرأ من القرآن فنرجو ، ونقرأ فنكاد أن نيأس ، فقال : "ألا أخبركم" ، ثم قال : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } هؤلاء أهل النار". قالوا : لسنا منهم يا رسول الله ؟ قال : "أجل" (5).
__________
(1) في جـ : "إلا أنه من".
(2) في جـ ، ط ، ب : "وقد".
(3) في جـ : "وتفسيره" ، وفي طـ ، ب : "ويفسره".
(4) في جـ : "القسم".
(5) تفسير ابن أبي حاتم (1/42).

(1/173)


خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)

[وقوله : { لا يُؤْمِنُونَ } محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها : { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } أي هم كفار في كلا الحالين ؛ فلهذا أكد ذلك بقوله : { لا يُؤْمِنُونَ } ويحتمل أن يكون { لا يُؤْمِنُونَ } خبرًا لأن تقديره : إن الذين كفروا لا يؤمنون ، ويكون قوله : { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ } جملة معترضة ، والله أعلم] (1).
{ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) }
قال السّدي : { خَتَمَ اللَّهُ } أي : طبع الله ، وقال قتادة في هذه الآية : استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه ؛ فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ، فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون.
وقال ابن جُرَيْج : قال مجاهد : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } قال : نبئت أن الذنوب على القلب تحف به (2) من كل نواحيه حتى تلتقي عليه ، فالتقاؤها عليه الطبع ، والطبع الختم ، قال ابن جريج : الختم على القلب والسمع.
قال ابن جُرَيْج : وحدثني عبد الله بن كَثير ، أنه سمع مجاهدًا يقول : الرّانُ أيسر من الطبع ، والطبع أيسر من الأقفال ، والأقفال أشد من ذلك كله.
وقال الأعمش : أرانا مجاهد بيده فقال : كانوا يرون أن القلب في مثل هذه (3) - يعني : الكف - فإذا أذنب العبد ذنبًا ضُمَّ منه ، وقال بأصبعه الخنصر هكذا ، فإذا أذنب ضَمّ. وقال بأصبع أخرى ، فإذا أذنب ضُمّ. وقال بأصبع أخرى وهكذا ، حتى ضم أصابعه كلها ، ثم قال (4) : يطبع عليه بطابع.
وقال مجاهد : كانوا (5) يرون أن ذلك : الرين.
ورواه ابن جرير : عن أبي كُرَيْب ، عن وَكِيع ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، بنحوه.
قال ابن جرير : وقال بعضهم : إنما معنى قوله : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } إخبار من الله عن تكبرهم ، وإعراضهم عن الاستماع لما دُعُوا إليه من الحق ، كما يقال : إن فلانًا لأصَمّ عن هذا الكلام ، إذا امتنع من سماعه ، ورفع (6) نفسه عن تفهمه تكبرًا.
قال : وهذا لا يصح ؛ لأن الله قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
(قلت) : وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا وتأول الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدًا ، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله ؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده - تعالى الله عنه في اعتقاده - ولو فهم قوله تعالى : { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } وقوله { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق ، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح ، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال ، والله أعلم.
قال القرطبي : وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال : { بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } وذكر حديث تقليب القلوب : "ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" ، وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها
__________
(1) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(2) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وقال : الطبع ينبت الذنوب على القلب فحفت به".
(3) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "هذا".
(4) في طـ ، ب : "قال : ثم".
(5) في جـ ، ط ، ب : "وكانوا".
(6) في جـ : "يرفع".

(1/174)


نكت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين : على أبيض مثل الصفاء فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا" الحديث.
قال (1) والحق عندي في ذلك ما صَحّ بنظيره (2) الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ما حدثنا به محمد بن بشار ، حدثنا صفوان بن عيسى ، حدثنا ابن عَجْلان ، عن القعقاع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزعَ واستعتب صقل قلبه ، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي قال الله تعالى : { كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [المطففين : 14] (3).
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي ، عن قتيبة ، عن الليث بن سعد ، وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم ، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان ، به (4).
وقال الترمذي : حسن صحيح.
ثم قال ابن جرير : فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها ، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع ، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ، ولا للكفر عنها (5) مخلص ، فذلك (6) هو الختم والطبع الذي ذكر (7) في قوله تعالى : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف ، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض (8) ذلك عنها ثم حلها ، فكذلك (9) لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحَلّه رباطه [عنها] (10).
واعلم أن الوقف التام على قوله تعالى : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } ، وقوله { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } جملة تامة ، فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع ، والغشاوة - وهي الغطاء - تكون على البصر ، كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله (11) صلى الله عليه وسلم في قوله : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } يقول : فلا يعقلون ولا يسمعون ، ويقول : وجعل على أبصارهم غشاوة ، يقول : على أعينهم فلا يبصرون.
قال (12) ابن جرير : حدثني محمد بن سعد (13) حدثنا أبي ، حدثني عمي الحسين بن الحسن ، عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } والغشاوة على أبصارهم.
وقال : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، يعني ابن داود ، وهو سُنَيد ، حدثني حجاج ، وهو ابن محمد الأعور ، حدثني ابن جريج قال : الختم على القلب والسمع ، والغشاوة على البصر ، قال الله تعالى : { فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ } [الشورى : 24] ، وقال { وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } [الجاثية : 23] (14).
__________
(1) في جـ ، ط : "قال ابن جرير"
(2) في جـ : "ما صح به بنظره".
(3) تفسير الطبري (1/260).
(4) سنن الترمذي برقم (3334) وسنن النسائي الكبرى برقم (11658) وسنن ابن ماجة برقم (4244).
(5) في أ ، و : "منها".
(6) في جـ : "فلذلك".
(7) في و : "ذكره الله".
(8) في جـ : "إلى نقض".
(9) في جـ : "فلذلك".
(10) زيادة من جـ ، ط.
(11) في جـ ، ط : "النبي".
(12) في جـ ، ط : "وقال".
(13) في أ : "سفيان".
(14) تفسير الطبري (1/265).

(1/175)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)

قال (1) ابن جرير : ومن نصب غشاوة من قوله تعالى : { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } يحتمل (2) أنه نصبها بإضمار فعل ، تقديره : وجعل على أبصارهم غشاوة ، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع ، على محل { وَعَلَى سَمْعِهِمْ } كقوله تعالى : { وَحُورٌ عِينٌ } [الواقعة : 22] ، وقول الشاعر :
عَلَفْتُها تبنًا وماء باردًا... حتى شَتتْ هَمَّالَةً عيناها (3)
وقال الآخر :
ورأيت زَوْجَك في الوغى... متقلِّدًا سيفًا ورُمْحًا (4)
تقديره : وسقيتها ماء باردًا ، ومعتَقِلا رمحًا.
لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات ، ثم عرّف حال الكافرين بهاتين الآيتين ، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة ، كل منها نفاق ، كما أنزل (5) سورة براءة فيهم ، وسورة المنافقين فيهم ، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور ، تعريفا لأحوالهم لتجتنب ، ويجتنب من تلبس (6) بها أيضًا ، فقال تعالى :
{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) }
النفاق : هو إظهار الخير وإسرار الشر ، وهو أنواع : اعتقادي ، وهو الذي يخلد صاحبه في النار ، وعملي وهو من أكبر الذنوب ، كما سيأتي تفصيله (7) في موضعه ، إن شاء الله تعالى ، وهذا كما قال ابن جريج : المنافق يخالف قَوْلُه فِعْلَهُ ، وسِرّه علانيته ، ومدخله مخرجه ، ومشهده مَغِيبه.
وإنما نزلت صفات المنافقين في السّور المدنية ؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق ، بل كان خلافه ، من الناس من كان يظهر الكفر مُسْتَكْرَها ، وهو في الباطن مؤمن ، فلمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج ، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام ، على طريقة مشركي العرب ، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم ، وكانوا ثلاث قبائل : بنو قَيْنُقَاع حلفاء الخزرج ، وبنو النَّضِير ، وبنو قُرَيْظَة حلفاء الأوس ، فلمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وأسلم من أسلم
__________
(1) في جـ : "وقال".
(2) في جـ ، ط : "فيحتمل".
(3) البيت في تفسير الطبري (1/264).
(4) البيت في تفسير الطبري (1/265) وهو للحارث المخزومي.
(5) في جـ : "كما أنزلت".
(6) في جـ : "يتلبس".
(7) في جـ : "تفسيره".

(1/176)


من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج ، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سَلام ، رضي الله عنه ، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضا ؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف ، بل قد كان ، عليه الصلاة والسلام ، وَادَعَ اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة ، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته ، وأعلى الإسلام وأهله ، قال عبد الله بن أبيّ بن سلول ، وكان رأسا في المدينة ، وهو من الخزرج ، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية ، وكانوا قد عزموا على أن يملّكوه عليهم ، فجاءهم الخير وأسلموا ، واشتغلوا عنه ، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله ، فلما كانت وقعة بدر قال : هذا أمر قد تَوَجَّه فأظهر الدخول في الإسلام ، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته ، وآخرون من أهل الكتاب ، فمن ثَمّ وُجِد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب ، فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد ، لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرَهًا ، بل يهاجر ويترك ماله ، وولده ، وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة.
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكْرِمة ، أو سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن عباس : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يعني : المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم.
وكذا فسَّرها بالمنافقين أبو العالية ، والحسن ، وقتادة ، والسدي.
ولهذا نبَّه الله ، سبحانه ، على صفات المنافقين لئلا يغترّ بظاهر أمرهم المؤمنون ، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم ، ومن اعتقاد إيمانهم ، وهم كفار في نفس الأمر ، وهذا من المحذورات الكبار ، أن يظن بأهل الفجور خَيْر ، فقال تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } أي : يقولون ذلك قولا ليس وراءه شيء آخر ، كما قال تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ } [المنافقون : 1] أي : إنما يقولون ذلك إذا جاؤوك فقط ، لا في نفس الأمر ؛ ولهذا يؤكدون في الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها ؛ كما أكَّدوا قولهم : { آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ } وليس الأمر كذلك ، كما أكْذبهم الله في شهادتهم ، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم ، بقوله : { وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [المنافقون : 1] ، وبقوله { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ }
وقوله تعالى : { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا } أي : بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر ، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك ، وأن ذلك نافعهم عنده ، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين ، كما قال تعالى : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [المجادلة : 18] ؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله : { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } يقول : وما يَغُرُّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم ، وما يشعرون بذلك من أنفسهم ، كما قال تعالى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [النساء : 142].
ومن القراء من قرأ : "وَمَا يُخَادِعُونَ (1) إِلا أَنفُسَهُمْ" ، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد.
__________
(1) في جـ ، ط ، ب : "يخدعون".

(1/177)


فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

قال ابن جرير : فإن قال قائل : كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا ، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية ؟
قيل : لا تمتنع (1) العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية ، لينجو مما هو له خائف ، مخادعا ، فكذلك المنافق ، سمي مخادعا لله وللمؤمنين ، بإظهاره ما أظهر (2) بلسانه تقية ، مما تخلص به من القتل والسباء (3) والعذاب العاجل ، وهو لغير ما أظهر ، مستبطن ، وذلك من فعلِه - وإن كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادع ، لأنه يُظْههِر لها بفعله ذلك بها أنَّه يعطيها أمنيّتها ، ويُسقيها كأس (4) سرورها ، وهو موردها حياض عطبها ، ومُجرّعها بها كأس عذابها ، ومُزيرُها (5) من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبَلَ لها به ، فذلك خديعته نفسه ، ظنًا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن ، كما قال تعالى : { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } إعلامًا منه عِبَادَه المؤمنين أنّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسْخَاطهم (6) عليها ربهم بكفرهم ، وشكهم وتكذيبهم ، غير شاعرين ولا دارين ، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون (7).
وقال ابن أبي حاتم : أنبأنا عليّ بن المبارك ، فيما كتب إليّ ، حدثنا زيد بن المبارك ، حدثنا محمد بن ثور ، عن ابن جُرَيْج ، في قوله تعالى : { يُخَادِعُونَ اللَّهَ } قال : يظهرون "لا إله إلا الله" يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم ، وفي أنفسهم غير ذلك (8).
وقال سعيد ، عن قتادة : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } نعت المنافق عند كثير : خَنعُ الأخلاق يصدّق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله ، يصبح على حال ويمسي على غيره ، ويمسي على حال ويصبح على غيره ، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبَّت ريح هبّ معها.
{ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) }
قال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال : شَكٌّ ، { فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } قال : شكًّا.
وقال [محمد] (9) بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عِكْرِمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [في قوله] (10) { : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال : شك.
__________
(1) في جـ : "لا تمنع".
(2) في أ ، و : "ما أظهره".
(3) في أ : "السبي".
(4) في جـ : "بكأس".
(5) في أ : "ويزيدها".
(6) في جـ : "بإسخاطهم".
(7) تفسير الطبري (1/273).
(8) تفسير ابن أبي حاتم (1/46).
(9) زيادة من و.
(10) زيادة من جـ.

(1/178)


وكذلك قال مجاهد ، وعكرمة ، والحسن البصري ، وأبو العالية ، والرّبيع بن أنس ، وقتادة.
وعن عكرمة ، وطاوس : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } يعني : الرياء.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال : نفاق { فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } قال : نفاقا ، وهذا كالأول.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال : هذا مرض في الدين ، وليس مرضًا في الأجساد ، وهم المنافقون. والمرض : الشك الذي دخلهم في الإسلام { فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } قال : زادهم رجسًا ، وقرأ : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } [التوبة : 124 ، 125] قال : شرًا إلى شرهم وضلالة إلى ضلالتهم.
وهذا الذي قاله عبد الرحمن ، رحمه الله ، حسن ، وهو الجزاء من جنس العمل ، وكذلك قاله الأولون ، وهو نظير قوله تعالى أيضًا : { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } [محمد : 17].
وقوله { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } وقرئ : "يكذّبون" ، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا ، فإنهم كانوا كذبة يكذبون بالحق يجمعون بين هذا وهذا. وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه ، عليه السلام ، عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم ، وذكروا أجوبة عن ذلك منها ما ثبت في الصحيحين : أنه قال لعمر : "أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه" (1) ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم ، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر ، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون : إن محمدًا يقتل أصحابه ، قال القرطبي : وهذا قول علمائنا وغيرهم كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بشر اعتقادهم. قال ابن عطية : وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون. ومنها : ما قال مالك ، رحمه الله : إنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه.
قال القرطبي : وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه ، وإن اختلفوا في سائر الأحكام ، قال : ومنها ما قال الشافعي : إنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم ؛ لأن ما يظهرونه يجبّ ما قبله. ويؤيد هذا قوله ، عليه الصلاة والسلام ، في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، عز وجل" (2). ومعنى هذا : أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا ، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة ، وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة جريان الحكم عليه في الدنيا ، وكونه كان
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4902) وصحيح مسلم برقم (3314).
(2) صحيح البخاري برقم (25) وصحيح مسلم برقم (22) من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما.

(1/179)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)

خليط أهل الإيمان { يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ } الآية [الحديد : 14] ، فهم يخالطونهم في بعض المحشر ، فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } [سبأ : 54] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث ، ومنها ما قاله بعضهم : أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان يخاف من شرهم مع وجوده ، عليه السلام ، بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات ، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون ، قال مالك : المنافق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزنديق اليوم. قلت : وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا. أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا أو يتكرر منه ارتداده أم لا أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه ؟ على أقوال موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام.
(تنبيه) قول من قال : كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلماء الليل عند عقبة هناك ؛ عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة. ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها والله أعلم.
فأما غير هؤلاء فقد قال تعالى : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } الآية ، وقال تعالى : { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا } ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم وإنما كانت تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم كما قال تعالى : { وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين ومع هذا لما مات [صلى عليه] صلى الله عليه وسلم وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين ، وقد عاتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه فقال : "إني أكره أن تتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه" وفي رواية في الصحيح "إني خيرت فاخترت" وفي رواية "لو أني أعلم لو زدت على السبعين يغفر الله له لزدت".
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) }
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مُرّة الطيب الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس (1) من أصحاب رسول الله (2) صلى الله عليه وسلم : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أما لا تفسدوا في الأرض ، قال : الفساد هو الكفر ، والعمل بالمعصية.
وقال أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ } قال : يعني : لا تعصُوا في الأرض ، وكان فسادهم ذلك معصية الله ؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله ، فقد أفسد في الأرض ؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطَّاعة.
وهكذا قال الربيع بن أنس ، وقتادة.
وقال ابن جُرَيْج ، عن مجاهد : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ } قال : إذا ركبوا معصية الله ، فقيل لهم : لا تفعلوا كذا وكذا ، قالوا : إنما نحن على الهدى ، مصلحون.
__________
(1) في طـ ، ب : "ناس".
(2) في أ : "النبي".

(1/180)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)

وقد قال وَكِيع ، وعيسى بن يونس ، وعثَّام بن علي ، عن الأعمش ، عن المِنْهَال بن عمرو ، عن عباد بن عبد الله الأسدي ، عن سلمان الفارسي : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } قال سلمان : لم يجئ أهل هذه الآية بعد.
وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن عثمان بن حَكيم ، حدثنا عبد الرحمن بن شَريك ، حدثني أبي ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب وغيره ، عن سلمان ، في هذه الآية ، قال : ما جاء هؤلاء بَعْدُ (1).
قال ابن جرير : يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد (2).
قال ابن جرير : فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم ، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه ، وتضييعهم فرائضه ، وشكّهم في دينه الذي لا يُقْبَلُ من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته ، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب ، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله ، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فذلك إفساد المنافقين في الأرض ، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها (3).
وهذا الذي قاله حسن ، فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء ، كما قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [الأنفال : 73] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [النساء : 144] ثم قال : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } [النساء : 145] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين ، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل ؛ لأنه هو الذي غَرّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له ، ووالى الكافرين على المؤمنين ، ولو أنه استمر على حالته (4) الأولى لكان شرّه أخف ، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح ؛ ولهذا قال تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أي : نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين ، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أي : إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ } يقول : ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد ، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا.
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) }
يقول [الله] (5) تعالى : وإذا قيل للمنافقين : { آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ } أي : كإيمان الناس بالله وملائكته
__________
(1) تفسير الطبري (1/288).
(2) تفسير الطبري (1/289).
(3) تفسير الطبري (1/289).
(4) في أ ، و : "لحاله".
(5) زيادة من (أ).

(1/181)


وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)

وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنَّة والنَّار وغير ذلك ، مما أخبر المؤمنين به وعنه ، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر { قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ } يعنون - لعنهم الله - أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رضي الله عنهم ، قاله أبو العالية والسدي في تفسيره ، بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة ، وبه يقول الربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم ، يقولون : أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء!!
والسفهاء : جمع سفيه ، كما أن الحكماء جمع حكيم [والحلماء جمع حليم] (1) والسفيه : هو الجاهل الضعيف الرّأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار ؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء ، في قوله تعالى : { وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } [النساء : 5] قال عامة علماء السلف : هم النساء والصبيان.
وقد تولى الله ، سبحانه ، جوابهم في هذه المواطن كلها ، فقال (2) { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ } فأكد وحصر السفاهة فيهم.
{ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ } يعني : ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل ، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى ، والبعد عن الهدى.
{ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) }
يقول [الله] (3) تعالى : وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا : { آمَنَّا } أي : أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة ، غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعة وتقية ، ولِيَشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم ، { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } يعني : وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا (4) إلى شياطينهم. فضمن { خَلَوْا } معنى انصرفوا ؛ لتعديته بإلى ، ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ (5) به. ومنهم من قال : "إلى" هنا بمعنى "مع" ، والأول أحسن ، وعليه يدور كلام ابن جرير.
وقال السدي عن أبي مالك : { خَلَوْا } يعني : مضوا ، و { شَيَاطِينِهِمْ } يعني : سادتهم وكبراءهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين.
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة عن ابن مسعود ، عن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } يعني : هم رؤوسهم من الكفر.
وقال الضحاك عن ابن عباس : وإذا خلوا إلى أصحابهم ، وهم شياطينهم.
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن
__________
(1) زيادة من طـ ، ب ، و.
(2) في أ : "كما قال".
(3) زيادة من أ.
(4) في أ ، و : "أو ذهبوا أو خلصوا".
(5) في طـ ، ب ، أ ، و : "الملفوظ".

(1/182)


عباس : { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول.
وقال مجاهد : { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.
وقال قتادة : { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } قال : إلى رؤوسهم ، وقادتهم في الشرك ، والشر.
وبنحو ذلك فسَّره أبو مالك ، وأبو العالية والسدي ، والرّبيع بن أنس.
قال ابن جرير : وشياطين كل شيء مَرَدَتُه ، وتكون الشياطين من الإنس والجن ، كما قال تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } [الأنعام : 112].
وفي المسند عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن". فقلت : يا رسول الله ، وللإنس شياطين ؟ قال : "نعم" (1).
وقوله تعالى : { قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ } قال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أي إنا على مثل ما أنتم عليه { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } أي : إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : قالوا إنما نحن مستهزئون ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك قال الرّبيع بن أنس ، وقتادة.
وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلة على صنيعهم : { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }
وقال (2) ابن جرير : أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة ، في قوله : { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } الآية [الحديد : 13] ، وقوله تعالى : { وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } [آل عمران : 178]. قال : فهذا وما أشبهه ، من استهزاء الله ، تعالى ذكره ، وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين ، وأهل الشرك به عند قائل هذا القول ، ومتأول هذا التأويل.
قال : وقال آخرون : بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم ، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه ، والكفر به.
قال : وقال آخرون : هذا وأمثاله على سبيل الجواب ، كقول الرّجل لمن يخدعه إذا ظفر به : أنا الذي خدعتك. ولم تكن منه خديعة ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه ، قالوا : وكذلك قوله : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [آل عمران : 54] و { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } على الجواب ، والله
__________
(1) المسند (5/178).
(2) في طـ ، ب : "وقال".

(1/183)


لا يكون منه المكر ولا الهزء ، والمعنى : أن المكر والهُزْء حَاق بهم.
وقال آخرون : قوله : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } وقوله { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [النساء : 142] ، وقوله { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ } [التوبة : 79] و { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة : 67] وما أشبه ذلك ، إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم (1) جَزَاءَ الاستهزاء ، ويعاقبهم (2) عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مُخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } [الشورى : 40] وقوله تعالى : { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ } [البقرة : 194] ، فالأول ظلم ، والثاني عدل ، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما.
قال : وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.
قال : وقال آخرون : إن معنى ذلك : أنّ الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوا إلى مَرَدَتِهم قالوا : إنا معكم على دينكم ، في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وإنما نحن بما يظهر لهم - من قولنا لهم : صدقنا بمحمد ، عليه السلام ، وما جاء به مستهزئون ؛ فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم ، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا ، يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة ، يعني من العذاب والنكال (3).
ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره ؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله ، عز وجل ، بالإجماع ، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.
قال : وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس : حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا عثمان ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } قال : يسخر بهم للنقمة منهم.
وقوله تعالى : { وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } قال السدي : عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة ، عن ابن مسعود ، وعن أناس (4) من الصحابة [قالوا] (5) يَمدهم : يملي لهم.
وقال مجاهد : يزيدهم.
قال ابن جرير : والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عُتُوّهم وتَمَرّدهم ، كما قال : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [الأنعام : 110].
__________
(1) في طـ ، أ ، و : "مجازيهم".
(2) في طـ ، ب ، أ ، و : "ومعاقبهم".
(3) تفسير الطبري (1/303).
(4) في جـ ، ط ، ب : "ناس".
(5) زيادة من ب ، و.

(1/184)


أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

والطغيان : هو المجاوزة في الشيء. كما قال : { إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ } [الحاقة : 11] ، وقال الضحاك ، عن ابن عباس : { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } في كفرهم يترددون.
وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة ، وبه يقول أبو العالية ، وقتادة ، والرّبيع بن أنس ، ومجاهد ، وأبو مالك ، وعبد الرحمن بن زيد : في كفرهم وضلالتهم.
قال ابن جرير : والعَمَه : الضلال ، يقال : عمه فلان يَعْمَه عَمَهًا وعُمُوهًا : إذا ضل.
قال : وقوله : { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } في ضلالهم (1) وكفرهم الذي غمرهم دَنَسُه ، وعَلاهم رجْسه ، يترددون [حيارى] (2) ضُلالا (3) لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا ؛ لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها ، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها ، فلا يبصرون رُشْدًا ، ولا يهتدون سبيلا.
[وقال بعضهم : العمى في العين ، والعمه في القلب ، وقد يستعمل العمى في القلب - أيضا - : قال الله تعالى : { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج : 46] ويقال : عمه الرجل يعمه عموها فهو عمه وعامه ، وجمعه عمّه ، وذهبت إبله العمهاء : إذا لم يدر أين ذهبت (4).
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مُرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى } قال : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.
وقال [محمد] (5) بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى } أي : الكفر بالإيمان.
وقال مجاهد : آمنوا ثمّ كفروا.
وقال قتادة : استحبوا الضلالة على الهدى [أي : الكفر بالإيمان] (6). وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود : { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } [فصلت : 17] (7).
وحاصل قول المفسرين فيما تقدم : أن المنافقين عَدَلوا عن الهدى إلى الضلال ، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة ، وهو معنى قوله تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى } أي بذلوا الهدى ثمنا للضلالة ، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر ، كما قال
__________
(1) في ب ، أ ، و : "ضلالتهم".
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(3) في جـ : "ضلال".
(4) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(5) زيادة من جـ.
(6) زيادة من طـ.
(7) في هـ : "فأما" وهو خطأ.

(1/185)


تعالى فيهم : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ } [المنافقون : 3] ، أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى ، كما يكون (1) حال فريق آخر منهم ، فإنهم أنواع وأقسام ؛ ولهذا قال تعالى : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } أي : ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة ، { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } أي : راشدين في صنيعهم ذلك.
قال (2) ابن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } قد - والله - رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الجماعة إلى الفرقة ، ومن الأمن إلى الخوف ، ومن السنة إلى البدعة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، من حديث يزيد بن زُرَيْع ، عن سعيد ، عن قتادة ، بمثله سواء.
__________
(1) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "كما قد يكون".
(2) في ط : "وقال".

(1/186)


مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)

{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) }
[يقال : مثل ومثل ومثيل - أيضا - والجمع أمثال ، قال الله تعالى : { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ } [العنكبوت : 43] (1).
وتقدير هذا المثل : أن الله سبحانه ، شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى ، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى ، بمن استوقد نارًا ، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله ، وتَأنَّس بها فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره ، وصار في ظلام شديد ، لا يبصر ولا يهتدي ، وهو مع ذلك أصم لا يسمع ، أبكم لا ينطق ، أعمى لو كان ضياء لما أبصر ؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك ، فكذلك هؤلاء (2) المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى ، واستحبابهم الغَيّ على الرّشَد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا ، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع ، والله أعلم.
وقد حكى هذا الذي قلناه فخر الدين الرازي في تفسيره عن السدي ثم قال : والتشبيه هاهنا في غاية الصحة ؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك النور فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين.
وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات ، واحتج بقوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } [البقرة : 8].
والصواب : أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم ، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك ، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم ، ولم يستحضر ابن جرير ، رحمه الله ، هذه الآية هاهنا وهي
__________
(1) زيادة من جـ ، ط.
(2) في جـ : "هم".

(1/186)


قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ } [المنافقون : 3] ؛ فلهذا وجه [ابن جرير] (1) هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان ، أي في الدنيا ، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.
قال : وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد ، كما قال : { رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } [الأحزاب : 19] أي : كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت ، وقال تعالى : { مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [لقمان : 28] وقال تعالى : { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } [الجمعة : 5] ، وقال بعضهم : تقدير الكلام : مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم : المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون : الذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر :
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كل القوم يا أم خالد (2)
قلت : وقد التفت في أثناء المثل من الواحد (3) إلى الجمع ، في قوله تعالى : { فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ } وهذا أفصح في الكلام ، وأبلغ في النظام ، وقوله تعالى : { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ } أي : ذهب عنهم ما ينفعهم ، وهو النور ، وأبقى لهم ما يضرهم ، وهو الإحراق والدخان { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق ، { لا يُبْصِرُونَ } لا يهتدون إلى سبل (4) خير ولا يعرفونها ، وهم مع ذلك { صُمٌّ } لا يسمعون خيرا { بُكْمٌ } لا يتكلمون بما ينفعهم { عُمْيٌ } في ضلالة وعماية البصيرة ، كما قال تعالى : { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج : 46] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.
ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه :
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، في قوله تعالى : { فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ } زعم أن ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، ثم إنهم نافقوا ، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة ، فأوقد نارًا ، فأضاءت ما حوله من قذى ، أو أذى ، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه (5) فبينا (6) هو كذلك إذ طفئت ناره ، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى ، فكذلك المنافق : كان في ظلمة الشرك فأسلم ، فعرف الحلال والحرام ، و[عرف] (7) الخير والشر ، فبينا (8) هو كذلك إذ كفر ، فصار لا يعرف الحلال من
__________
(1) زيادة من و.
(2) البيت للأشهب بن رميلة ، كما في اللسان ، مادة "فلج".
(3) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الوحدة".
(4) في طـ ، ب : "سبيل".
(5) في جـ ، ط ، ب : "منها".
(6) في أ ، و : "فبينما".
(7) زيادة من جـ.
(8) في أ ، و : "فبينما".

(1/187)


الحرام ، ولا الخير من الشر.
وقال مجاهد : { فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ } (1) أما إضاءة النار فإقبالهم (2) إلى المؤمنين ، والهدى.
وقال عطاء الخرساني في قوله : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } قال : هذا مثل المنافق ، يبصر أحيانًا ويعرف أحيانًا ، ثم يدركه عمى القلب.
وقال ابن أبي حاتم : وروي عن عكرمة ، والحسن والسدي ، والرّبيع بن أنس نحو قول عطاء الخرساني.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، في قوله تعالى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلى آخر الآية ، قال : هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم ، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا (3) ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه ، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال العوفي ، عن ابن عباس ، في هذه الآية ، قال : أما النور : فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به ، وأمَّا الظلمة : فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به ، وهم قوم كانوا على هدى ، ثمّ نزع منهم ، فعتوا بعد ذلك.
وأما قول ابن جرير فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } قال : هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام ، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء ، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العِزّ ، كما سُلِب صاحب النار ضَوءه.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الرّبيع بن أنس ، عن أبي العالية : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } فإنما ضوء النار ما أوقدتها ، فإذا خمدت ذهب نورها ، وكذلك المنافق ، كلما تكلم بكلمة الإخلاص ، بلا إله إلا الله ، أضاء له ، فإذا شك وقع في الظلمة.
وقال الضحاك [في قوله] (4) { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ } أما نورهم فهو إيمانهم الذي تكلموا به.
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ } فهي (5) لا إله إلا الله ؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا ، ونكحوا النساء ، وحقنوا دماءهم ، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال سعيد ، عن قتادة في هذه الآية : إن المعنى : أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا ، فناكح بها المسلمين ، وغازاهم بها ، ووارثهم بها ، وحقن بها دمه وماله ، فلما كان عند الموت ،
__________
(1) في جـ : "ما حوله ذهب الله بنورهم".
(2) في جـ ، ط ، ب : "فإقباله".
(3) في جـ : "استوقد نارا".
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(5) في جـ : "فهو".

(1/188)


أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

سلبها المنافق ؛ لأنه (1) لم يكن لها أصل في قلبه ، ولا حقيقة في عمله (2).
{ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } يقول : في عذاب إذا ماتوا.
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عِكْرِمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } أي يبصرون الحق ويقولون به ، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم (3) ونفاقهم فيه ، فتركهم الله في ظلمات الكفر ، فهم لا يبصرون هدى ، ولا يستقيمون على حق.
وقال السدي في تفسيره بسنده : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } فكانت الظلمة نفاقهم.
وقال الحسن البصري : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ } فذلك (4) حين يموت المنافق ، فيظلم عليه عمله عمل السوء ، فلا يجد له عملا من خير عمل به يصدق (5) به قول : لا إله إلا الله (6).
{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } قال السدي بسنده : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } فهم خرس عمي (7).
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } يقول : لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه ، وكذا قال أبو العالية ، وقتادة بن دعامة.
{ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ } قال ابن عباس : أي لا يرجعون إلى هدى ، وكذلك (8) قال الرّبيع بن أنس.
وقال السدي بسنده : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ } إلى الإسلام.
وقال قتادة : { فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ } أي لا يتوبون (9) ولا هم يذكرون.
{ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) }
وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين ، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة ، ويشكّون تارة أخرى ، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم { كَصَيِّبٍ } والصيب : المطر ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، وناس من الصحابة ، وأبو العالية ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ،
__________
(1) في جـ : "لأنها".
(2) في جـ : "علمه".
(3) في جـ : "طعنوا بكفرهم به".
(4) في جـ : "فبذلك".
(5) في جـ : "يصدقه".
(6) في طـ ، ب ، و : "إلا هو".
(7) في جـ : "عمي خرس".
(8) في جـ ، ط ، ب ، أ : "وكذا".
(9) في جـ : "لا يؤمنون".

(1/189)


والحسن البصري ، وقتادة ، وعطية العَوْفِي ، وعطاء الخراساني ، والسُّدي ، والرّبيع بن أنس.
وقال الضحاك : هو السحاب.
والأشهر هو المطر نزل من السماء في حال ظلمات ، وهي الشكوك والكفر والنفاق. { وَرَعْدٌ } وهو ما يزعج القلوب من الخوف ، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع ، كما قال تعالى : { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [ هُمُ الْعَدُوُّ ] (1) } [المنافقون : 4] وقال : { وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } [التوبة : 56 ، 57].
والبرق : هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان ، من نور الإيمان ؛ ولهذا قال : { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ } أي : ولا يُجْدي عنهم حذرهم شيئًا ؛ لأن الله محيط [بهم] (2) بقدرته ، وهم تحت مشيئته وإرادته ، كما قال : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } [البروج : 17 - 20].
[والصواعق : جمع صاعقة ، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد ، وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم صاعقة ، وحكى بعضهم صاعقة وصعقة وصاقعة ، ونقل عن الحسن البصري أنه : قرأ "من الصواقع حذر الموت" بتقديم القاف وأنشدوا لأبي النجم :
يحكوك بالمثقولة القواطع... شفق البرق عن الصواقع (3)
قال النحاس : وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة ، حكى ذلك.
ثم قال : { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } أي : لشدته وقوته في نفسه ، وضعف بصائرهم ، وعدم ثباتها للإيمان.
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } يقول : يكاد مُحْكَمُ القرآن يدل على عورات المنافقين.
وقال ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } أي لشدة ضوء الحق ، { كلما أضاء لهم مشوا فيه وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا (4) به واتبعوه ، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين.
__________
(1) زيادة من جـ ، ط.
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(3) البيت في اللسان ، مادة "صقع" وهو فيه : يحكون بالمصقولة القواطع... تشقق البرق عن الصواقع
(4) في أ : "استضاءوا".

(1/190)


وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ } يقول : كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه ، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر ، كقوله : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ] (1) } الآية [الحج : 11].
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } أي : يعرفون الحق ويتكلمون به ، فهم من قولهم به على استقامة فإذا ارتكسوا منه (2) إلى الكفر { قَامُوا } أي : متحيرين.
وهكذا قال أبو العالية ، والحسن البصري ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، والسدي بسنده ، عن الصحابة وهو أصح وأظهر. والله أعلم.
وهكذا يكونون (3) يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم ، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك ، ومنهم من يطْفَأ نوره تارة ويضيء له أخرى ، فيمشي (4) على الصراط تارة ويقف أخرى. ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخُلَّص من المنافقين ، الذين قال تعالى (5) فيهم : { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا } [الحديد : 13] وقال في حق المؤمنين : { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ } الآية [الحديد : 12] ، وقال تعالى : { يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [التحريم : 8].
ذكر الحديث الوارد في ذلك :
قال سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة في قوله تعالى : { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } الآية [الحديد : 12] ، ذكر لنا أن النبي (6) صلى الله عليه وسلم كان يقول : "من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن ، أو بين (7) صنعاء ودون ذلك ، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه". رواه ابن جرير.
ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن دَاوَر (8) القطان ، عن قتادة ، بنحوه.
وهذا كما قال المِنْهَال بن عمرو ، عن قيس بن السكن ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من يرى (9) نوره كالنخلة ، ومنهم من يرى (10) نوره كالرجل القائم ، وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرة ويَقِد (11) مرة.
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) في أ : "فيه".
(3) في جـ : "يكذبون" ، وفي أ : "يكون".
(4) في أ ، و : "ومنهم من يمشي".
(5) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الله".
(6) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أن نبي الله".
(7) في جـ ، ط ، ب ، "أبين و".
(8) في أ : "داود".
(9) في و : "يؤتى".
(10) في أ ، و : "يؤتى".
(11) في جـ : "ويتقد".

(1/191)


وهكذا رواه ابن جرير ، عن ابن مُثَنَّى ، عن ابن إدريس ، عن أبيه ، عن المنهال.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافسي (1) حدثنا ابن إدريس ، سمعت أبي يذكر عن المنهال بن عمرو ، عن قيس بن السكن ، عن عبد الله بن مسعود : { نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } [التحريم : 8] قال : على قدر أعمالهم يمرون على الصراط ، منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني ، حدثنا عُتْبَةُ (2) بن اليقظان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة ، فأما المنافق فيطفأ نوره ، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين ، فهم يقولون : ربنا أتمم لنا نورنا.
وقال الضحاك بن مزاحم : يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا ؛ فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين ، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا ، فقالوا : " ربنا أتمم لنا نورنا ".
فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا : مؤمنون خُلّص ، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة ، وكفار خلص ، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها ، ومنافقون ، وهم قسمان : خلص ، وهم المضروب لهم المثل الناري ، ومنافقون يترددون ، تارة يظهر لهم لُمَعٌ من الإيمان وتارة يخبو (3) وهم أصحاب المثل المائي ، وهم أخف حالا من الذين قبلهم.
وهذا المقام يشبه (4) من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور ، من ضرب مثل المؤمن (5) وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور ، بالمصباح (6) في الزجاجة التي كأنها كوكب دُرّي ، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط ، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.
ثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار ، الذين يعتقدون أنهم على شيء ، وليسوا على شيء ، وهم أصحاب الجهل المركب ، في قوله : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } الآية [النور : 39].
ثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط ، وهم الذين قال [الله] (7) فيهم : { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } [النور : 40] فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين : داعية ومقلد ، كما ذكرهما في أول سورة الحج : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ } [الحج : 3]
__________
(1) في جـ : "الطيالسي".
(2) في جـ : "عتيبة".
(3) في أ : "تحير".
(4) في جـ : "وهذا شبه".
(5) في جـ : "المؤمنين".
(6) في جـ : "بالمصباح الذي".
(7) زيادة من جـ ، ط.

(1/192)


وقال بعده : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ } [الحج : 8] (1) وقد قسم الله (2) المؤمنين في أول الواقعة وآخرها (3) وفي سورة الإنسان ، إلى قسمين : سابقون وهم المقربون ، وأصحاب يمين وهم الأبرار.
فتلخص (4) من مجموع هذه الآيات الكريمات : أن المؤمنين صنفان : مقربون وأبرار ، وأن الكافرين صنفان : دعاة ومقلدون ، وأن المنافقين - أيضًا - صنفان : منافق خالص ، ومنافق فيه شعبة من نفاق ، كما جاء في الصحيحين ، عن عبد الله بن عَمْرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : "ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا ، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعها : من إذا حَدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان" (5).
استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان ، وشعبة من نفاق. إما عَمَلي لهذا الحديث ، أو اعتقادي ، كما دلت عليه الآية ، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء ، كما تقدم ، وكما سيأتي ، إن شاء الله. قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا أبو معاوية يعني شيبان ، عن ليث ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "القلوب أربعة : قلب أجرد ، فيه مثل السراج يُزْهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مُصَفَّح ، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن ، سراجه فيه نوره ، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر ، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص ، عرف ثم أنكر ، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ، ومَثَل الإيمان فيه كمثل البقلة ، يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم ، فأي المدّتين (6) غلبت على الأخرى غلبت عليه" (7). وهذا إسناد جيد حسن.
وقوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عِكْرِمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } قال : لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته.
{ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قال ابن عباس (8) أي إنّ الله على كل ما أراد بعباده من نقمة ، أو عفو ، قدير.
وقال ابن جرير : إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع ؛ لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط ، و [أنه] (9) على إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير ، ومعنى { قَدِيرٌ } قادر ، كما أن معنى { عَلِيمٌ } عالم.
__________
(1) في جـ ، ب : قدم الآية الثامنة على الآية الثالثة من سورة الحج.
(2) في جـ ، ب ، أ ، و : "تعالى".
(3) في أ : "في أول البقرة وآخرها" ، وفي جـ : "في أول سورة الواقعة وفي آخرها".
(4) في جـ : "فلخص".
(5) صحيح البخاري برقم (34) وصحيح مسلم برقم (58) ولفظه : "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا - والرابعة - وإذا خاصم فجر".
(6) في جـ : "المددين".
(7) المسند (3/17).
(8) في جـ ، ط ، ب ، و : "ابن إسحاق".
(9) زيادة من جـ.

(1/193)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

[وذهب ابن جرير الطبري ومن تبعه من كثير من المفسرين أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون "أو" في قوله تعالى : { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ } بمعنى الواو ، كقوله تعالى : { وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } [الإنسان : 24] ، أو تكون للتخبير ، أي : اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا ، قاله القرطبي. أو للتساوي مثل جالس الحسن أو ابن سيرين ، على ما وجهه الزمخشري : أن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه ، ويكون معناه على قوله : سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم.
قلت : وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين ، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة - ومنهم - ومنهم - ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال ، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم ، والله أعلم ، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } إلى أن قال : { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ } الآية [النور : 39 ، 40] ، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب ، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين ، والله أعلم بالصواب] (1).
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) }
شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته ، بأنه تعالى هو المنعم على عَبيده ، بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعمَ الظاهرة والباطنة ، بأن جعل لهم الأرض فراشا ، أي : مهدا كالفراش مُقَرّرَة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات ، { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } وهو السقف ، كما قال في الآية الأخرى : { وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ } [الأنبياء : 32] وأنزل لهم من السماء ماء - والمراد به السحاب هاهنا - في وقته عند احتياجهم إليه ، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد ؛ رزقًا لهم ولأنعامهم ، كما قرر هذا في غير موضع (2) من القرآن. ومنْ أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا (3) وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [غافر : 64] ومضمونه : أنه الخالق الرازق مالك الدار ، وساكنيها ، ورازقهم ، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره ؛ ولهذا قال : { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } وفي الصحيحين عن ابن مسعود ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟ قال : "أن تجعل لله ندا ، وهو خلقك" الحديث (4). وكذا حديث معاذ :
__________
(1) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(2) في جـ : "غير هذا الموضع".
(3) في جـ : "فراشا" وهو خطأ.
(4) صحيح البخاري برقم (4761) وصحيح مسلم برقم (68).

(1/194)


"أتدري ما حق الله على عباده ؟ أن يعبدوه لا (1) يشركوا به شيئًا" الحديث (2) وفي الحديث الآخر : "لا يقولن أحدكم : ما شاء الله وشاء فلان ، ولكن ليقل (3) ما شاء الله ، ثم شاء فلان" (4).
وقال حماد بن سلمة : حدثنا عبد الملك بن عمير ، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش ، عن الطفيل بن سَخْبَرَة ، أخى عائشة أم المؤمنين لأمها ، قال : رأيت فيما يرى النائم ، كأني أتيت على نفر من اليهود ، فقلت : من أنتم ؟ فقالوا : نحن اليهود ، قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : عُزَير ابن الله. قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد. قال : ثم مررت بنفر من النصارى ، فقلت : من أنتم ؟ قالوا : نحن النصارى. قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : المسيح ابن الله. قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت ، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : "هل أخبرت بها أحدًا ؟" فقلت : نعم. فقام ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : "أما بعد ، فإن طُفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم ، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها ، فلا تقولوا : ما شاء الله وشاء محمد ، ولكن قولوا : ما شاء الله وحده". هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة ، به (5). وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر ، عن عبد الملك بن عمير به ، بنحوه (6).
وقال سفيان بن سعيد الثوري ، عن الأجلح بن عبد الله الكندي ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس ، قال : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : ما شاء الله وشئت. فقال : "أجعلتني لله ندا (7) ؟ قل : ما شاء الله وحده". رواه ابن مردويه ، وأخرجه النسائي ، وابن ماجه من حديث عيسى بن يونس ، عن الأجلح ، به (8).
وهذا كله صيانة ، وحماية لجناب التوحيد ، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ } للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين ، أي : وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.
وبه عن ابن عباس : { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي : لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر ، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه
__________
(1) في جـ : "ولا".
(2) رواه البخاري في صحيحه برقم (7373) ومسلم في صحيحه برقم (30).
(3) في جـ : "ليقول".
(4) رواه أبو داود في السنن برقم (4980) من حديث حذيفة رضي الله عنه.
(5) ورواه الإمام أحمد في المسند (5/72) من طريق بهز وعفان عن حماد بن سلمة به.
(6) رواه ابن ماجة في السنن برقم (2118) عن هشام بن عمار ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن عمير به ، وقال البوصيري في الزوائد (2/151) : "هذا إسناد رجاله ثقات على شرط البخاري لكنه منقطع بين سفيان وبين عبد الملك بن عمير".
(7) في جـ : "أندادا".
(8) سنن النسائي الكبرى برقم (10825) وسنن ابن ماجة برقم (2117) وقال البوصيري في الزوائد (1/150) : "هذا فيه الأجلح بن عبد الله ، مختلف فيه".

(1/195)


الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه. وهكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم ، حدثنا أبي عمرو ، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم ، حدثنا شبيب بن بشر ، حدثنا عكرمة ، عن ابن عباس ، في قول الله ، عز وجل (1) { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] (2) } قال : الأنداد هو الشرك ، أخفى من دبيب النمل على صَفَاة سوداء في ظلمة الليل ، وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلان ، وحياتي ، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص ، ولولا البطّ في الدار لأتى اللصوص ، وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئتَ ، وقول الرجل : لولا الله وفلان. لا تجعل فيها "فلان". هذا (3) كله به شرك.
وفي الحديث : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت ، فقال : "أجعلتني لله ندا". وفي الحديث الآخر : "نعم القوم أنتم ، لولا أنكم تنددون ، تقولون : ما شاء الله ، وشاء فلان".
قال (4) أبو العالية : { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } أي عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس ، وقتادة ، والسُّدي ، وأبو مالك : وإسماعيل بن أبي خالد.
وقال مجاهد : { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قال : تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة :
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف ، وكان يُعَد من البُدَلاء ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن سلام ، عن جده ممطور ، عن الحارث الأشعري ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله عز وجل ، أمر يحيى بن زكريا ، عليه السلام ، بخمس كلمات أن يعمل بهن ، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، وكان يبطئ بها ، فقال له عيسى ، عليه السلام : إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، فإما أن تبلغهن ، وإما أن أبلغهن. فقال : يا أخي ، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي". قال : "فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس ، حتى امتلأ المسجد ، فقعد على الشرف ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن ، وآمركم أن تعملوا بهن ، وأولهن : أن تعبدوا الله (5) لا تشركوا به شيئًا ، فإن مثل ذلك مَثَل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِق أو ذهب ، فجعل يعمل ويؤدي غلته (6) إلى غير سيده فأيكم يسره (7) أن يكون عبده كذلك ؟ وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأمركم بالصلاة ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام ، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة ، كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب (8) من ريح المسك. وأمركم بالصدقة ؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو ، فشدوا يديه إلى عنقه ، وقدموه ليضربوا عنقه ، فقال لهم : هل لكم أن أفتدي
__________
(1) في جـ : "تعالى".
(2) زيادة من جـ ، ط.
(3) في جـ : "لأن هذا".
(4) في جـ : "وقال".
(5) في جـ : "الله وحده".
(6) في جـ ، أ : "عمله".
(7) في جـ : "سره".
(8) في ب : "أطيب عند الله".

(1/196)


نفسي (1) ؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وأمركم بذكر الله كثيرًا ؛ وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعا في أثره ، فأتى حصنا حصينًا فتحصن فيه ، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله".
قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن : الجماعة ، والسمع ، والطاعة ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ؛ فإنه من خرج من الجماعة قيدَ شِبْر فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه ، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جِثِيِّ جهنم". قالوا : يا رسول الله ، وإن صام وصلى (2) ؟ فقال : "وإن صلى وصام (3) وزعم أنه مسلم ؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم (4) الله عز وجل : المسلمين المؤمنين عباد الله" (5).
هذا حديث حسن ، والشاهد منه في هذه الآية قوله : "وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا".
وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له ، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع فقال : وهي دالة على ذلك بطريق الأولى ، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة ، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه ، كما قال بعض الأعراب ، وقد سئل : ما الدليل على وجود الرب تعالى ؟ فقال : يا سبحان الله ، إن البعرة لتدل على البعير ، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير ؟
وحكى فخر الدين عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل باختلاف اللغات والأصوات والنغمات ، وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى ، فقال لهم : دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها ، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها ، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا : هذا شيء لا يقوله عاقل ، فقال : ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع!! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.
وعن الشافعي : أنه سئل عن وجود الصانع ، فقال : هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم ، وتأكله النحل فيخرج منه العسل ، وتأكله الشاة والبعير والأنعام فتلقيه بعرًا وروثا ، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد.
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال : هاهنا حصن حصين أملس ، ليس له باب
__________
(1) في جـ ، ب ، أ ، و : "نفسي منكم".
(2) في جـ : "وصلى وزعم أنه مسلم".
(3) في أ : "وإن صلى وإن صام".
(4) في جـ ، ط : "بل بما سماهم".
(5) المسند (4/130).

(1/197)


وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)

ولا منفذ ، ظاهره كالفضة البيضاء ، وباطنه كالذهب الإبريز ، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح ، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة.
وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد :
تأمل في نبات الأرض وانظر... إلى آثار ما صنع المليك...
عيون من لجين شاخصات... بأحداق هي الذهب السبيك...
على قضب الزبرجد شاهدات... بأن الله ليس له شريك...
وقال ابن المعتز :
فيا عجبًا كيف يعصى الإله... أم كيف يجحده الجاحد...
وفي كل شيء له آية... تدل على أنه واحد...
وقال آخرون : من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار المنيرة من السيارة ومن الثوابت ، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها ، ونظر إلى البحار الملتفة للأرض من كل جانب ، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال : { وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [فاطر : 27 ، 28] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد وما زرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء ، علم وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه ، عليه توكلت وإليه أنيب ، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًا.
{ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) }
ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه (1) لا إله إلا هو ، فقال مخاطبًا للكافرين : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا } يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم { فَأْتُوا بِسُورَةٍ } من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير الله ، فعارضوه بمثل ما جاء به ، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله ، فإنكم لا تستطيعون ذلك.
__________
(1) في أ : "بأن".

(1/198)


قال ابن عباس : { شُهَدَاءَكُمْ } أعوانكم [أي : قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك] (1).
وقال السدي ، عن أبي مالك : شركاءكم [أي استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم] (2).
وقال مجاهد : { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } قال : ناس يشهدون به [يعني : حكام الفصحاء] (3).
وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن ، فقال في سورة القصص : { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [القصص : 49] وقال في سورة سبحان : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء : 88] وقال في سورة هود : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [هود : 13] ، وقال في سورة يونس : { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [يونس : 37 ، 38] وكل هذه الآيات مكية.
ثم تحداهم [الله تعالى] (4) بذلك - أيضًا - في المدينة ، فقال في هذه الآية : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } أي : [في] (5) شك { مِمَّا نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا } يعني : محمدًا صلى الله عليه وسلم. { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } يعني : من مثل [هذا] (6) القرآن ؛ قاله مجاهد وقتادة ، واختاره ابن جرير. بدليل قوله : { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ } [هود : 13] وقوله : { لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } [الإسراء : 88] وقال بعضهم : من مثل محمد صلى الله عليه وسلم ، يعني : من رجل أمي مثله. والصحيح الأول ؛ لأن التحدي عام لهم كلهم ، مع أنهم أفصح الأمم ، وقد (7) تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة ، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه ، ومع هذا عجزوا عن ذلك ؛ ولهذا قال تعالى : { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا } "ولن" : لنفي التأبيد (8) أي : ولن تفعلوا ذلك أبدًا. وهذه - أيضًا - معجزة أخرى ، وهو أنه أخبر أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبدا (9) وكذلك وقع الأمر ، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن ، وَأنَّى يَتَأتَّى ذلك لأحد ، والقرآن كلام الله خالق كل شيء ؟ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين ؟!
ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى ، قال الله تعالى : { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [هود : 1] ، فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف ، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى ، فقد أخبر عن مغيبات ماضية وآتية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء ، وأمر بكل خير ، ونهى عن كل شر كما قال : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا } [الأنعام : 115] أي : صدقًا في الأخبار وعدلا في الأحكام ، فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء ،
__________
(1) زيادة من جـ ، ط.
(2) زيادة من جـ ، ط.
(3) زيادة من جـ ، ط.
(4) زيادة من جـ.
(5) زيادة من جـ ، ط.
(6) زيادة من أ ، و.
(7) في أ : "وهو قد".
(8) في جـ ، ب ، أ ، و : "التأبيد في المستقبل".
(9) في جـ ، ط ، أ : "أبد الآبدين ودهر الداهرين".

(1/199)


كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها ، كما قيل في الشعر : إن أعذبه أكذبه ، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر ، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع ، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبر على التعبير على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح ، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته.
وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلا وإجمالا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير ، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة ، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة ، وسواء تكررت أم لا وكلما تكرر حلا وعلا لا يَخلق عن كثرة الرد ، ولا يمل منه العلماء ، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات ، فما ظنك بالقلوب الفاهمات ، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان ، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن ، كما قال في الترغيب : { فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [السجدة : 17] وقال : { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [الزخرف : 71] ، وقال في الترهيب : { أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ } [الإسراء : 68] ، { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } [الملك : 16 ، 17] وقال في الزجر : { فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ } [العنكبوت : 40] ، وقال في الوعظ : { أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } [الشعراء : 205 - 207] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة ، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي ، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب ، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء ؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف : إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فأوعها سمعك فإنه خير ما يأمر به أو شر ينهى عنه. ولهذا قال تعالى : { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } الآية [الأعراف : 157] ، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم ، بشرت به وحذرت وأنذرت ؛ ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات ، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى ، وثبتت على الطريقة المثلى ، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم ، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم.
ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : "ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعْطِيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله

(1/200)


إليَّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا (1) يوم القيامة" لفظ (2) مسلم. وقوله : "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا" أي : الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز (3) للبشر أن يعارضوه ، بخلاف غيره من الكتب الإلهية ، فإنها ليست معجزة [عند كثير من العلماء] (4) والله أعلم. وله عليه الصلاة والسلام من الآيات الدالة على نبوته ، وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر ، ولله الحمد والمنة.
[وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصوفية ، فقال : إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضته ، فقد حصل المدعى وهو المطلوب ، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له ، كان ذلك دليلا على أنه من عند الله ؛ لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك ، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته ، كما قررنا ، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق وبهذه الطريقة أجاب فخر الدين في تفسيره عن سؤاله في السور القصار كالعصر و { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } ] (5).
وقوله تعالى : { فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } أما الوَقُود ، بفتح الواو ، فهو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه ، كما قال : { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } [الجن : 15] وقال تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [الأنبياء : 98].
والمراد بالحجارة هاهنا : هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة ، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت ، أجارنا الله منها.
قال عبد الملك بن ميسرة الزرّاد (6) عن عبد الرحمن بن سابط ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود ، في قوله تعالى : { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } قال : هي حجارة من كبريت ، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا ، يعدها للكافرين. رواه ابن جرير ، وهذا لفظه. وابن أبي حاتم ، والحاكم في مستدركه وقال : على شرط الشيخين (7).
وقال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود ، يعذبون به مع النار.
وقال مجاهد : حجارة من كبريت أنتن من الجيفة. وقال أبو جعفر محمد بن علي : [هي] (8) حجارة من كبريت. وقال ابن جريج : حجارة من كبريت أسود في النار ، وقال لي عمرو بن دينار :
__________
(1) في جـ : "تبعا".
(2) صحيح البخاري برقم (4981) ، وصحيح مسلم برقم (152).
(3) في ط : "المفهم".
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(6) في جـ : "الرزاز".
(7) تفسير الطبري (1/381) وتفسير ابن أبي حاتم (1/85) والمستدرك (2/61).
(8) زيادة من جـ.

(1/201)


أصلب من هذه الحجارة وأعظم.
[وقيل : المراد بها : حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله كما قال : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } الآية [الأنبياء : 98] ، حكاه القرطبي وفخر الدين ورجحه على الأول ؛ قال : لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمنكر فجعلها هذه الحجارة أولى ، وهذا الذي قاله ليس بقوي ، ؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها ، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك ، ثم إن أخذ النار في هذه الحجارة - أيضا - مشاهد ، وهذا الجص يكون أحجارًا فتعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك. وكذلك سائر الأحجار تفخرها النار وتحرقها. وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها ، وشدة ضرامها وقوة لهبها كما قال : { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } [الإسراء : 97]. وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمى ويشتد لهبها قال : ليكون ذلك أشد عذابًا لأهلها ، قال : وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "كل مؤذ في النار" وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف (1) ثم قال القرطبي : وقد فسر بمعنيين ، أحدهما : أن كل من آذى الناس دخل النار (2) ، والآخر : كل ما يؤذي فهو في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك] (3).
وقوله تعالى : { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } الأظهر أنّ الضمير في { أُعِدَّتْ } عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة ، ويحتمل عوده على الحجارة ، كما قال ابن مسعود ، ولا منافاة بين القولين في المعنى ؛ لأنهما متلازمان.
و { أُعِدَّتْ } أي : أرصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله ، كما قال [محمد] (4) بن إسحاق ، عن محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } أي : لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.
وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله : { أُعِدَّتْ } أي : أرصدت وهيئت وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها : "تحاجت الجنة والنار" ومنها : "استأذنت النار ربها فقالت : رب أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف" ، وحديث ابن مسعود سمعنا وجبة فقلنا ما هذه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها" وهو عند مسلم (5) وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس.
__________
(1) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (11/299) من طريق المفيد عن الأشج ، عن علي رضي الله عنه به مرفوعًا.
(2) في أ : "عذب في النار".
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(4) زيادة من جـ.
(5) صحيح مسلم برقم (2844).

(1/202)


تنبيه ينبغي الوقوف عليه :
قوله : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } وقوله في سورة يونس : { بِسُورَةٍ مِثْلِهِ } [يونس : 38] يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أو قصيرة ؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعم كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين كما هو مقرر في موضعه ، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها ، وهذا ما أعلم فيه نزاعًا بين الناس سلفًا وخلفًا ، وقد قال الإمام العلامة فخر الدين الرازي في تفسيره : فإن قيل : قوله : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } يتناول سورة الكوثر وسورة العصر ، و { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن. فإن قلتم : إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدور البشر كان مكابرة ، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة (1) إلى الدين : قلنا : فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني ، وقلنا : إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود ، وإن لم يكن كذلك ، كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى تهوين أمره معجزًا (2) ، فعلى التقديرين يحصل المعجز (3) ، هذا لفظه بحروفه. والصواب : أن كل سورة من القرآن معجزة لا يستطيع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة.
قال الشافعي ، رحمه الله : لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم : { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } [سورة العصر]. وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم ، فقال له مسيلمة : ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين ؟ فقال له عمرو : لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال : وما هي ؟ فقال : { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال : ولقد أنزل عليَّ مثلها ، فقال : وما هو ؟ فقال : يا وبْر يا وبْر ، إنما أنت أذنان وصدر ، وسائرك حقر فقر ، ثم قال : كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني لأعلم إنك تكذب (4).
__________
(1) في أ : "الفهم".
(2) في أ : "معجز".
(3) في أ : "العجز".
(4) سيأتي الكلام على هذه القصة عند تفسير سورة العصر.

(1/203)


وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)

{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) }
لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به (1) وبرسله من العذاب والنكال ، عَطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به (2) وبرسله ، الذين صَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة ، وهذا معنى تسمية القرآن "مثاني" على أصح أقوال (3) العلماء ، كما سنبسطه في موضعه ، وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر ، أو عكسه ، أو حال السعداء ثم الأشقياء ، أو عكسه. وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه ، كما سنوضحه إن شاء الله ؛ فلهذا قال تعالى : { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } فوصفها بأنها تجري من تحتها
__________
(1) في جـ : "بالله تعالى".
(2) في جـ : "بالله تعالى".
(3) في جـ : "قولي".

(1/203)


الأنهار ، كما وصف النار بأن وقودها الناس والحجارة ، ومعنى { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } أي : من تحت أشجارها وغرفها ، وقد جاء في الحديث : أن أنهارها تجري من (1) غير أخدود ، وجاء في الكوثر أن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف ، ولا منافاة بينهما ، وطينها المسك الأذفر ، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر ، نسأل الله من فضله [وكرمه] (2) إنه هو البر الرحيم.
وقال ابن أبي حاتم : قرئ على الربيع بن سليمان : حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا ابن ثوبان ، عن عطاء بن قرّة ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أنهار الجنة تُفَجَّر من تحت تلال - أو من تحت جبال - المسك" (3).
وقال أيضا : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، قال : قال عبد الله : أنهار الجنة تفجر من جبل مسك.
وقوله تعالى : { كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مُرّة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } قال : إنهم أتوا بالثمرة في الجنة ، فلما نظروا إليها قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل في [دار] (4) الدنيا.
وهكذا قال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ونصره ابن جرير.
وقال عكرمة : { قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } قال : معناه : مثل الذي كان بالأمس ، وكذا قال الربيع بن أنس. وقال مجاهد : يقولون : ما أشبهه به.
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل تأويل ذلك هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا (5) لشدة مشابهة بعضه بعضًا ، لقوله تعالى : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قال سُنَيْد بن داود : حدثنا شيخ من أهل المِصِّيصة ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : يؤتى أحدهم بالصحفة (6) من الشيء ، فيأكل منها ثم يؤتى (7) بأخرى فيقول : هذا الذي أوتينا به من قبل. فتقول الملائكة : كُلْ ، فاللون واحد ، والطعم مختلف.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عامر (8) بن يَسَاف ، عن يحيى بن أبي كثير قال : عشب الجنة الزعفران ، وكثبانها المسك ، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها (9) ثم يؤتون بمثلها ، فيقول لهم أهل الجنة : هذا الذي أتيتمونا آنفا به ، فيقول لهم الولدان : كلوا ، فإن اللون واحد ، والطعم مختلف. وهو قول الله تعالى : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا }
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قال : يشبه
__________
(1) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "في".
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(3) تفسير ابن أبي حاتم (1/87) ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (313) من طريق الربيع بن سليمان به ، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (2622) "موارد" من طريق القراطيسي عن أسد بن موسى عن ابن ثوبان به.
(4) زيادة من جـ.
(5) في جـ : "هذه".
(6) في جـ ، ب : "بالصحيفة".
(7) في جـ : "يأتي".
(8) في أ : "عباس".
(9) في جـ : "فيأكلون".

(1/204)


بعضه بعضًا ، ويختلف في الطعم.
وقال ابن أبي حاتم : ورُوي عن مجاهد ، والربيع بن أنس ، والسدي نحو ذلك.
وقال ابن جرير بإسناده عن السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مُرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، في قوله تعالى : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } يعني : في اللون والمرأى ، وليس يشتبه (1) في الطعم.
وهذا اختيار ابن جرير.
وقال عكرمة : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قال : يشبه ثمر الدنيا ، غير أن ثمر الجنة أطيب.
وقال سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي ظِبْيان ، عن ابن عباس ، لا يشبه شَيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء ، وفي رواية : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. رواه ابن جرير ، من رواية الثوري ، وابن أبي حاتم من حديث أبي معاوية كلاهما عن الأعمش ، به.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قال : يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا : التفاح بالتفاح ، والرمان بالرمان ، قالوا في الجنة : هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا ، وأتوا به متشابها ، يعرفونه وليس هو مثله في الطعم.
وقوله تعالى : { وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : مطهرة من القذر والأذى.
وقال مجاهد : من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد.
وقال قتادة : مطهرة من الأذى والمأثم. وفي رواية عنه : لا حيض ولا كلف. وروي عن عطاء والحسن والضحاك وأبي صالح وعطية والسدي نحو ذلك.
وقال ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قال : المطهرة التي لا تحيض. قال : وكذلك خلقت حواء ، عليها السلام ، حتى عصت ، فلما عصت قال الله تعالى : إني خلقتك مطهرة وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة. وهذا غريب.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا إبراهيم بن محمد ، حدثني جعفر بن محمد بن حرب ، وأحمد بن محمد الجُوري (2) قالا حدثنا محمد بن عبيد الكندي ، حدثنا عبد الرزاق بن عمر البَزيعيّ ، حدثنا عبد الله بن المبارك عن شعبة ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } قال : "من الحيض والغائط والنخاعة والبزاق" (3).
هذا حديث غريب. وقد رواه الحاكم في مستدركه ، عن محمد بن يعقوب ، عن الحسن بن علي بن عفان ، عن محمد بن عبيد ، به ، وقال : صحيح على شرط الشيخين.
__________
(1) في جـ : "يشبه".
(2) في جـ ، ط ، ب : "الجواري".
(3) ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (363) من طريق عبد الله بن محمد بن يعقوب عن محمد بن عبيد به.

(1/205)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)

وهذا الذي ادعاه فيه نظر ؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي (1) هذا قال فيه أبو حاتم بن حبان البُسْتي : لا يجوز الاحتجاج به (2).
قلت : والأظهر أن هذا من كلام قتادة ، كما تقدم ، والله أعلم.
وقوله تعالى : { وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } هذا (3) هو تمام السعادة ، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء ، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام ، والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم ، إنه جواد كريم ، بر رحيم.
{ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) }
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين ، يعني قوله : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } [البقرة : 17] وقوله { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ } [البقرة : 19] الآيات الثلاث ، قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله : { هُمُ الْخَاسِرُونَ }
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : لما ذكر الله العنكبوت والذباب ، قال المشركون : ما بال العنكبوت والذباب يذكران ؟ فأنزل الله [تعالى هذه الآية] (4) { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } (5).
وقال سعيد ، عن قتادة : أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئا ما ، قل أو كثر ، وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة : ما أراد الله من ذكر هذا ؟ فأنزل الله : { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }
قلت : العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية ، وليس كذلك ، وعبارة رواية سعيد ، عن قتادة أقرب والله أعلم. وروى ابن جُرَيج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتم : روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال : هذا مثل ضربه الله للدنيا ؛ إذ
__________
(1) في أ : "الربعي".
(2) المجروحين (2/160).
(3) في جـ ، ط : "وهذا".
(4) زيادة من ط.
(5) تفسير عبد الرزاق (1/64).

(1/206)


البعوضة تحيا ما جاعت ، فإذا سمنت ماتت. وكذلك مثل هؤلاء (1) القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن ، إذا امتلؤوا من الدنيا ريا أخذهم الله تعالى عند ذلك ، ثم تلا { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } [الأنعام : 44].
هكذا رواه ابن جرير ، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، بنحوه ، فالله أعلم.
فهذا اختلافهم في سبب النزول ، وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي ؛ لأنه أمس بالسورة ، وهو مناسب ، ومعنى الآية : أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي ، أي : لا يستنكف ، وقيل : لا يخشى أن يضرب مثلا ما ، أي : أيّ مثل كان ، بأي شيء كان ، صغيرًا كان أو كبيرًا.
و "ما" هاهنا للتقليل (2) وتكون { بَعُوضَةً } منصوبة على البدل ، كما تقول : لأضربن ضربًا ما ، فيصدق بأدنى شيء [أو تكون "ما" نكرة موصوفة ببعوضة] (3). واختار ابن جرير أن ما موصولة ، و { بَعُوضَةً } معربة بإعرابها ، قال : وذلك سائغ (4) في كلام العرب ، أنهم يعربون صلة ما ومن بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة تارة ، ونكرة أخرى ، كما قال حسان بن ثابت :
وَكَفَى (5) بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا... حُب (6) النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إيَّانَا (7)
قال : ويجوز أن تكون { بَعُوضَةً } منصوبة بحذف الجار ، وتقدير الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها.
[وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء. وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورويت "بعوضة" بالرفع ، قال ابن جني : وتكون صلة لما وحذف العائد كما في قوله : { تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ } [الأنعام : 154] أي : على الذي أحسن هو أحسن ، وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا ، أي : يعني بالذي هو قائل لك شيئًا] (8).
وقوله : { فَمَا فَوْقَهَا } فيه قولان : أحدهما : فما دونها في الصغر ، والحقارة ، كما إذا وصف رجل باللؤم والشح ، فيقول السامع (9) : نعم ، وهو فوق ذلك ، يعني فيما وصفت. وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة ، قال الرازي : وأكثر المحققين ، وفي الحديث : "لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء" (10). والثاني : فما فوقها : فما هو أكبر منها ؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة. وهذا [قول قتادة بن دعامة و] (11) اختيار ابن جرير.
__________
(1) في أ : "هذا".
(2) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "للتقليل زائدة".
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(4) في جـ ، أ ، و : "شائع".
(5) في جـ ، ب ، أ ، و : "يكفي".
(6) في جـ : "حث".
(7) البيت في تفسير الطبري (1/404).
(8) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(9) في جـ : "القابل".
(10) رواه الترمذي في السنن برقم (2320) من طريق عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه به مرفوعا ، وفيه عبد الحميد بن سليمان ضعيف.
(11) زيادة من جـ ، ط.

(1/207)


[ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة ، رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة" (1) ] (2).
فأخبر أنه لا يستصغر (3) شيئًا يَضْرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة ، كما [لم يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من] (4) ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } [الحج : 73] ، وقال : { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت : 41] وقال تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } [إبراهيم : 24 - 27] ، وقال تعالى : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ [وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا] (5) } الآية [النحل : 75] ، ثم قال : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ [هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ] (6) } الآية [النحل : 76] ، كما قال : { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ } الآية [الروم : 28]. وقال : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ [وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ] (7) } الآية [الزمر : 29] ، وقد قال تعالى : { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ } [العنكبوت : 43] وفي القرآن أمثال كثيرة.
قال بعض السلف : إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي ؛ لأن الله تعالى يقول : { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ }
وقال مجاهد قوله : { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنها الحق من ربهم ، ويهديهم الله بها.
وقال قتادة : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } أي : يعلمون أنه كلام الرحمن ، وأنه من عند الله.
وروي عن مجاهد والحسن والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال أبو العالية : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } يعني : هذا المثل : { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا } كما قال في سورة المدثر : { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ } [المدثر : 31] ،
__________
(1) صحيح مسلم برقم (2572)
(2) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(3) في جـ : "لا يستنكف".
(4) زيادة من جـ ، ط.
(5) زيادة من جـ ، ط.
(6) زيادة من جـ.
(7) زيادة من جـ.

(1/208)


وكذلك قال هاهنا : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ }
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } يعني : المنافقين ، { وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } يعني المؤمنين ، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالهم (1) لتكذيبهم بما قد علموه حقًا يقينًا ، من المثل الذي ضربه الله بما ضربه لهم (2) وأنه لما ضربه له موافق ، فذلك (3) إضلال الله إياهم به { وَيَهْدِي بِهِ } يعني بالمثل كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق ، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم ، لتصديقهم بما قد علموه حقًا يقينًا أنه موافق ما (4) ضربه الله له مثلا وإقرارهم به ، وذلك هداية من الله لهم به { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ } قال : هم المنافقون (5).
وقال أبو العالية : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ } قال : هم أهل النفاق. وكذا قال الربيع بن أنس.
وقال ابن جريج عن مجاهد ، عن ابن عباس : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ } يقول : يعرفه الكافرون فيكفرون به.
وقال قتادة : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ } فسقوا ، فأضلهم الله على فسقهم.
وقال ابن أبي حاتم : حُدّثتُ عن إسحاق بن سليمان ، عن أبي سِنان ، عن عمرو بن مرة ، عن مصعب بن سعد ، عن سعد { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } يعني الخوارج.
وقال شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن مصعب بن سعد ، قال : سألت أبي فقلت : قوله تعالى : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } إلى آخر الآية ، فقال : هم الحرورية. وهذا الإسناد إن صح عن سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنه ، فهو تفسير على المعنى ، لا أن (6) الآية أريد منها التنصيص على الخوارج ، الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان ، فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية ، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل ؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم على (7) طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللغة : هو الخارج عن الطاعة أيضًا. وتقول العرب : فسقت الرطبة : إذا خرجت من قشرتها (8) ؛ ولهذا يقال للفأرة : فويسقة ، لخروجها عن جُحْرها للفساد. وثبت في الصحيحين ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم : الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور" (9).
__________
(1) في جـ ، ط ، ب : "ضلالتهم".
(2) في جـ ، ط ، أ : "لما ضربه له".
(3) في جـ : "فوافق ذلك".
(4) في جـ ، ط : "لما".
(5) في أ : "أهل النفاق".
(6) في جـ : "لأن" ، وفي ط : "إلا أن".
(7) في جـ ، ط ، ب ، أ : "عن".
(8) في أ : "قشرها".
(9) صحيح البخاري برقم (3314) وصحيح مسلم برقم (1198).

(1/209)


فالفاسق يشمل (1) الكافر والعاصي ، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش ، والمراد من الآية الفاسق الكافر ، والله أعلم ، بدليل (2) أنه وصفهم بقوله : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }
وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين ، كما قال تعالى في سورة الرعد : { أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ } الآيات ، إلى أن قال : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [الرعد : 19 - 25].
وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه ، فقال بعضهم : هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه ، وعلى لسان رسله ، ونقضهم (3) ذلك هو تركهم العمل به.
وقال آخرون : بل هي (4) في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم ، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث والتصديق به ، وبما جاء به من عند ربهم ، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك ، وكتمانهم علم ذلك [عن] (5) الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنًا قليلا. وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله وقول مقاتل بن حيان.
وقال آخرون : بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق. وعهده إلى جميعهم في توحيده : ما وضع لهم (6) من الأدلة الدالة على ربوبيته ، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها (7) الشاهدة لهم على صدقهم ، قالوا : ونقضهم ذلك : تركهم (8) الإقرار بما ثبتت لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق ، وروي أيضًا عن مقاتل بن حيان (9) نحو هذا ، وهو حسن ، [وإليه مال الزمخشري ، فإنه قال : فإن قلت : فما المراد بعهد الله ؟ قلت : ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد ، كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم وهو معنى قوله : { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } [الأعراف : 172] إذ أخذ الميثاق عليهم في الكتب المنزلة عليهم لقوله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [البقرة : 40] (10).
وقال آخرون : العهد الذي ذكره [الله] (11) تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من
__________
(1) في جـ : "شمل".
(2) في طـ : "الدليل".
(3) في جـ : "وبغضهم".
(4) في جـ : "هو".
(5) زيادة من جـ ، ط.
(6) في جـ ، ط : "إليهم".
(7) في و : "بمثله".
(8) في جـ : "عدم".
(9) في جـ ، ط ، أ ، و : "بن حيان أيضا".
(10) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(11) زيادة من جـ.

(1/210)


صلب آدم الذي وصف في قوله : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [شَهِدْنَا] } (1) الآيتين [الأعراف : 172 ، 173] ونقضهم (2) ذلك تركهم الوفاء به. وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضًا ، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } إلى قوله : { الْخَاسِرُونَ } قال : هي ست خصال من (3) المنافقين إذا كانت فيهم الظَّهْرَة (4) على الناس أظهروا هذه الخصال : إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا اؤتمنوا خانوا ، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه ، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، وأفسدوا في الأرض ، وإذا كانت الظَّهْرَةُ (5) عليهم أظهروا الخصال (6) الثلاث : إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا اؤتمنوا خانوا.
وكذا (7) قال الربيع بن أنس أيضًا. وقال السدي في تفسيره بإسناده ، قوله تعالى : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } قال : هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه.
وقوله : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } قيل : المراد به صلة الأرحام والقرابات ، كما فسره قتادة كقوله تعالى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } [محمد : 22] ورجحه ابن جرير. وقيل : المراد أعم من ذلك فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه.
وقال مقاتل بن حيان في قوله : { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } قال (8) في الآخرة ، وهذا كما قال تعالى : { أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [الرعد : 25].
وقال الضحاك عن ابن عباس : كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر ، فإنما يعني به الكفر ، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.
وقال ابن جرير في قوله : { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } الخاسرون : جمع خاسر ، وهم الناقصون أنفسهم [و] (9) حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته ، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه ، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته ، يقال منه : خسر الرجل يخسر خَسْرًا وخُسْرانًا وخَسارًا ، كما قال جرير بن عطية (10) إن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنَّه... أولادُ قَومٍ خُلقُوا أقِنَّه (11)
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) في جـ : "وبغضهم".
(3) في جـ ، ط : "في".
(4) في جـ : "الظهيرة".
(5) في جـ : "الظهيرة".
(6) في جـ : "أخفوا هذه الخصال".
(7) في جـ : "وقال".
(8) في أ : "أي".
(9) زيادة من جـ.
(10) في أ : "خطيئة".
(11) اليت في تفسير الطبري (1/417).

(1/211)


كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) }
يقول تعالى محتجًا على وجوده وقدرته ، وأنه الخالق المتصرف في عباده : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ } أي : كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره! { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } أي : قد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود ، كما قال تعالى : { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ } [الطور : 35 ، 36] ، وقال { هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } [الإنسان : 1] والآيات في هذا كثيرة.
وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه : { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } [غافر : 11] قال : هي التي في البقرة : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }
وقال ابن جُريج (1) ، عن عطاء ، عن ابن عباس : { كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } أمواتا في أصلاب آبائكم ، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم ، ثم يميتكم موتة الحق ، ثم يحييكم حين يبعثكم. قال : وهي مثل قوله : { [رَبَّنَا] (2) أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ }.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } قال : كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم (3) ، فهذه ميتة ، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة ، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى. فهذه ميتتان وحياتان ، فهو كقوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }
وهكذا روي عن السدي بسنده ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة - وعن أبي العالية والحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نَحْوُ ذلك.
وقال الثوري ، عن السدي عن أبي صالح : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قال : يحييكم (4) في القبر (5) ، ثم يميتكم.
وقال ابن جرير عن يونس ، عن ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ؛ خلقهم في (6) ظهر آدم ثم أخذ (7) عليهم الميثاق ، ثم أماتهم ثم خلقهم في الأرحام ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم يوم القيامة. وذلك كقول الله تعالى : { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ }
__________
(1) في جـ ، ط : "جرير".
(2) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(3) في جـ : "أخلفكم".
(4) في أ : "يحيهم".
(5) في جـ : "القبور".
(6) في جـ ، ط : "من".
(7) في جـ ، ط : "فأخذ".

(1/212)


هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

وهذا غريب والذي قبله. والصحيح ما تقدم عن ابن مسعود وابن عباس ، وأولئك الجماعة من التابعين ، وهو كقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } [الجاثية : 26].
[وعبر عن الحال قبل الوجود بالموت بجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس ، كما قال في الأصنام : { أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ } [النحل : 21] ، وقال { وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } [يس : 33] (1).
{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) }
لما ذكر تعالى دلالةً مِنْ خَلْقهم وما يشاهدونه من أنفسهم ، ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه مِنْ خَلْق السماوات والأرض ، فقال : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ } أي : قصد إلى السماء ، والاستواء هاهنا تَضَمَّن (2) معنى القصد والإقبال ؛ لأنه عدي بإلى { فَسَوَّاهُنَّ } أي : فخلق السماء سبعًا ، والسماء هاهنا اسم جنس ، فلهذا قال : { فَسَوَّاهُنَّ }. { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أي : وعلمه محيط بجميع ما خلق (3). كما قال : { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } [الملك : 14] وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة وهو قوله : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [فصلت : 9 - 12].
ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السماوات سبعًا ، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك ، وقد صرح المفسرون بذلك ، كما سنذكره بعد هذا إن شاء الله. فأما قوله تعالى : { أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا } [النازعات : 27 - 32] فقد قيل : إن { ثُمَّ } هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر ، لا لعطف الفعل على الفعل ، كما قال الشاعر :
قل لمن ساد ثم ساد أبوه... ثم قد ساد قبل ذلك جده (4)
وقيل : إن الدَّحْىَ كان بعد خلق السماوات ، رواه ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس.
__________
(1) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(2) في جـ ، ط : "مضمن".
(3) في جـ : "وعلمه محيط بجميع الخلق" ، وفي ط : "وعلمه محيط بالأشياء بجميع ما خلق".
(4) البيت في مغني اللبيب لابن هشام غير منسوب. أ. هـ. مستفادا من حاشية الشعب.

(1/213)


وقد قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك - وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ] (1) } قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق ، أخرج من الماء دخانًا ، فارتفع فوق الماء فسما عليه ، فسماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين ، فخلق الأرض على حوت ، والحوتُ هو النون الذي ذكره الله في القرآن : { ن وَالْقَلَمِ (2) } والحوت في الماء ، والماء على ظهر صفاة ، والصفاة على ظهر مَلَك ، والملك على صخرة ، والصخرة في الريح ، وهي الصخرة التي ذكر (3) لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض ، فتحرك الحوت فاضطرب ، فتزلزلت الأرض ، فأرسى عليها الجبال فَقَرّت ، فالجبال تفخر على الأرض ، فذلك قوله تعالى : { وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ (4) } [النحل : 15]. وخلق الجبال فيها ، وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين ، في الثلاثاء والأربعاء ، وذلك حين يقول : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا } [فصلت : 9 ، 10]. يقول : أنبت شجرها { وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا } يقول : أقواتها لأهلها { فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } [فصلت : 10] يقول : من سأل فهكذا الأمر. { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ } [فصلت : 11] وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس ، فجعلها سماء واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين ، في الخميس والجمعة ، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض ، { وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } [فضلت : 12] قال : خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي (5) فيها ، من البحار وجبال البَرَد وما لا نعلم ، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب ، فجعلها زينة وحفظًا (6) تُحْفَظُ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش ، فذلك حين يقول : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [الأعراف : 54] ويقول { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } [الأنبياء : 30].
وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد ، عن عبد الله بن سلام أنه قال : إن الله بدأ الخلق يوم الأحد ، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين ، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السماوات في الخميس والجمعة ، وفرغ في آخر (7) ساعة من يوم الجمعة ، فخلق فيها آدم على عَجَل ، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
وقال مجاهد في قوله : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا } قال : خلق الله الأرض قبل السماء ، فلما خلق الأرض ثار منها دخان ، فذلك حين يقول : { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ }
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) في جـ : "والقلم وما يسطرون".
(3) في ب : "ذكرها"
(4) في جـ : "وجعل لها رواسي من فوقها أن تميد بكم" ، وفي ط : "وجعل لها رواسي أن تميد بكم" ، وفي ب : "وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم".
(5) في جـ ، ط : "الذين".
(6) في أ : "وحفظها".
(7) في جـ : "وأخر".

(1/214)


{ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } قال : بعضهن فوق بعض ، وسبع أرضين ، يعني بعضهن تحت بعض.
وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء ، كما قال في آية السجدة : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [فصلت : 9 - 12] فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء ، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة : أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض ، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى : { أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا } [النازعات : 27 - 31] قالوا : فذكر خلق السماء قبل الأرض. وفي صحيح البخاري (1) : أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه ، فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء ، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا ، وقد قررنا ذلك في تفسير سورة النازعات ، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله : { وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا } [النازعات : 30 - 32] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل لما اكتملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية دحى بعد ذلك الأرض ، فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه ، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها ، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الذي رواه مسلم والنسائي في التفسير - أيضًا - من رواية ابن جُرَيج قال : أخبرني إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد ، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : "خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق الجبال فيها يوم الأحد ، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة ، فيما بين العصر إلى الليل" (2).
وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم ، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ ، وجعلوه من كلام كعب ، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار ، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه (3) مرفوعا ، وقد حرر ذلك البيهقي (4).
__________
(1) صحيح البخاري (8/555) "فتح".
(2) تفسير ابن أبي حاتم (1/103) وصحيح مسلم برقم (2789) وسنن النسائي الكبرى برقم (11010).
(3) في جـ ، ط ، ب : "فجعله".
(4) الأسماء والصفات (ص276) وللعلامة عبد الرحمن المعلمي كلام متين في تصحيح هذا الحديث ورد الشبه عنه في كتابه "الأنوار الكاشفة" (ص185 - 190) فليراجع فإنه مهم.

(1/215)


وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30) }
يخبر (1) تعالى بامتنانه على بني آدم ، بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم ، فقال تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ } أي : واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة ، واقصص على قومك ذلك. وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [وهو أبو عبيدة] (2) أنه زعم أن "إذ" هاهنا زائدة ، وأن تقدير الكلام : وقال ربك. ورده ابن جرير.
قال القرطبي : وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج : هذا اجتراء (3) من أبي عبيدة.
{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } أي : قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل ، كما قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ } [الأنعام : 165] وقال { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ } [النمل : 62]. وقال { وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ } [الزخرف : 60]. وقال { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } [مريم : 59]. [وقرئ في الشاذ : "إني جاعل في الأرض خليقة" حكاه الزمخشري وغيره ونقلها القرطبي عن زيد بن علي] (4). وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم ، عليه السلام ، فقط ، كما يقوله طائفة من المفسرين ، وعزاه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل ، وفي ذلك نظر ، بل الخلاف في ذلك كثير ، حكاه فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره ، والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } فإنهم (5) إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك ، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص ، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حمإ مسنون [أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ويقع بينهم من المظالم ويرد عنهم المحارم والمآثم ، قاله القرطبي] (6) أو أنهم قاسوهم على من سبق ، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.
وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ، ولا على وجه الحسد لبني آدم ، كما قد يتوهمه بعض المفسرين [وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول ، أي : لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا. قال قتادة : وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا } الآية] (7) وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك ، يقولون : يا ربنا ، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، فإن كان المراد عبادتك ، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، أي : نصلي لك كما سيأتي ، أي : ولا يصدر منا شيء من ذلك ، وهلا وقع الاقتصار علينا ؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } أي : إني أعلم من المصلحة (8) الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها (9) ما لا تعلمون أنتم ؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء ، وأرسل فيهم الرسل ، ويوجد فيهم
__________
(1) في جـ : "أخبر".
(2) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(3) في أ : "إجرام".
(4) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(5) في جـ ، ب : "فإن الله".
(6) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(7) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(8) في جـ : "بالمصلحة".
(9) في جـ : "الذي ذكروها".

(1/216)


الصديقون والشهداء ، والصالحون والعباد ، والزهاد والأولياء ، والأبرار والمقربون ، والعلماء العاملون والخاشعون ، والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله ، صلوات الله وسلامه عليهم.
وقد ثبت في الصحيح (1) : أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه السلام : "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل" فقولهم : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } وقيل : معنى قوله جوابًا لهم : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها ، وقيل : إنه جواب لقولهم : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } فقال : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } أي : من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل : بل تضمن قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم ، فقال الله تعالى لهم : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها فخر الدين مع غيرها من الأجوبة ، والله أعلم.
ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه :
قال ابن جرير : حدثني القاسم بن الحسن قال : حدثنا الحسين قال : حدثني الحجاج ، عن جرير بن حازم ، ومبارك ، عن الحسن وأبي بكر ، عن الحسن وقتادة ، قالوا : قال الله للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } قال لهم : إني فاعل. وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك.
وقال السدي : استشار الملائكة في خلق آدم. رواه ابن أبي حاتم ، قال (2) : وروي عن قتادة نحوه. وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل ، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن ، والله أعلم.
{ فِي الأرْضِ } قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا حماد (3) حدثنا عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم قال : "دُحِيت الأرض من مكة ، وأول من طاف بالبيت الملائكة ، فقال الله : إني جاعل في الأرض خليفة ، يعني مكة" (5).
وهذا مرسل ، وفي سنده ضعف ، وفيه مُدْرَج ، وهو أن المراد بالأرض مكة ، والله أعلم ، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.
{ خَلِيفَةً } قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً }
__________
(1) صحيح مسلم برقم (632) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) في جـ ، ط : "وقال".
(3) في جـ : "أحمد".
(4) في جـ ، ط ، ب : "النبي".
(5) تفسير ابن أبي حاتم (1/108).

(1/217)


قالوا (1) : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا.
قال ابن جرير : فكان تأويل الآية على هذا : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } مني ، يخلفني في الحكم بين خلقي ، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم (2) بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها (3) فمن غير خلفائه.
قال ابن جرير : وإنما [كان تأويل الآية على هذا] (4) معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا.
قال : والخليفة الفعلية من قولك ، خلف فلان فلانا في هذا الأمر : إذا قام مقامه فيه بعده ، كما قال تعالى : { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } [يونس : 14]. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم : خليفة ؛ لأنه خلف الذي كان قبله ، فقام بالأمر مقامه ، فكان منه خَلَفًا.
قال : وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } يقول : ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلفا ليس منكم.
قال ابن جرير : وحدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : أول من سكن الأرض الجنُّ ، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء ، وقتل بعضهم بعضا. قال : فبعث الله إليهم إبليس ، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم (5) بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثم خلق آدم وأسكنه إياها ، فلذلك قال : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } (6).
وقال سفيان الثوري ، عن عطاء بن السائب ، عن ابن سابط : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } قال : يعنون [به] (7) بني آدم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : قال الله للملائكة : إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة وليس لله ، عز وجل ، خلق إلا الملائكة ، والأرض ليس فيها خلق ، قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها [ويسفك الدماء] (8) ؟!
وقد تقدم ما رواه السدي ، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة : أن الله أعلم الملائكة بما يفعل ذرّية آدم ، فقالت الملائكة ذلك. وتقدم آنفا (9) ما رواه الضحاك ، عن ابن عباس : أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم ، فقالت الملائكة ذلك ، فقاسوا هؤلاء بأولئك.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسي ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا
__________
(1) في جـ : "فقالوا".
(2) في جـ : "وحكم".
(3) في جـ ، ط ، أ : "حقها".
(4) زيادة من جـ.
(5) في جـ : "ألحقوهم".
(6) تفسير الطبري (1/450).
(7) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(8) زيادة من جـ.
(9) في جـ ، ط : "أيضا".

(1/218)


الأعمش ، عن بُكَير (1) بن الأخنس ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة ، فأفسدوا في الأرض ، وسفكوا الدماء ، فبعث الله جندا من الملائكة فضربوهم ، حتى ألحقوهم بجزائر البحور ، فقال الله للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ قال : إني أعلم ما لا تعلمون (2).
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } إلى قوله : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } [البقرة : 33] قال : خلق الله الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس ، وخلق آدم يوم الجمعة ؛ فكفر قوم من الجن ، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم ، فكانت الدماء بينهم ، وكان الفساد في الأرض ، فمن ثم قالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } كما أفسدت الجن { وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } كما سَفَكُوا.
قال ابن أبي حاتم : وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا مبارك بن فضالة ، حدثنا الحسن ، قال : قال الله للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } قال لهم : إني فاعل. فآمنوا بربهم (3) ، فعلمهم علمًا وطوى عنهم علمًا علمه ولم يعلموه ، فقالوا بالعلم الذي علمهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } ؟ { قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ }
قال الحسن : إن الجن كانوا في الأرض يفسدون (4) ويسفكون الدماء ، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون فقالوا بالقول الذي عَلَّمهم.
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة في قوله : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } كان [الله] (5) أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فذلك حين قالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } (6).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام الرازي ، حدثنا ابن المبارك ، عن معروف ، يعني ابن خَرّبوذ المكي ، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول : السّجِلّ ملك ، وكان هاروت وماروت من أعوانه ، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب ، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما كان فيه من الأمور ، فأسَر ذلك إلى هاروت وماروت ، وكانا من أعوانه ، فلما قال تعالى : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } قالا ذلك استطالة على الملائكة.
وهذا أثر غريب. وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن الباقر ، فهو نقله عن أهل الكتاب ، وفيه نكارة توجب رده ، والله أعلم. ومقتضاه أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط ،
__________
(1) في أ : "بكر".
(2) تفسير ابن أبي حاتم (1/109).
(3) في أ ، و : "أفأمنوا برأيهم".
(4) في جـ : "يفسدون في الأرض".
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
(6) تفسير عبد الرزاق (1/65).

(1/219)


وهو خلاف السياق.
وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم - أيضًا - حيث قال : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن أبي عَبْد الله ، حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير ، قال : سمعت أبي يقول : إن الملائكة الذين قالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } كانوا عشرة آلاف ، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم.
وهذا - أيضًا - إسرائيلي منكر كالذي قبله ، والله أعلم.
قال ابن جريج : إنما تكلموا بما أعلمهم الله أنه كائن من خلق آدم ، فقالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ }
وقال ابن جرير : وقال بعضهم : إنما قالت الملائكة ما قالت : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } ؛ لأن الله أذن لهم (1) في السؤال عن ذلك ، بعد ما أخبرهم (2) أن ذلك كائن من بني آدم ، فسألته الملائكة ، فقالت على التعجب منها : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم! ؟ فأجابهم ربهم : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } يعني : أن ذلك كائن منهم ، وإن لم تعلموه أنتم ومن بعض من ترونه لي طائعا.
قال : وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك ، فكأنهم قالوا : يا رب خبرنا ، مسألة [الملائكة] (3) استخبار منهم ، لا على وجه الإنكار ، واختاره ابن جرير.
وقال سعيد عن قتادة قوله : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } فاستشار الملائكة في خلق آدم ، فقالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة ، قال : وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول : إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة : ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا ، فابتلوا بخلق آدم ، وكل خلق مبتلى كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة فقال : { اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [فصلت : 11].
وقوله تعالى : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } قال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : التسبيحُ : التسبيحُ ، والتقديس : الصلاة (4).
وقال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن مسعود - وعن ناس من الصحابة : { وَنَحْنُ نُسَبِّححُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } قال : يقولون : نصلي لك.
وقال مجاهد : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } قال : نعظمك ونكبرك.
__________
(1) في أ ، و : "لها".
(2) في أ ، و : "ما أخبرها".
(3) زيادة من جـ.
(4) تفسير عبد الرزاق (1/65).

(1/220)


وقال الضحاك : التقديس : التطهير.
وقال محمد بن إسحاق : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } قال : لا نعصي ولا نأتي شيئًا تكرهه.
وقال ابن جرير : التقديس : هو التعظيم والتطهير ، ومنه قولهم : سُبُّوح قُدُّوس ، يعني بقولهم : سُبوح ، تنزيه له ، وبقولهم : قدوس ، طهارة وتعظيم له. ولذلك قيل للأرض : أرض مقدسة ، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذًا : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك { وَنُقَدِّسُ لَكَ } ننسبك إلى ما هو من صفاتك ، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك.
[وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل ؟ قال : "ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده" (1) وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحًا في السماوات العلا "سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى" (2) ] (3).
{ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } قال قتادة : فكان في علم الله أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة ، وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى : { قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ }
وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما يختلفون فيه ، ويقطع تنازعهم ، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم ، ويقيم الحدود ، ويزجر عن تعاطي الفواحش ، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والإمامة تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر ، أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم ، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب ، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر ، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور وحكى على ذلك (4) إمام الحرمين الإجماع ، والله أعلم ، أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف ، وقد نص عليه الشافعي.
وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة ؟ فيه خلاف ، فمنهم من قال : لا يشترط ، وقيل : بلى ويكفي شاهدان. وقال الجبائي : يجب أربعة وعاقد ومعقود له ، كما ترك عمر رضي الله عنه ، الأمر شورى بين ستة ، فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف ، ومعقود له وهو عثمان ، واستنبط
__________
(1) صحيح مسلم برقم (2731).
(2) ورواه أبو نعيم في الحلية (2/7) من طريق مسكين بن ميمون عن عروة بن رويم ، عن عبد الرحمن بن قرط رضي الله عنه به مرفوعا وسيأتي من رواية الطبراني عند تفسير الآية : 44 من سورة الإسراء.
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
(4) في أ : "تلك".

(1/221)


وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)

وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين ، وفي هذا نظر ، والله أعلم.
ويجب أن يكون ذكرًا حرًا بالغًا عاقلا مسلمًا عدلا مجتهدًا بصيرًا سليم الأعضاء خبيرًا بالحروب والآراء قرشيًا على الصحيح ، ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافًا للغلاة الروافض ، ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا ؟ فيه خلاف ، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله عليه الصلاة والسلام : "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" (1) وهل له أن يعزل نفسه ؟ فيه خلاف ، وقد عزل الحسن بن علي نفسه وسلم الأمر إلى معاوية لكن هذا لعذر وقد مدح على ذلك.
فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام : "من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان" (2). وهذا قول الجمهور ، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد ، منهم إمام الحرمين ، وقالت الكرامية : يجوز نصب إمامين فأكثر كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة ، قالوا : وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمامة ؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف ، وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما ، وتردد إمام الحرمين في ذلك ، قلت : وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب.
{ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) }
هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة ، بما اختصه به من عِلم أسماء كلّ شيء دونهم ، وهذا كان بعد سجودهم له ، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك ، لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة ، حين سألوا عن ذلك ، فأخبرهم [الله] (3) تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون ؛ ولهذا ذكر تعالى (4) هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم ، فقال تعالى : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا }
وقال السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } قال : عرض عليه أسماء ولده إنسانًا إنسانًا ، والدواب ، فقيل : هذا الحمار ، هذا الجمل ، هذا الفرس.
وقال الضحاك عن ابن عباس : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } قال : هي هذه الأسماء التي يتعارف
__________
(1) رواه البخاري في صحيحه برقم (7055) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(2) رواه مسلم في صحيحه برقم (1852) من حديث عرفجة رضي الله عنه.
(3) زيادة من جـ.
(4) في جـ : "ذكر تبارك وتعالى" ، وفي ب : "ذكر الله تعالى".

(1/222)


بها الناس : إنسان ، ودابة ، وسماء ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجمل (1) ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير ، من حديث عاصم بن كليب ، عن سعيد بن معبد ، عن ابن عباس : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } قال : علمه اسم الصحفة والقِدر ، قال : نعم حتى الفسوة والفُسَيَّة (2).
وقال مجاهد : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } قال : علمه اسم كل دابة ، وكل طير ، وكل شيء.
وكذلك روي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف : أنه علمه أسماء كل شيء ، وقال الربيع في رواية عنه : أسماء الملائكة. وقال حميد الشامي : أسماء النجوم. وقال عبد الرحمن بن زيد : علمه أسماء ذريته كلهم.
واختار ابن جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية ؛ لأنه قال : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } وهذا عبارة عما يعقل. وهذا الذي رجح به ليس بلازم ، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم ، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب. كما قال : { وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [النور : 45].
[وقد قرأ عبد الله بن مسعود : "ثم عرضهن" وقرأ أبي بن كعب : "ثم عرضها" أي : السماوات] (3).
والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها : ذواتها وأفعالها ؛ كما قال ابن عباس حتى الفسوة والفُسَية. يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر ؛ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من كتاب التفسير من صحيحه : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا مسلم ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال - : "يجتمع المؤمنون يوم القيامة ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا ؟ فيأتون آدم فيقولون : أنت أبو الناس ، خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيقول : لَسْتُ هُنَاكُمْ ، ويذكر ذنبه فيستحي ؛ ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، فيأتونه فيقول : لست هُنَاكُم. ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي. فيقول : ائتوا خليل الرحمن ، فيأتونه ، فيقول : لست هُنَاكم ؛ فيقول : ائتوا موسى عَبْدًا كَلمه الله ، وأعطاه التوراة ، فيأتونه ، فيقول : لست هُنَاكُمْ ، ويذكر قَتْلَ النفس بغير نفس ، فيستحي من ربه ؛ فيقول : ائتوا عيسى عَبْدَ الله ورسولَه وكَلِمةَ الله وروحه ، فيأتونه ، فيقول : لست هُنَاكُم ، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فيأتوني ، فأنطلق حتى أستأذن على ربي ، فيُؤذن لي ، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا ، فيدعني ما شاء الله ، ثم يقال : ارفع رأسك ، وسل تعطه ، وقل
__________
(1) في جـ ، ط ، ب : "وجبل".
(2) في جـ : "الفشوة والفشية".
(3) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.

(1/223)


يُسْمَع ، واشفع تُشَفَّع ، فأرفع رأسي ، فأحمده بتحميد (1) يعلمُنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود إليه ، وإذا رأيت ربي مثله (2) ، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة (3) ، ثم أعود الرابعة فأقول : ما بقي في النار إلا مَنْ حبسه القرآن ووجب عليه الخلود" (4).
هكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام ، وهو ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي ، عن قتادة ، به (5). وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث سعيد ، وهو ابن أبي عَرُوبَة ، عن قتادة (6). ووجه إيراده هاهنا والمقصود منه قوله عليه الصلاة والسلام : "فيأتون آدم فيقولون : أنت أبو الناس خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء" ، فدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات ؛ ولهذا قال : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ } يعني : المسميات ؛ كما قال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة قال : ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة { فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }
وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } ثم عرض الخَلْق على الملائكة.
وقال ابن جريج ، عن مجاهد : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثني الحجاج ، عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة ، عن الحسن - وأبي بكر ، عن الحسن وقتادة - قالا علمه اسم كل شيء ، وجعل يسمي كل شيء باسمه ، وعرضت عليه أمة أمة.
وبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة في قوله : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه ، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.
وقال الضحاك عن ابن عباس : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إن كنتم تعلمون (7) لم أجعل في الأرض خليفة.
وقال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.
وقال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله ، ومعنى ذلك فقال : أنبئوني بأسماء من عَرَضْتُه عليكم أيها الملائكة القائلون : أتجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك
__________
(1) في جـ : "تحميدا".
(2) في جـ : "فإذا رأيته عملت مثله".
(3) في جـ ، ط : "فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه ، فإذا رأيت ربي عملت مثله ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة".
(4) صحيح البخاري برقم (4476).
(5) صحيح مسلم برقم (193) وسنن النسائي الكبرى برقم (10984).
(6) صحيح مسلم برقم (193) وسنن النسائي الكبرى برقم (11243) وسنن ابن ماجة برقم (4312).
(7) في جـ : "إن كنتم عالمين".

(1/224)


الدماء ، من غيرنا أم منا ، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ إن كنتم صادقين في قيلكم : إني إن جعلتُ خليفتي في الأرض من غيركم عصاني ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء ، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس ، فإذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم ، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا غير عالمين.
[وقوله] (1) { قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ، وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم الله تعالى ، ولهذا قالوا : { سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } أي : العليم بكل شيء ، الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء ، لك الحكمة في ذلك ، والعدل التام.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا حفص بن غياث ، عن حجاج ، عن ابن أبي مُلَيْكَة ، عن ابن عباس : سبحان الله ، قال : تنزيه الله نفسه عن السوء. [قال] (2) ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده : لا إله إلا الله ، قد عرفناها (3) فما سبحان الله ؟ فقال له علي : كلمة أحبها الله لنفسه ، ورضيها ، وأحب أن تقال (4).
قال : وحدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا النضر بن عربي قال : سأل رجل ميمون بن مِهْرَان عن "سبحان الله" ، فقال : اسم يُعَظَّمُ الله به ، ويُحَاشَى به من السوء.
وقوله تعالى : { قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } قال زيد بن أسلم. قال : أنت جبريل ، أنت ميكائيل ، أنت إسرافيل ، حتى عدد الأسماء كلها ، حتى بلغ الغراب.
وقال مجاهد في قول الله : { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } قال : اسم الحمامة ، والغراب ، واسم كل شيء.
وروي عن سعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، نحو ذلك.
فلما ظهر فضل آدم ، عليه السلام ، على الملائكة ، عليهم السلام ، في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء ، قال الله تعالى للملائكة : { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } أي : ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي ، كما قال [الله] (5) تعالى : { وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } وكما قال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال
__________
(1) زيادة من أ.
(2) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(3) في جـ ، ط : "عرفناه".
(4) تفسير ابن أبي حاتم (1/117).
(5) زيادة من أ.

(1/225)


لسليمان : { أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }.
وقيل في [معنى] (1) قوله تعالى : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } غيرُ ما ذكرناه ؛ فروى الضحاك ، عن ابن عباس : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } قال : يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية ، يعني : ما كَتَم إبليس في نفسه من الكِبْر والاغترار.
وقال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، قال : قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } فهذا الذي أبدوا { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } يعني : ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.
وكذلك قال سعيد بن جبير ، ومجاهد ، والسدي ، والضحاك ، والثوري. واختار ذلك ابن جرير.
وقال أبو العالية ، والربيع بن أنس ، والحسن ، وقتادة : هو قولهم : لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } فكان الذي أبدوا قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } وكان الذي كتموا بينهم قولهم : لن (2) يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم ، والكرم.
وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، في قصة الملائكة وآدم : فقال الله للملائكة : كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم ، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها ، هذا عندي قد علمته ؛ ولذلك (3) أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني ، قال : وسَبَقَ من الله { لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } قال : ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه قال : ولما (4) رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقروا له بالفضل (5).
وقال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك قولُ ابن عباس ، وهو أن معنى قوله تعالى : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } وأعلم - مع علمي غيب السماوات والأرض - ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون (6) في أنفسكم ، فلا يخفى عَلَيَّ شيء ، سواء عندي سرائركم ، وعلانيتكم.
والذي أظهروه بألسنتهم قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ، والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطويا إبليس من الخلاف على الله في أوامره (7) ، والتكبر عن طاعته.
__________
(1) زيادة من جـ ، أ ، و.
(2) في جـ : "لم".
(3) في جـ ، ب : "فلذلك".
(4) في جـ ، ط : "فلما".
(5) تفسير الطبري (1/497).
(6) في أ ، و : "تخفونه".
(7) في جـ ، ط ، ب : "في أمره".

(1/226)


وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)

قال : وصح ذلك كما تقول العرب : قُتِل الجيش وهُزموا ، وإنما قتل الواحد أو البعض ، وهزم الواحد أو البعض ، فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } [الحجرات : 4 ] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدا من بني تميم ، قال : وكذلك قوله : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }
{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) }.
وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته ، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم. وقد دل على ذلك أحاديث - أيضا - كثيرة منها حديث الشفاعة المتقدم ، وحديث موسى ، عليه السلام : "رَبِّ ، أرني آدم الذي أخرجنا ونفسَه من الجنة" ، فلما اجتمع به قال : "أنت آدم الذي خلقه (1) الله بيده ، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته". قال... وذكر الحديث كما سيأتي.
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيب ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشْر بن عُمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كان إبليس من حَيّ من أحياء الملائكة يقال لهم : الجِنّ ، خلقوا من نار السموم ، من بين الملائكة ، وكان اسمه الحارث ، وكان خازنا من خزان الجنة ، قال : وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي ، قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار ، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا لهبت قال : وخلق الإنسان من طين] (2). فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، وقتل بعضهم بعضا. قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة - وهم هذا الحي الذي يقال لهم : الجنّ - فقتلهم إبليس ومن معه ، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ، فلما فعل إبليس ذلك اغتَرّ في نفسه ، فقال : قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد. قال : فاطلع الله على ذلك من قلبه ، ولم يطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه ، فقال الله تعالى للملائكة الذين معه : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } فقالت الملائكة مجيبين له : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } كما أفسدت الجن وسفكت الدماء ، وإنما بعثتنا عليهم (3) لذلك ؟ فقال : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } يقول : إني قد اطلعت من (4) قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره ، قال : ثم أمر بتربة آدم فرفعت ، فخلق الله آدم من طين لازب - واللازب : اللزج الصلب (5) من حمإ مسنون منتن ، وإنما كان حَمَأ مسنونا بعد التراب. فخلق منه آدم بيده ، قال : فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى. فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله ، فيصلصل ، أي فيصوت. قال : فهو قول الله تعالى : { مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } يقول : كالشيء المنفرج الذي ليس [ الرحمن : 14 ]
__________
(1) في ب ، أ ، و : "خلقك".
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(3) في جـ : "إليهم".
(4) في جـ : "على".
(5) في ب ، أ ، و : "الطيب".

(1/227)


بمُصْمَت. قال : ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره ، ويدخل من (1) دبره ، ويخرج من فيه. ثم يقول : لست شيئا - للصلصلة - ولشيء ما خلقت ، ولئن سُلِّطْتُ عليك لأهلكنك ، ولئن سُلِّطْتُ علي لأعْصيَنَّك. قال : فلما نفخ الله فيه من روحه ، أتت النفخة من قبل رأسه ، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا ، فلما انتهت النفخة إلى سُرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده ، فذهب لينهض فلم يقدر ، فهو قول الله تعالى : { وَكَانَ (2) الإنْسَانُ عَجُولا } قال : ضجر لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال : فلما تمت النفخة في جسده عطس ، فقال : "الحمد لله رب العالمين" بإلهام الله. فقال [الله] (3) له : "يرحمك الله يا آدم (4) ". قال ثم قال [الله] (5) تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات : اسجدوا لآدم. فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر ، لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار. فقال : لا أسجد له ، وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا ، خلقتني (6) من نار وخلقته من طين. يقول : إن النار أقوى من الطين. قال : فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله ، أي : آيسه من الخير كله ، وجعله شيطانا رجيما عُقُوبة لمعصيته ، ثم عَلَّم آدم الأسماء كلها ، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة ، يعني : الملائكة الذين كانوا مع إبليس ، الذين خلقوا من نار السموم ، وقال لهم : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ } يقول : أخبروني بأسماء هؤلاء { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. قال : فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب ، الذي لا يعلمه غيره ، الذي ليس لهم به علم قالوا : سبحانك ، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره ، وتبنا إليك { لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا } تبريا منهم من علم الغيب ، إلا ما علمتنا كما علمت آدم ، فقال : { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } يقول : أخبرهم بأسمائهم { فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ } [يقول : أخبرهم] (7) { بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ } أيها الملائكة خاصة { إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } ولا يعلم غيري { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } يقول : ما تظهرون { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية ، يعني : ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار (8).
هذا سياق غريب ، وفيه أشياء فيها نظر ، يطول مناقشتها ، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.
وقال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن
__________
(1) في ب : "في".
(2) في هـ : "وخلق" ، والمثبت من باقي النسخ ، وهو الصواب.
(3) زيادة من أ ، و :
(4) في جـ : "يرحمك يا آدم ربك".
(5) زيادة من جـ.
(6) في جـ : "فخلقتني".
(7) زيادة من أ ، و.
(8) تفسير الطبري (1/455).

(1/228)


مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي (1) صلى الله عليه وسلم : لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش ، فجعل إبليس على مُلْك السماء الدنيا ، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم : الجن ، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة ، وكان إبليس مع مُلْكه خازنا ، فوقع في صدره كبر وقال : ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبر في نفسه (2) اطلع الله على ذلك منه. فقال الله للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } قالوا (3) : ربنا ، وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قالوا : ربنا ، { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } يعني : من شأن إبليس. فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها ، فقالت الأرض : إني أعوذ بالله منك أن تَقْبض (4) مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ ، وقال : رب مني (5) عاذت بك فأعذتُها ، فبعث ميكائيل ، فعاذت منه فأعاذها ، فرجع فقال كما قال جبريل ، فبعث مَلَك الموت فعاذت منه. فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره ، فأخذ من وجه الأرض ، وخَلَطَ ولم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ، فَصعِد به فَبَلَّ التراب حتى عاد طينا لازبا - واللازب : هو الذي يلتزق بعضه ببعض - ثم قال للملائكة : { إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ص : 71 ، 72 ] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه ، ليقول له : تتكبر عما عملت بيدي ، ولم أتكبر أنا عنه. فخلقه (6) بشرا ، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة ، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه ، وكان أشدهم فزعا منه (7) إبليس ، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة. فذلك حين يقول : { مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } [ الرحمن : 14 ] ويقول : لأمر ما خُلقت. ودخل من فيه فخرج من دبره ، وقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا ، فإن ربكم صَمَدٌ وهذا أجوف. لئن سلطت عليه لأهلكنه ، فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح ، قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له ، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه ، عَطِسَ ، فقالت الملائكة : قل : الحمد لله. فقال : الحمد لله ، فقال له الله : رحمك ربك ، فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل الروح في (8) جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ (9) الروح رجليه عجلان (10) إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول تعالى : { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } [الأنبياء : 37 ]{ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } [الحجر : 30 ، 31 ] أبى واستكبر وكان من الكافرين. قال الله له : ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي ؟ قال : أنا خير منه ، لم أكن لأسجد لمن (11) خلقته من طين. قال الله له : اخرج منها فما يكون لك ، يعني : ما ينبغي لك { أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ }
__________
(1) في جـ ، ط ، ب : "رسول الله".
(2) في جـ : "في صدره".
(3) في طـ ، ب : "فقالوا".
(4) في أ ، و : "تنقص".
(5) في جـ ، ط ، ب : "رب إنها".
(6) في جـ ، ط : "بخلقه".
(7) في جـ ، ب ، ط : "أشدهم منه فزعا".
(8) في جـ : "إلى".
(9) في جـ : "أن يدخل".
(10) في جـ : "عجلا".
(11) في جـ ، ب : "لبشر".

(1/229)


[الأعراف : 13] والصغار : هو الذل. قال : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } ثم عرض الخلق على الملائكة { فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، فقالوا (1) { سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } قال الله : { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } قال : قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } فهذا الذي أبدوا "وأعلم ما تكتمون" يعني : ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.
فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدِّي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة ، فلعل بعضها مُدْرَج (2) ليس من كلام الصحابة ، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة. والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء ، ويقول : [هو] (3) على شرط البخاري.
والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم ؛ لأنه - وإن لم يكن من عُنْصرهم - إلا أنه كان قد (4) تشَبَّه بهم وتوسم بأفعالهم ؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم ، وذم في مخالفة الأمر. وسنبسط المسألة إن - شاء الله تعالى - عند قوله : { إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [ الكهف : 50 ].
ولهذا قال : محمد بن إسحاق ، عن خلاد ، عن (5) عطاء ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل (6) ، وكان من سكان الأرض ، وكان من أشد الملائكة اجتهادا ، وأكثرهم علما ؛ فذلك دعاه إلى الكبر ، وكان من حي يسمون جِنًّا.
وفي رواية عن خلاد ، عن عطاء ، عن طاوس - أو مجاهد - عن ابن عباس ، أو غيره ، بنحوه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد (7) بن سليمان ، حدثنا عباد - يعني : ابن العوام - عن سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جُبَير ، عن ابن عباس قال : كان إبليس اسمه عزازيل (8) ، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة ، ثم أبلس بعد.
وقال سُنَيْد (9) ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : كان (10) إبليس من أشراف (11) الملائكة وأكرمهم قبيلة ، وكان خازنا على الجنان ، وكان له سلطان سماء الدنيا ، وكان له سلطان الأرض.
وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس ، سواء.
وقال صالح مولى التَّوْأمة ، عن ابن عباس : إن من الملائكة قَبيلا يقال لهم : الجن ، وكان إبليس
__________
(1) في أ ، و : "فقالوا له".
(2) في ب : "مدرجا".
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(4) في جـ : "قد كان".
(5) في جـ ، ط ، ب : "خلاد بن".
(6) في جـ ، ط ، ب : "عزرائيل".
(7) في ب : "سعد".
(8) في جـ : "عزرائيل".
(9) في جـ : "سعيد".
(10) في جـ : "وكان".
(11) في جـ : "من أشرف".

(1/230)


منهم ، وكان يسوس ما بين السماء والأرض ، فعصى ، فمسخه الله شيطانا رجيما. رواه ابن جرير.
وقال قتادة عن سعيد بن المسيب : كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عدي بن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قَط ، وإنه لأصل الجن ، كما أن آدم أصل الإنس. وهذا إسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء.
وقال شَهْر بن حَوْشَب : كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة ، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء ، رواه ابن جرير.
وقال سُنَيْد بن داود : حدثنا هُشَيم ، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى ، عن موسى بن نمير وعثمان بن سعيد بن كامل ، عن سعد (1) بن مسعود ، قال : كانت الملائكة تقاتل الجن ، فسبي إبليس وكان صغيرا ، فكان مع الملائكة ، فتعبد معها ، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا ، فأبى إبليس. فلذلك قال تعالى : { إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ } [الكهف : 50 ].
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن سنان القزاز ، حدثنا أبو عاصم ، عن شريك ، عن رجل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : إن الله خلق خلقا ، فقال : اسجدوا لآدم. فقالوا : لا نفعل. فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم خلق خلقا آخر ، فقال : "إني خالق بشرا من طين ، اسجدوا لآدم. قال : فأبوا. فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم. ثم خلق هؤلاء ، فقال : اسجدوا لآدم ، قالوا : نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم (2). وهذا غريب ، ولا يكاد يصح إسناده ، فإن فيه رجلا مبهما ، ومثله لا يحتج به ، والله أعلم.
وقال قتادة في قوله : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ } فكانت الطاعة لله ، والسجدة أكر الله آدم بها أن أسجد له ملائكته.
وقال في قوله تعالى : { فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } حسد عدو الله إبليسُ آدمَ ، عليه السلام ، على ما أعطاه الله من الكرامة ، وقال : أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ ، وكان بدء الذنوب الكبر ، استكبر عدوُّ الله أن يسجد لآدم ، عليه السلام.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا صالح بن حيان ، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة : قوله تعالى : { وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } من الذين أبوا ، فأحرقتهم النار.
وقال أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : { وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } يعني : من العاصين.
وقال السدي : { وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } الذين لم يخلقهم الله يومئذ يكونون بعد.
__________
(1) في جـ "سعيد".
(2) تفسير الطبري (1/508).

(1/231)


وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ : ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة ، وعمل بعمل الملائكة ، فصيره إلى ما أبدى عليه خلقه من الكفر ، قال الله تعالى : { وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }
وقال بعض الناس : كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام ، كما قال تعالى : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } [ يوسف : 100] وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا ، قال معاذ (1) : قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم ، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك ، فقال : "لا لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" (2) ورجحه الرازي ، وقال بعضهم : بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال : { أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } [الإسراء : 78 ] وفي هذا التنظير نظر ، والأظهر أن القول الأول أولى ، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا ، وهي طاعة لله ، عز وجل ؛ لأنها امتثال لأمره تعالى ، وقد قواه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين وهما كونه جعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف ، والآخر : أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض وهو ضعيف كما قال.
قلت : وقد ثبت في الصحيح : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر" (3) وقد كان في قلب إبليس من الكبر - والكفر - والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس ؛ قال بعض المعربين : وكان من الكافرين أي : وصار من الكافرين بسبب امتناعه ، كما قال : { فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ } [ هود : 43] وقال { فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } [ البقرة : 35 ] وقال الشاعر :
بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها...
أي : قد صارت ، وقال ابن فورك : تقديره : وقد كان في علم الله من الكافرين ، ورجحه القرطبي ، وذكر هاهنا مسألة فقال : قال علماؤنا من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته ، خلافا لبعض الصوفية والرافضة هذا لفظه. ثم استدل على ما قال : بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافي الله بالإيمان ، وهو لا يقطع لنفسه بذلك ، يعني والولي الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر.
قلت : وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي ، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر ، أيضا ، بما ثبت عن ابن صياد أنه قال : هو الدخ حين خبأ له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } [الدخان : 10 ] ، وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر ، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، والأرض أن تنبت فتنبت ، وتتبعه كنوز الأرض
__________
(1) في و : "معاوية".
(2) رواه أحمد في المسند (5/227).
(3) صحيح مسلم برقم (91) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(1/232)


وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)

مثل اليعاسيب ، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة. وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي : قلت للشافعي : كان الليث بن سعد يقول : إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة ، فقال الشافعي : قصر الليث ، رحمه الله ، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة ، وقد حكى فخر الدين وغيره قولين للعلماء : هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض ، أو عام بملائكة السماوات والأرض ، وقد رجح كلا من القولين طائفة ، وظاهر الآية الكريمة العموم : { فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ } [ الحجر : 30 ، 31 ، ص : 73 ، 74 ] ، فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم ، والله أعلم.
{ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) }
يقول الله تعالى إخبارا عما أكرم به آدم : بعد أن أمر الملائكة (1) بالسجود له ، فسجدوا إلا إبليس : إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء ، ويأكل منها ما شاء (2) رَغَدًا ، أي : هنيئًا واسعًا طيبًا.
وروى الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه ، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ميكائيل ، عن ليث ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر : قال : قلت : يا رسول الله ؛ أريت آدم ، أنبيًّا كان ؟ قال : "نعم ، نبيا رسولا كلمه الله قِبَلا فقال : { اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ } " (3).
وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم ، أهي في السماء أم في الأرض ؟ والأكثرون على الأول [وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض] (4) ، وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف ، إن شاء الله تعالى ، وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم (5) الجنة ، وقد صرح بذلك محمد بن إسحاق ، حيث قال : لما فرغ الله من معاتبة إبليس ، أقبل على آدم وقد عَلَّمه الأسماء كلها ، فقال : { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } إلى قوله : { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } (6) قال : ثم ألقيت السِّنَةُ على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم ، عن ابن عباس وغيره - ثم أخذ ضِلعًا من أضلاعه من شِقه الأيسر ، ولأم مكانه لحما ، وآدم نائم لم يهب من
__________
(1) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أمر ملائكته".
(2) في جـ ، ط : "ما يشاء".
(3) ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/10) من طريق أبي عمر الشامي ، عن عبيد الخشخاش ، عن أبي ذر بنحوه ، ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (1016) من طريق جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن أبي ذر بنحوه ، ورواه أحمد في المسند(5/265) من طريق علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة مرفوعا بنحوه.
(4) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(5) في ب ، و : "آدم إلى".
(6) في أ : "وما كنتم تكتمون".

(1/233)


نومه ، حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء ، فسواها امرأة ليسكن إليها. فلما كُشِفَ عنه السِّنَة وهبَّ من نومه ، رآها إلى جنبه ، فقال - فيما يزعمون والله أعلم - : لحمي ودمي وروحي (1). فسكن إليها. فلما زوَّجَه الله ، وجعل له سكنا من نفسه ، قال له قِبَلا { يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ }
ويقال : إن خلق حواء كان بعد دخوله الجنة ، كما قال السدي في تفسيره (2) ، ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : أخرج إبليس من الجنة ، وأسكن آدم الجنة ، فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليه ، فنام نومة فاستيقظ ، وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه ، فسألها : ما أنت ؟ قالت : امرأة. قال : ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إلي. قالت له الملائكة - ينظرون ما بلغ من علمه - : ما اسمها يا آدم ؟ قال : حواء. قالوا : ولم سميت حواء ؟ قال : إنها خلقت من شيء حي. قال الله : { يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا }
وأما قوله : { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم. وقد اختلف في هذه الشجرة : ما هي ؟
فقال السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : الشجرة التي نهي عنها آدم ، عليه السلام ، هي الكَرْم. وكذا قال سعيد بن جبير ، والسدي ، والشعبي ، وجَعْدة بن هُبَيرة ، ومحمد بن قيس.
وقال السدي - أيضا - في خبر ذكره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } هي الكرم. وتزعم يهود أنها الحنطة.
وقال ابن جرير وابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي ، حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني ، حدثنا النضر أبو عمر الخراز ، عن عِكْرِمة ، عن ابن عباس ، قال : الشجرة التي نُهِي عنها آدم ، عليه السلام ، هي السنبلة.
وقال عبد الرزاق : أنبأنا ابن عيينة وابن المبارك ، عن الحسن بن عمارة ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : هي السنبلة.
وقال محمد بن إسحاق ، عن رجل من أهل العلم ، عن حجاج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : هي البر.
وقال ابن جرير : وحدثني المثنى بن إبراهيم ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا القاسم ، حدثني
__________
(1) في جـ ، ب ، أ ، و : "وزوجتي".
(2) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "في خبر".

(1/234)


فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)

رجل من بني تميم ، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم ، والشجرة التي تاب عندها آدم. فكتب إليه أبو الجلد : سألتني عن الشجرة التي نُهِي عنها آدم ، عليه السلام ، وهي السنبلة ، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة (1).
وكذلك فسره الحسن البصري ، ووهب بن مُنَبَّه ، وعطية العَوفي ، وأبو مالك ، ومحارب (2) بن دِثَار ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
وقال محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل اليمن ، عن وهب بن منبه : أنه كان يقول : هي البُر ، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر ، ألين من الزبد وأحلى من العسل.
وقال سفيان الثوري ، عن حصين ، عن أبي مالك : { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } قال : النخلة.
وقال ابن جرير ، عن مجاهد : { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } قال : تينة. وبه قال قتادة وابن جريج.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : كانت الشجرة من أكل منها أحدث ، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حَدَثٌ ، وقال عبد الرزاق : حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهْرِب (3) قال : سمعت وهب بن منبه يقول : لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة ، ونهاه عن أكل الشجرة ، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها من (4) بعض ، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم ، وهي الثمرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته.
فهذه أقوال ستة في تفسير (5) هذه الشجرة.
قال الإمام العلامة أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله (6) : والصواب في ذلك أن يقال : إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة ، دون سائر أشجارها (7) ، فأكلا منها ، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين ؟ لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة. وقد قيل : كانت شجرة البر. وقيل : كانت شجرة العنب ، وقيل : كانت شجرة التين. وجائز أن تكون واحدة منها ، وذلك عِلْمٌ ، إذا علم ينفع العالمَ به علمُه ، وإن جهله جاهلٌ لم يضرَّه جهله به ، والله أعلم. [وكذلك رجح الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره ، وهو الصواب] (8).
{ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) }
وقوله تعالى : { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا } يصح أن يكون الضمير في قوله : { عَنْهَا } عائدا إلى
__________
(1) تفسير الطبري (1/517).
(2) في جـ : "مجاهد".
(3) في جـ : "مهدي".
(4) في جـ ، ط ، ب : "في".
(5) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "تعيين".
(6) تفسير الطبري (1/520 ، 521).
(7) في جـ : "سائر الأشجار".
(8) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.

(1/235)


الجنة ، فيكون معنى الكلام كما قال (1) [حمزة و] (2) عاصم بن بَهْدلَة ، وهو ابن أبي النَّجُود ، فأزالهما ، أي : فنجَّاهما. ويصح أن يكون عائدا على أقرب المذكورين ، وهو الشجرة ، فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادةُ { فأزلهما } أي : من قبيل (3) الزلل ، فعلى هذا يكون تقدير الكلام { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا } أي : بسببها ، كما قال تعالى : { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } [الذاريات : 9 ] أي : يصرف بسببه من هو مأفوك ؛ ولهذا قال تعالى : { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } أي : من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة.
{ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } أي : قرار وأرزاق وآجال { إِلَى حِينٍ } أي : إلى وقت مؤقت ومقدار معين ، ثم تقوم القيامة.
وقد ذكر المفسرون من السلف كالسُّدِّي بأسانيده ، وأبي العالية ، ووهب بن مُنَبِّه وغيرهم ، هاهنا أخبارا إسرائيلية عن قصة الحَيَّة ، وإبليس ، وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته ، وسنبسط ذلك إن شاء الله ، في سورة الأعراف ، فهناك القصة أبسط منها هاهنا ، والله الموفق.
وقد قال ابن أبي حاتم هاهنا : حدثنا علي بن الحسن بن إشكاب ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله خلق آدم رجلا طُوَالا كثير شعر الرأس ، كأنه نخلة سَحُوق ، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه ، فأول ما بدا منه عورته ، فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَد (4) في الجنة ، فأخذت شَعْرَه شجرةٌ ، فنازعها ، فناداه الرحمن : يا آدم ، مني تَفِرُّ! فلما سمع كلام الرحمن قال : يا رب ، لا ولكن استحياء" (5).
قال : وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القومشي (6) سنة أربع وخمسين ومائتين ، حدثنا سليم (7) بن منصور بن عمار ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما ذاق آدم من الشجرة فَرَّ هاربا ؛ فتعلقت شجرة بشعره ، فنودي : يا آدم ، أفِرارًا مني ؟ قال : بل حَيَاء منك ، قال : يا آدم اخرج من جواري ؛ فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني ، ولو خلقت مِثْلَك ملء الأرض خَلْقًا ثم عصوني لأسكنتهم دار العاصين" (8).
هذا حديث غريب ، وفيه انقطاع ، بل إعضال بين قتادة وأبي بن كعب ، رضي الله عنهما (9).
وقال الحاكم : حدثنا أبو بكر بن بَالُويه (10) ، عن محمد بن أحمد بن النضر ، عن معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن عَمَّار بن معاوية البَجَلي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما أسكن
__________
(1) في جـ ، ط : "كما قرأ".
(2) زيادة من جـ ، ط.
(3) في جـ ، ط ، ب : "من قبل".
(4) في جـ : "يستدير".
(5) تفسير ابن أبي حاتم (1/129).
(6) في هـ : "القرشي".
(7) في هـ : "سليمان".
(8) تفسير ابن أبي حاتم (1/130).
(9) في جـ ، ب ، و : "عنه".
(10) في جـ : "مالويه".

(1/236)


آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه.
وقال عبد بن حميد في تفسيره : حدثنا رَوح ، عن هشام ، عن الحسن ، قال : لبث آدم في الجنة ساعة من نهار ، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، قال : خرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة ، فأخرج آدم معه غصنًا من شجر الجنة ، على رأسه تاج من شجر الجنة وهو الإكليل من ورق الجنة.
وقال السدي : قال الله تعالى : { اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا } فهبطوا فنزل آدم بالهند ، ونزل معه الحجر الأسود ، وقبضة (1) من ورق الجنة فبثه بالهند ، فنبتت شجرة الطيب ، فإنما أصل ما يجاء به من الهند من الطيب من قبضة الورق التي هبط بها آدم ، وإنما قبضها آدم أسفا على الجنة حين أخرج منها (2).
وقال عمران بن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أهبط آدم من الجنة بِدَحْنا ، أرض الهند.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد عن ابن عباس قال : أهبط آدم ، عليه السلام ، إلى أرض يقال لها : دَحْنا ، بين مكة والطائف.
وعن الحسن البصري قال : أهبط آدم بالهند ، وحواء بجدة ، وإبليس بدَسْتُمِيسان (3) من البصرة على أميال ، وأهبطت الحية بأصبهان. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار بن الحارث ، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق ، حدثنا عمرو بن أبي قيس ، عن ابن عدي (4) ، عن ابن عمر ، قال : أهبط آدم بالصفا ، وحواء بالمروة
وقال رجاء بن سلمة : أهبط آدم ، عليه السلام ، يداه على ركبتيه مطأطئًا رأسه ، وأهبط إبليس مشبكا بين صابعه رافعا رأسه إلى السماء.
وقال عبد الرزاق : قال مَعْمَر : أخبرني عَوْف عن قَسَامة بن زهير ، عن أبي موسى ، قال : إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض ، عَلَّمه صنعة كل شيء ، وزوده من ثمار الجنة ، فثماركم هذه من ثمار الجنة ، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير (5).
وقال الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
__________
(1) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فأنزل معه بالحجر الأسود ويقبضه".
(2) في جـ ، ط ، ب : "وإنما قبضها آدم حين أخرج من الجنة أسفا على الجنة حين أخرج منها".
(3) في و : "بدسمت ميسان".
(4) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "عمرو بن أبي قيس عن الزبير عن ابن عدي".
(5) تفسير عبد الرزاق (1/66).

(1/237)


فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)

"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها" رواه مسلم والنسائي (1).
وقال فخر الدين : اعلم أن في هذه الآيات تهديدًا عظيما عن كل المعاصي من وجوه : الأول : أن من تصور ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي ، قال الشاعر :
يا ناظرا يرنو بعيني راقد ومشاهدا للأمر غير مشاهد...
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي... درج الجنان ونيل فوز العابد...
أنسيت ربك حين أخرج آدما... منها إلى الدنيا بذنب واحد...
قال فخر الدين عن فتح الموصلي أنه قال : كنا قوما من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا ، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها. فإن قيل : فإذا كانت جنة آدم التي أسكنها في السماء كما يقوله الجمهور من العلماء ، فكيف يمكن إبليس من دخول الجنة ، وقد طرد من هنالك طردًا قدريًّا ، والقدري لا يخالف ولا يمانع ؟ فالجواب : أن هذا بعينه استدل به من يقول : إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء ، وقد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية ، وأجاب الجمهور بأجوبة ، أحدها : أنه منع من دخول الجنة مكرما ، فأما على وجه الردع والإهانة ، فلا يمتنع ؛ ولهذا قال بعضهم : كما جاء في التوراة أنه دخل في فم الحية إلى الجنة ، وقد قال بعضهم : يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة ، وقال بعضهم : يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض ، وهما في السماء ، ذكرها الزمخشري وغيره. وقد أورد القرطبي هاهنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك ، فأجاد وأفاد (2).
{ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) }
قيل : إن هذه (3) الكلمات مفسرة بقوله تعالى : { قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ الأعراف : 23 ] روي هذا عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، والحسن ، وقتادة ، ومحمد بن كعب القُرَظي ، وخالد بن مَعْدان ، وعطاء الخراساني ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقال أبو إسحاق السَّبِيعي ، عن رجل من بني تميم ، قال : أتيت ابن عباس ، فسألته : [قلت] (4) : ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه ؟ قال : عُلم [آدم] (5) شَأنَ الحج.
__________
(1) صحيح مسلم برقم (854) وسنن النسائي (3/89).
(2) تفسير القرطبي (1/313 - 317).
(3) في جـ ، ط : "هؤلاء.
(4) زيادة من طـ ، ب ، و.
(5) زيادة من جـ.

(1/238)


وقال سفيان الثوري ، عن عبد العزيز بن (1) رُفَيع ، أخبرني من سمع عبيد بن عُمَير ، وفي رواية : [قال] (2) : أخبرني مجاهد ، عن عبيد بن عمير ، أنه قال : قال آدم : يا رب ، خطيئتي التي أخطأت شيء كتبتُه علي قبل أن تخلقني ، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي ؟ قال : بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال : فكما كتبته علي فاغفر (3) لي. قال : فذلك قوله تعالى : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ }
وقال السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : فتلقى آدم من ربه كلمات ، قال : قال آدم ، عليه السلام : يا رب ، ألم تخلقني بيدك ؟ قيل (4) له : بلى. ونفخت في من روحك ؟ قيل (5) له : بلى. وعَطستُ فقلتَ : يرحمك الله ، وسبقت رحمتُك غَضبَك ؟ قيل (6) له : بلى ، وكتبت عليّ أن أعمل هذا ؟ قيل (7) له : بلى. قال : أفرأيت إن تبتُ هل أنت راجعي إلى الجنة ؟ قال : نعم.
وهكذا رواه العوفي ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن مَعْبَد ، عن ابن عباس ، بنحوه. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه (8) وهكذا فسره السدي وعطية العَوْفي.
وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا شبيهًا بهذا فقال : حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قال آدم ، عليه السلام : أرأيت يا رب إن تبتُ ورجعتُ ، أعائدي إلى الجنة ؟ قال : نعم. فذلك قوله : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } (9).
وهذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } قال : إن آدم لما أصاب الخطيئة قال : يا رب ، أرأيت إن تبت وأصلحت ؟ قال الله : إذن أرجعك إلى الجنة فهي من الكلمات. ومن الكلمات أيضا : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف : 23].
وقال ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد أنه كان يقول في قول الله تعالى : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } قال : الكلمات : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين ، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فارحمني ، إنك (10) خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم.
__________
(1) في جـ : "عن".
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(3) في جـ ، ب : "فاغفره".
(4) في جـ : "قال".
(5) في جـ : "قال".
(6) في جـ : "قال".
(7) في جـ : "قال".
(8) المستدرك (2/545).
(9) تفسير ابن أبي حاتم (1/135).
(10) في جـ : "فاغفر لي أنت".

(1/239)


@ 1 - 240
وقوله تعالى : { إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } أي : إنه يتوب على من تاب إليه وأناب ، كقوله : { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } [ التوبة : 104] وقوله : { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } [النساء : 11] ، وقوله : { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا } [ الفرقان : 71 ] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب ويتوب على من يتوب وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده ، لا إله إلا هو التواب الرحيم.
وذكرنا في المسند الكبير من طريق سليمان بن سليم عن ابن بريدة وهو سليمان عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين ، ثم قال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي ، وتعلم ما عندي فاغفر ذنوبي ، أسألك إيمانا يباشر قلبي ، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي. قال فأوحى الله إليه إنك قد دعوتني بدعاء أستجيب لك فيه ولمن يدعوني به ، وفرجت همومه وغمومه ، ونزعت فقره من بين عينيه ، وأجرت له من وراء كل تاجر زينة الدنيا وهي كلمات عهد وإن لم يزدها" رواه الطبراني في معجمه الكبير (1).
__________
(1) جامع المسانيد والسنن برقم (742) ولم أقع عليه في المطبوع من المعجم الكبير.

(1/240)


قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)

{ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) }
يقول تعالى مخبرا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حتى (1) أهبطهم من الجنة ، والمراد الذرية : أنه سينزل الكتب ، ويبعث الأنبياء والرسل ؛ كما قال أبو العالية : الهُدَى الأنبياء والرسل والبيان ، وقال مقاتل بن حَيَّان : الهدى محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن : الهدى القرآن. وهذان القولان صحيحان ، وقول أبي العالية أعَمّ.
{ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ } أي : من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل { فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } أي : فيما يستقبلونه من أمر الآخرة { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما فاتهم من أمور الدنيا ، كما قال في سورة طه : { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى } [طه : 123 ] قال ابن عباس : فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [طه : 124 ] كما قال هاهنا : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } أي : مخلدون فيها ، لا محيد لهم عنها ، ولا محيص.
وقد أورد ابن جرير ، رحمه الله ، هاهنا حديثا ساقه من طريقين ، عن أبي مَسْلَمة سعيد بن يزيد ،
__________
(1) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "حين".

(1/240)


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)

عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطْعَة (1) عن أبي سعيد - واسمه سعد بن مالك بن سِنَان الخُدْري - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، لكن أقواماً أصابتهم النار بخطاياهم ، أو بذنوبهم فأماتتهم إماتة ، حتى إذا صاروا فحماً أذنَ في الشفاعة". وقد رواه مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة به (2).
[وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول ، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير ، كما تقول : قم قم ، وقال آخرون : بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض ، والصحيح الأول ، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه] (3).
{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنزلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) }
يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام ، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام ، ومُهَيجًا لهم بذكر أبيهم إسرائيل ، وهو نبي الله يعقوب ، عليه السلام ، وتقديره : يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق ، كما تقول : يا ابن الكريم ، افعل كذا. يا ابن الشجاع ، بارز الأبطال ، يا ابن العالم ، اطلب العلم ونحو ذلك.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى : { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } [الإسراء : 3] فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام ، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي : حدثنا عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حَوشب ، قال : حدثني عبد الله بن عباس قال : حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : "هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب ؟". قالوا : اللهم نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم اشهد (4) " (5) وقال الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن عمير مولى ابن عباس ، عن عبد الله بن عباس ؛ أن إسرائيل كقولك : عبد الله.
وقوله تعالى : { اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } قال مجاهد : نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سِوَى ذلك ، فَجَّر لهم الحجر ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وأنجاهم من عبودية آل فرعون.
__________
(1) في جـ : "قصعة".
(2) تفسير الطبري (1/552) وصحيح مسلم برقم (185).
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(4) في جـ : "اللهم فاشهد".
(5) رواه أحمد في المسند (1/273) عن حسين ، عن عبد الحميد بن بهرام به.

(1/241)


وقال أبو العالية : نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل ، وأنزل عليهم الكتب.
قلت : وهذا كقول موسى عليه السلام لهم : { يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } [المائدة : 20] يعني في زمانهم.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : { اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي : بلائي عندكم وعند آبائكم لِمَا كان نجاهم به من فرعون وقومه { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قال : بعهدي الذي أخذت في (1) أَعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم. { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } أي : أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه ، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم.
[وقال الحسن البصري : هو قوله : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } الآية [المائدة : 12]. وقال آخرون : هو الذي أخذه الله عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًا عظيما يطيعه جميع الشعوب والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم فمن اتبعه غُفر له ذنبه وأدخل الجنة وجعل له أجران. وقد أورد فخر الدين الرازي هاهنا بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم السلام بمحمد صلى الله عليه وسلم] (2).
وقال أبو العالية : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي } قال : عهده إلى عباده : دينه الإسلام أن يتبعوه.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قال : أرْض عنكم وأدخلكم الجنة.
وكذا قال السدي ، والضحاك ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس.
وقوله : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } أي : فاخشون ؛ قاله أبو العالية ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وقتادة.
وقال ابن عباس في قوله تعالى : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } أي أنزل بكم ما أنزل (3) بمن كان قبلكم من آبائكم من النَّقِمَات التي قد عرفتم من المسخ وغيره.
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب ، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة ، لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول والاتعاظ بالقرآن وزواجره ، وامتثال أوامره ، وتصديق أخباره ، والله الهادي لمن يشاء إلى صراطه المستقيم ؛ ولهذا (4) قال : { وَآمِنُوا بِمَا أَنزلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } [ { مُصَدِّقًا } ماضيًا منصوبًا على الحال من { بِمَا } أي : بالذي أنزلت مصدقًا أو من الضمير المحذوف من قولهم : بما أنزلته مصدقًا ، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل وهو قوله : { بِمَا أَنزلْتُ مُصَدِقًا } ] (5) يعني به : القرآن الذي أنزله على محمد النبي الأمي العربي بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا مشتملا على الحق من الله
__________
(1) في جـ ، ط ، ب : "من".
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(3) في جـ ، ط ، ب : "ما أنزلت".
(4) في جـ : "فلهذا".
(5) زيادة من جـ ، ب ، و.

(1/242)


تعالى ، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.
قال أبو العالية ، رحمه الله ، في قوله : { وَآمِنُوا بِمَا أَنزلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } يقول : يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم يقول : لأنهم يجدون محمدًا صلى الله عليه وسلم مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك.
وقوله : { وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } [قال بعض المفسرين : أول فريق كافر به ونحو ذلك] (1). قال ابن عباس : { وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.
وقال أبو العالية : يقول : { وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ [كَافِرٍ بِهِ } أول] (2) من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم [يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعهم بمحمد وبمبعثه] (3).
وكذا قال الحسن ، والسدي ، والربيع بن أنس.
واختار ابن جرير أن الضمير في قوله : { بِهِ } عائد على القرآن ، الذي تقدم ذكره في قوله : { بِمَا أَنزلْتُ }
وكلا القولين صحيح ؛ لأنهما متلازمان ، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن.
وأما قوله : { أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل ؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بَشر كثير ، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة ، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن ، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.
وقوله : { وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا } يقول : لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها ، فإنها قليلة فانية ، كما قال عبد الله بن المبارك : أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن هارون بن زيد (4) قال : سُئِل الحسن ، يعني البصري ، عن قوله تعالى : { ثَمَنًا قَلِيلا } قال : الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.
وقال ابن لَهِيعة : حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : { وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا } وإن آياته : كتابه الذي أنزله (5) إليهم ، وإن الثمن القليل : الدنيا وشهواتها.
وقال السدي : { وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا } يقول : لا تأخذوا طمعًا قليلا ولا تكتموا (6) اسم
__________
(1) زيادة من جـ ، ب ، و.
(2) زيادة من جـ.
(3) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(4) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "بن يزيد".
(5) في جـ : "آياته التي أنزل".
(6) في جـ ، ب : "وتكتموا".

(1/243)


الله لذلك الطمع وهو الثمن.
وقال أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : { وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا } يقول : لا تأخذوا عليه أجرًا. قال : وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول : يا ابن آدم عَلِّم مَجَّانا كما عُلِّمت مَجَّانا.
وقيل : معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب ، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة" (1) وأما تعليم العلم بأجرة ، فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة ، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله ، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب ، فهو كما لم يتعين عليه ، وإذا لم يتعين عليه ، فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء ، كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد في قصة اللديغ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (2) وقوله في قصة المخطوبة : "زوجتكها بما معك من القرآن" (3) فأما حديث عبادة بن الصامت ، أنه علم رجلا من أهل الصفة شيئًا من القرآن فأهدى له قوسًا ، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "إن أحببت أن تطوق بقوس من نار فاقبله" فتركه ، رواه أبو داود (4) وروي مثله عن أبي بن كعب مرفوعًا (5) فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء منهم : أبو عمر بن عبد البر على أنه لما علمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس ، فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة ، والله أعلم.
{ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عمر الدوري ، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب ، عن عاصم الأحول ، عن أبي العالية ، عن طلق بن حبيب ، قال : التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله ، والتقوى أن تترك معصية الله مخافة عذاب الله على نور من الله.
ومعنى قوله : { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه (6) ومخالفتهم الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه.
__________
(1) سنن أبي داود برقم (3664).
(2) صحيح البخاري برقم (5007) وهذا اللفظ هو لفظ حديث ابن عباس.
(3) رواه البخاري في صحيحه برقم (5149) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
(4) سنن أبي داود برقم (3416).
(5) رواه البيهقي في السنن الكبرى (6/125) من طريق عبد الرحمن بن أبي مسلم ، عن عطية بن قيس ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه به مرفوعا ، وهو منقطع.
(6) في أ : "وإظهاره الباطل".

(1/244)


وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

{ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) }
يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه ، من تلبيس (1) الحق بالباطل ، وتمويهه به (2) وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل : { وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (3) فنهاهم عن الشيئين معًا ، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به ؛ ولهذا قال الضحاك ، عن ابن عباس { وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب.
وقال أبو العالية : { وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } يقول : ولا تخلطوا الحق بالباطل ، وأدوا النصيحة لعباد الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ويروى (4) عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس ، نحوه.
وقال قتادة : { وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } [قال] (5) ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام ؛ إن دين الله الإسلام ، واليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله.
وروي عن الحسن البصري نحو ذلك.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي : لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به ، وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. وروي عن أبي العالية نحو ذلك.
وقال مجاهد ، والسدي ، وقتادة ، والربيع بن أنس : { وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ } يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم.
[قلت : { وَتَكْتُمُوا } يحتمل أن يكون مجزومًا ، ويجوز أن يكون منصوبًا ، أي : لا تجمعوا بين هذا وهذا كما يقال : لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قال الزمخشري : وفي مصحف ابن مسعود : "وتكتمون الحق" أي : في حال كتمانكم الحق وأنتم تعلمون حال أيضًا ، ومعناه : وأنتم تعلمون الحق ، ويجوز أن يكون المعنى : وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إلى أن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لتروّجوه عليهم ، والبيان الإيضاح وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل] (6).
{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } قال مقاتل : قوله تعالى لأهل الكتاب : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } أمرهم أن يصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم { وَآتُوا الزَّكَاةَ } أمرهم أن يؤتوا الزكاة ، أي : يدفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) في جـ ، ط ، ب : "تلبيسهم".
(2) في جـ ، ب : "تمويههم".
(3) في جـ : "وتكتمون" وهو خطأ.
(4) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وروي".
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(6) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.

(1/245)


أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)

يقول : كونوا منهم ومعهم.
وقال علي بن طلحة ، عن ابن عباس : [ { وَآتُوا الزَّكَاةَ } ] (1) يعني بالزكاة : طاعة الله والإخلاص.
وقال وَكِيع ، عن أبي جَنَاب ، عن عِكْرِمة عن ابن عباس ، في قوله : { وَآتُوا الزَّكَاةَ } قال : ما يوجب الزكاة ؟ قال : مائتان فصاعدا.
وقال مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، في قوله تعالى : { وَآتُوا الزَّكَاةَ } قال : فريضة واجبة ، لا تنفع الأعمال إلا بها وبالصلاة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير عن أبي حيان [العجمي] (2) التيمي ، عن الحارث العُكلي في قوله : { وَآتُوا الزَّكَاةَ } قال : صدقة الفطر.
وقوله تعالى : { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } أي : وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم ، ومن أخص ذلك وأكمله (3) الصلاة.
[وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة ، وبسط ذلك في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله ، وقد تكلم القرطبي على مسائل الجماعة والإمامة فأجاد] (4).
{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) }
يقول تعالى : كيف يليق بكم - يا معشر أهل الكتاب ، وأنتم تأمرون الناس بالبر ، وهو جماع الخير - أن تنسوا أنفسكم ، فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به ، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب ، وتعلمون ما فيه على من قَصر في أوامر الله ؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم ؛ فتنتبهوا من رَقدتكم ، وتتبصروا من عمايتكم. وهذا كما قال عبد الرزاق عن مَعْمَر ، عن قتادة في قوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } قال : كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه ، وبالبر ، ويخالفون ، فَعَيّرهم الله ، عز وجل. وكذلك قال السدي.
وقال ابن جريج : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ } أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة ، وَيَدَعُونَ العملَ بما يأمرون به الناس ، فعيرهم الله بذلك ، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة.
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } أي : تتركون أنفسكم { وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي : تنهون الناس عن الكفر بما
__________
(1) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(2) زيادة من جـ.
(3) في أ ، و : "وأجمله".
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.

(1/246)


عندكم من النبوة والعَهْد من التوراة ، وتتركون أنفسكم ، أي : وأنتم (1) تكفرون بما فيها من عَهْدي إليكم في تصديق رسولي ، وتنقضون ميثاقي ، وتجحدون ما تعلمون (2) من كتابي.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس في هذه الآية ، يقول : أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم (3) به من إقام الصلاة ، وتنسون أنفسكم.
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني علي بن الحسن ، حدثنا مُسلم الجَرْمي ، حدثنا مَخْلَد بن الحسين ، عن أيوب السختياني ، عن أبي قِلابة في قول الله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ } قال : قال أبو الدرداء : لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقُت الناس في ذات الله ، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية : هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق ، فقال الله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ }
والغرض أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع ونبههم على خطئهم (4) في حق أنفسهم ، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه ، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له ، بل على تركهم له ، فإن الأمر بالمعروف [معروف] (5) وهو واجب على العالم ، ولكن [الواجب و] (6) الأولى بالعالم أن يفعله مع أمرهم به ، ولا يتخلف عنهم ، كما قال شعيب ، عليه السلام : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [هود : 88]. فَكُلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب ، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها ، وهذا ضعيف ، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية ؛ فإنه لا حجة لهم فيها. والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف ، وإن لم يفعله ، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه ، [قال مالك عن ربيعة : سمعت سعيد بن جبير يقول له : لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. وقال مالك : وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء ؟ قلت] (7) ولكنه - والحالة هذه - مذموم على ترك (8) الطاعة وفعله المعصية ، لعلمه بها ومخالفته على بصيرة ، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم ؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك ، كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير : حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي والحسن بن علي المعمري ، قالا حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا علي
__________
(1) في جـ : "أي أنتم".
(2) في جـ : "بما تعملون".
(3) في جـ : "مما أمرتكم".
(4) في جـ : "خطاياهم".
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(6) زيادة من جـ ، ط ، أ.
(7) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(8) في جـ ، ب : "على تركه".

(1/247)


بن سليمان الكلبي ، حدثنا الأعمش ، عن أبي تَميمة الهُجَيمي ، عن جندب بن (1) عبد الله ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه" (2).
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
حديث آخر : قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا وَكِيع ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد هو ابن جدعان ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مررت ليلة أسري بي على قوم شفاههم تُقْرَض بمقاريض (3) من نار. قال : قلت : من هؤلاء ؟" قالوا : خطباء من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون ؟ (4).
ورواه عبد بن حميد في مسنده ، وتفسيره ، عن الحسن بن موسى ، عن حماد بن سلمة به.
ورواه ابن مردويه في تفسيره ، من حديث يونس بن محمد المؤدب ، والحجاج بن مِنْهَال ، كلاهما عن حماد بن سلمة ، به.
وكذا رواه يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة به.
ثم قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، حدثنا موسى بن هارون ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ ، حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا عمر بن قيس ، عن علي بن زيد (5) عن ثمامة ، عن أنس ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار. قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟" قال : هؤلاء خطباء أمتك ، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه - أيضًا - من حديث هشام الدَّستَوائيّ ، عن المغيرة - يعني ابن حبيب - ختن مالك بن دينار ، عن مالك بن دينار ، عن ثمامة ، عن أنس بن مالك ، قال : لما عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بقوم تُقْرض شفاههم (6) ، فقال : "يا جبريل ، من هؤلاء ؟" قال : هؤلاء الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ؛ أفلا يعقلون ؟ (7).
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى بن عبيد ، حدثنا الأعمش ، عن أبي وائل ، قال : قيل لأسامة - وأنا رديفه - : ألا تكلم عثمان ؟ فقال : إنكم تُرَون أني لا أكلمه إلا أسمعكم. إني لا أكلمه فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا - لا أحب أن أكون أول من افتتحه ، والله لا أقول لرجل
__________
(1) في جـ : "عن".
(2) المعجم الكبير (2/165) وقال الهيثمي في المجمع (1/185) : "رجاله موثقون".
(3) في جـ ، ب : "تقرض شفاههم بمقاريض".
(4) المسند (3/120).
(5) في أ : "بن يزيد".
(6) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "تقرض من شفاههم".
(7) صحيح ابن حبان برقم (35) "موارد" وتفسير ابن أبي حاتم (1/151).

(1/248)


إنك خير الناس. وإن كان عليّ أميرًا - بعد أن (1) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، قالوا : وما سمعته يقول ؟ قال : سمعته يقول : "يُجَاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق به أقتابه (2) ، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه ، فيطيف به أهلُ النار ، فيقولون : يا فلان ما أصابك ؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (3).
ورواه البخاري ومسلم ، من حديث سليمان بن مِهْرَان الأعمش ، به نحوه (4).
[وقال أحمد : حدثنا سيار بن حاتم ، حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء" (5). وقد ورد في بعض الآثار : أنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرة واحدة ، ليس من يعلم كمن لا يعلم. وقال تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ } [الزمر : 9]. وروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن أناسًا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون : بم دخلتم النار ؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم ، فيقولون : إنا كنا نقول ولا نفعل" (6) رواه من حديث الطبراني عن أحمد بن يحيى بن حيان (7) الرقي عن زهير بن عباد الرواسي عن أبي بكر الداهري (8) عن عبد الله بن حكيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن الوليد بن عقبة فذكره] (9).
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : إنه جاءه رجل ، فقال : يا ابن عباس ، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، قال : أو بلغت ذلك ؟ قال : أرجو. قال : إن لم تخش أن تفْتَضَح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال : وما هن ؟ قال : قوله عز وجل (10) { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } أحكمت هذه ؟ قال : لا. قال : فالحرف الثاني. قال : قوله تعالى : { لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ } [الصف : 2 ، 3] أحكمت هذه ؟ قال : لا. قال : فالحرفَ الثالث. قال : قول العبد الصالح شعيب ، عليه السلام : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } [هود : 88] أحكمت هذه الآية ؟ قال : لا. قال : فابدأ بنفسك.
رواه ابن مردويه في تفسيره.
وقال الطبراني (11) حدثنا عبدان بن أحمد ، حدثنا زيد بن الحريش ، حدثنا عبد الله بن خِرَاش ، عن العوام بن حوشب ، عن [سعيد بن] (12) المسيب بن رافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله
__________
(1) في جـ ، ب : "إذ".
(2) في جـ : "شفتاه".
(3) المسند (5/205).
(4) صحيح البخاري برقم (3267) وصحيح مسلم برقم (2989).
(5) ورواه أبو نعيم في الحلية (2/7) من طريق الإمام أحمد وقال : "هذا حديث غريب تفرد به سيار عن جعفر ، ولم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل". وقال عبد الله بن أحمد : "هذا حديث منكر حدثني به أبي ، وما حدثني به إلا مرة".
(6) انظر : مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (26/336).
(7) في جـ : "حماد" ، والصواب ما أثبتناه.
(8) في جـ : "الزاهري" ، والصواب ما أثبتناه.
(9) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(10) في جـ : "قوله تعالى".
(11) في أ : "القرطبي".
(12) زيادة من ط ، أ ، و.

(1/249)


صلى الله عليه وسلم : "من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال ، أو دعا إليه" (1).
إسناده فيه ضعف ، وقال إبراهيم النخعي : إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } وقوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ } [الصف : 2 ، 3] وقوله إخبارا عن شعيب : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [هود : 88].
وما أحسن ما قال مسلم بن عمرو :
ما أقبح التزهيد من واعظ... يزهد الناس ولا يزهد...
لو كان في تزهيده صادقا... أضحى وأمسى بيته المسجد...
إن رفض الناس فما باله... يستفتح الناس ويسترقد...
الرزق مقسوم على من ترى... يسقى له الأبيض والأسود...
وقال بعضهم : جلس أبو عثمان الحيري الزاهد يوما على مجلس التذكير فأطال السكوت ، ثم أنشأ يقول :
وغير تقي يأمر الناس بالتقى... طبيب يداوي والطبيب مريض...
قال : فضج الناس بالبكاء. وقال أبو العتاهية الشاعر :
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى... وريح الخطايا من شأنك تقطع...
وقال أبو الأسود الدؤلي :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم...
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم...
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى... بالقول منك وينفع التعليم...
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصري العابد الواعظ قال : دعوت الله أن يريني رفيقي في الجنة ، فقيل لي في المنام : هي امرأة في الكوفة يقال لها : ميمونة السوداء ، فقصدت الكوفة لأراها. فقيل لي : هي ترعى غنما بواد هناك ، فجئت إليها فإذا هي قائمة تصلي والغنم ترعى
__________
(1) ورواه أبو نعيم في الحلية (2/7) من طريق الطبراني ، وقال الهيثمي في المجمع (7/276) : "فيه عبد الله بن خراش وثقه ابن حبان وقال : يخطئ ، وضعفه الجمهور ، وبقية رجاله ثقات".

(1/250)


وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)

حولها وبينهن الذئاب لا ينفرن منه ، ولا يسطو الذئاب عليهن. فلما سلمت قالت : يا ابن زيد ، ليس الموعد هنا إنما الموعد ثَمّ ، فسألتها عن شأن الذئاب والغنم. فقالت : إني أصلحت ما بيني وبين سيدي فأصلح ما بين الذئاب والغنم. فقلت لها : عظيني. فقالت : يا عجبا من واعظ يوعظ ، ثم قالت : يا ابن زيد ، إنك لو وضعت موازين القسط على جوارحك لخبرتك بمكتوم مكنون ما فيها ، يا ابن زيد ، إنه بلغني ما من عبد أعطى من الدنيا شيئا فابتغى إليه تائبا إلا سلبه الله حب الخلوة وبدله بَعْدَ القرب البعد وبعد الأنس الوحشة ثم أنشأت تقول :
يا واعظًا قام لا حساب... يزجر قوما عن الذنوب...
تنه عنه وأنت السقيم حقا... هذا من المنكر العجيب...
تنه عن الغي والتمادي... وأنت في النهي كالمريب...
لو كنت أصلحت قبل هذا... غيك أو تبت من قريب...
كان لما قلت يا حبيبي... موضع صدق من القلوب (1)
{ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) }
يقول تعالى (2) آمرًا عبيده ، فيما يؤمّلون من خير الدنيا والآخرة ، بالاستعانة بالصبر والصلاة ، كما قال مقاتل بن حَيَّان في تفسير هذه الآية : استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض ، والصلاة.
فأما الصبر فقيل : إنه الصيام ، نص عليه مجاهد.
[قال القرطبي وغيره : ولهذا سمي رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث] (3).
وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن جُرَيّ بن كُليب ، عن رجل من بني سليم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الصوم نصف الصبر".
وقيل : المراد بالصبر الكف عن المعاصي ؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها : فعل الصلاة.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن حمزة بن إسماعيل ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي سِنان ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال : الصبر صبران : صبر عند المصيبة حسن ، وأحسن منه الصبر عن محارم الله.
__________
(1) انظر : مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (15/253).
(2) في جـ : "تعالى مخبرا".
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.

(1/251)


[قال] (1) وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر.
وقال ابن المبارك عن ابن لَهِيعة عن مالك بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قال : الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب فيه ، واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه ، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد ، لا يرى (2) منه إلا الصبر.
وقال أبو العالية في قوله : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ } على مرضاة الله ، واعلموا أنها من طاعة الله.
وأما قوله : { وَالصَّلاةِ } فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر ، كما قال تعالى : { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } الآية [العنكبوت : 45].
وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبد الله الدؤلي ، قال : قال عبد العزيز أخو حذيفة ، قال حذيفة ، يعني ابن اليمان : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى. ورواه أبو داود [عن محمد بن عيسى عن يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار كما سيأتي (3) ] (4).
وقد رواه ابن جرير ، من حديث ابن جُرَيج ، عن عِكْرِمة بن عمار ، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة ، عن عبد العزيز بن اليمان ، عن حذيفة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (5).
[ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة ؛ ويقال : أخي حذيفة مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة : حدثنا سهل بن عثمان أبو مسعود (6) العسكري ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال : قال عكرمة بن عمار : قال محمد بن عبد الله الدؤلي : قال عبد العزيز : قال حذيفة : رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي ، وكان إذا حزبه أمر صلى (7). وحدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع حارثة بن مضرب سمع عليا يقول : لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو حتى أصبح (8) ] (9).
__________
(1) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(2) في جـ : "فلا يرى".
(3) المسند (5/388) وسنن أبي داود برقم (1319).
(4) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(5) المسند (5/26).
(6) في ط : "ابن مسعود" ، والصواب ما أثبتناه.
(7) تعظيم قدر الصلاة برقم (212).
(8) تعظيم قدر الصلاة برقم (213).
(9) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.

(1/252)


قال ابن جرير : وروي عنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنه مر بأبي هريرة ، وهو منبطح على بطنه ، فقال له : "اشكنب درد" [قال : نعم] (1) قال : "قم فصل فإن الصلاة شفاء" (2) [ومعناه : أيوجعك بطنك ؟ قال : نعم] (3). قال ابن جرير : وقد حدثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم ، قالا حدثنا ابن عُلَيَّة ، حدثنا عُيَينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه : أن ابن عباس نُعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر ، فاسترجع ، ثم تنحَّى عن الطريق ، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ } (4).
وقال سُنَيد ، عن حجاج ، عن ابن جرير : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ } قال : إنهما مَعُونتان على رحمة الله.
والضمير في قوله : { وَإِنَّهَا } عائد إلى الصلاة ، نص عليه مجاهد ، واختاره ابن جرير.
ويحتمل أن يكون عائدا على ما يدل عليه الكلام ، وهو الوصية بذلك ، كقوله تعالى في قصة قارون : { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ } [القصص : 80] وقال تعالى : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [فصلت : 34 ، 35]أي : وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا { وَمَا يُلَقَّاهَا } أي : يؤتاها ويلهمها { إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }
وعلى كل تقدير ، فقوله تعالى : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } أي : مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين. قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني المصدّقين بما أنزل الله. وقال مجاهد : المؤمنين حقا. وقال أبو العالية : إلا على الخاشعين الخائفين ، وقال مقاتل بن حيان : إلا على الخاشعين يعني به المتواضعين. وقال الضحاك : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } قال : إنها لثقيلة إلا على الخاضعين (5) لطاعته ، الخائفين سَطَواته ، المصدقين بوعده ووعيده.
وهذا يشبه ما جاء في الحديث : "لقد سألت عن عظيم ، وإنه ليسير على من يسره الله عليه" (6).
وقال ابن جرير : معنى الآية : واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب ، بحبس أنفسكم على طاعة الله وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر ، المقربة من رضا الله ، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله المستكينين لطاعته المتذللين من مخافته.
__________
(1) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(2) تفسير الطبري (2/13) وانظر ما كتبه المحقق الفاضل عن معنى : "اشكنب درد".
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب.
(4) تفسير الطبري (2/14).
(5) في جـ : "الخاشعين".
(6) رواه أحمد في المسند (5/231) من حديث معاذ رضي الله عنه.

(1/253)


هكذا قال ، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل ، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص ، وإنما هي عامة لهم ، ولغيرهم. والله أعلم.
وقوله تعالى : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } هذا من تمام الكلام الذي قبله ، أي : وإن الصلاة أو الوَصَاة (1) لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ، أي : [يعلمون أنهم] (2) محشورون إليه يوم القيامة ، معروضون عليه ، وأنهم إليه راجعون ، أي : أمورهم راجعة إلى مشيئته ، يحكم فيها ما يشاء بعدله ، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فعلُ الطاعات وترك المنكرات.
فأما قوله : { يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ } قال (3) ابن جرير ، رحمه الله : العرب قد تسمي اليقين ظنا ، والشك ظنًا ، نظير تسميتهم الظلمة سُدْفة ، والضياء سُدفة ، والمغيث صارخا ، والمستغيث صارخًا ، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضدّه ، كما قال دُرَيد بن الصِّمَّة :
فقلت لهم ظُنُّوا بألفي مُدَجَّجٍ... سَرَاتُهُم في الفَارسِيِّ المُسَرَّدِ (4)
يعني بذلك تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم ، وقال عَمِيرة بن طارق :
بِأنْ يَعْتَزُوا (5) قومي وأقعُدَ فيكم... وأجعلَ مني الظنَّ غيبا مرجمّا (6)
يعني : وأجعل مني اليقين غيبا مرجما ، قال : والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين ، أكثر من أن تحصر ، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية ، ومنه قول الله تعالى : { وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا } [الكهف : 53].
ثم قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن يقين ، أي : ظننت وظَنوا.
وحدثني المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا أبو داود الحَفَرِيّ ، عن سفيان عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن فهو علم. وهذا سند صحيح.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ } قال : الظن هاهنا يقين.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وقتادة نحو قول أبي العالية.
__________
(1) في أ : "الوصية".
(2) زيادة من جـ ، ب ، أ.
(3) في طـ ، ب : "فقال".
(4) البيت في تفسير الطبري (2/18).
(5) في جـ : "نصروا" ، وفي ب ، أ : "تعيروا".
(6) البيت في تفسير الطبري (2/18).

(1/254)


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)

وقال سُنَيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ } علموا أنهم ملاقو ربهم ، كقوله : { إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ } [الحاقة : 20] يقول : علمت.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
قلت : وفي الصحيح : "أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : ألم أزوجك ، ألم أكرمك ، ألم أسخر لك الخيل والإبل ، وأذرك ترأس وتربع ؟ فيقول : بلى. فيقول الله تعالى : أفظننت أنك ملاقي ؟ فيقول : لا. فيقول الله : اليوم أنساك كما نسيتني". وسيأتي مبسوطا عند قوله : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة : 67] إن شاء الله ، والله تعالى أعلم.
{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) }
يذكرهم تعالى سَالفَ نعمه على آبائهم وأسلافهم ، وما كان فَضَّلهم به من إرسال الرسل منهم وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم ، كما قال تعالى : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [الدخان : 32] ، وقال تعالى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } [المائدة : 20].
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قال : بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان ؛ فإن لكل زمان عالما.
ورُوي عن مجاهد ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، وإسماعيل بن أبي خالد نحوُ ذلك ، ويجب الحمل على هذا ؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم ؛ لقوله تعالى خطابا لهذه الأمة : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } [آل عمران : 110] وفي المسانيد والسنن (1) عن معاوية بن حَيْدَة القُشَيري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أنتم تُوفُونَ سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله". والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }
[وقيل : المراد تفضيل بنوع ما من الفضل على سائر الناس ، ولا يلزم تفضيلهم مطلقًا ، حكاه فخر الدين الرازي وفيه نظر. وقيل : إنهم فضلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم ، حكاه القرطبي في تفسيره ، وفيه نظر ؛ لأن { الْعَالَمِينَ } عام يشتمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء ، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم ، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين] (2).
__________
(1) في جـ ، أ ، و : "وفي السنن والمسانيد".
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.

(1/255)


وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)

{ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) }
لما ذكرهم [الله] (1) تعالى بنعمه أولا عطف على ذلك التحذير من حُلُول نقمه بهم يوم القيامة فقال : { وَاتَّقُوا يَوْمًا } يعني : يوم القيامة { لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا } أي : لا يغني أحد عن أحد كما قال : { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [الأنعام : 164] ، وقال : { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [عبس : 37 ] ، وقال { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا } [لقمان : 33] ، فهذه (2) أبلغ المقامات : أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا ، وقوله تعالى : { وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } يعني عن الكافرين ، كما قال : { فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } [المدثر : 48] ، وكما قال عن أهل النار : { فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } [الشعراء : 110 ، 111] ، وقوله : { وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي : لا يقبل منها فداء ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ } [آل عمران : 91 ] وقال : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [المائدة : 36 ] وقال تعالى : { وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا } [الأنعام : 70 ] ، وقال : { فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } الآية [الحديد : 15] ، فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به ، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه ، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه ، ولا يقبل منهم فداء ، ولو بملء الأرض ذهبا ، كما قال تعالى : { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ } [البقرة : 254] ، وقال { لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ } [إبراهيم : 31 ].
[وقال سنيد : حدثني حجاج ، حدثني ابن جريج ، قال : قال مجاهد : قال ابن عباس : { وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } قال : بدل ، والبدل : الفدية ، وقال السدي : أما عدل فيعدلها من العذاب يقول : لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ] (3). وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : { وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } يعني : فداء.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي مالك ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحو ذلك.
وقال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه عن علي ، رضي الله عنه ، في حديث طويل ، قال : والصرف والعدل : التطوع والفريضة.
وكذا قال الوليد بن مسلم ، عن عثمان بن أبي العاتكة (4) ، عن عمير بن هانئ.
__________
(1) زيادة من و.
(2) في جـ ، ط ، ب : "فهذا".
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(4) في جـ ، أ : "العالية".

(1/256)


وهذا القول غريب هنا ، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية ، وقد ورد حديث يقويه ، وهو ما قال ابن جرير : حدثني نَجِيح بن إبراهيم ، حدثنا علي بن حكيم ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عَمْرو بن قيس الملائي (1) ، عن رجل من بني أمية - من أهل الشام أحسن عليه الثناء - قال : قيل : يا رسول الله ، ما العدل ؟ قال : "العدل الفدية" (2).
وقوله تعالى : { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } أي : ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله ، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه ولا يقبل منهم فداء. هذا كله من جانب التلطف ، ولا لهم ناصر من أنفسهم ، ولا من غيرهم ، كما قال : { فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ } [الطارق : 10 ] أي : إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فِدْيَة ولا شفاعة ، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ ، ولا يجيره منه أحد ، كما قال تعالى : { وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ } [المؤمنون : 88 ]. وقال { فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } [الفجر : 25 26 ] ، وقال { مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } [الصافات : 25 ، 26 ] ، وقال { فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ } الآية [الأحقاف : 28].
وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله : { مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ } ما لكم اليوم لا تمانعون منا ؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم.
قال (3) ابن جرير : وتأويل قوله : { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } يعني : أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر ، كما لا يشفع لهم شافع ، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية ، بَطَلت هنالك (4) المحاباة واضمحلت الرَّشى والشفاعات ، وارتفع من القوم التعاون والتناصر ، وصار الحكم إلى عدل (5) الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء ، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة (6) أضعافها وذلك نظير قوله تعالى : { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ* مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ* بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } [ الصافات : 24 - 26 ]
__________
(1) في جـ : "الملا".
(2) تفسير الطبري (2/34).
(3) في جـ : "وقال".
(4) في جـ : "هنا".
(5) في جـ ، ط ، ب : "العدل".
(6) في جـ : "فيجزي بالسيئة مثلها والحسنة".

(1/257)


وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)

{ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) }
يقول تعالى (1) واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم "إِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ" أي :
__________
(1) في جـ : "يقول الله تبارك وتعالى".

(1/257)


خلصتكم منهم وأنقذتكم من أيديهم صحبة (1) موسى ، عليه السلام ، وقد كانوا يسومونكم ، أي : يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب. وذلك أن فرعون - لعنه الله - كان قد رأى رؤيا هالته ، رأى نارا خرجت من بيت المقدس فدخلت دور القبط ببلاد مصر ، إلا بيوت بني إسرائيل ، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل ، ويقال : بل تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم ، يكون لهم به دولة ورفعة ، وهكذا جاء في حديث الفُتُون ، كما سيأتي في موضعه [في سورة طه] (2) إن شاء الله ، فعند ذلك أمر فرعون - لعنه الله - بقتل كل [ذي] (3) ذَكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل ، وأن تترك البنات ، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها.
وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء ، وفي سورة إبراهيم عطف عليه ، كما قال : { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ويُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } [إبراهيم ] وسيأتي تفسير (4) ذلك في أول سورة القصص ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة والمعونة والتأييد.
ومعنى { يَسُومُونَكُمْ } أي : يولونكم ، قاله أبو عبيدة ، كما يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها ، قال عمرو بن كلثوم :
إذا ما الملك سام الناس خسفا... أبينا أن نقر الخسف فينا...
وقيل : معناه : يديمون عذابكم ، كما يقال : سائمة الغنم من إدامتها الرعي ، نقله القرطبي ، وإنما قال هاهنا : { يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } ليكون ذلك تفسيرا للنعمة عليهم في قوله : { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } ثم فسره بهذا لقوله هاهنا { اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } وأما في سورة إبراهيم فلما قال : { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ } [إبراهيم : 5] ، أي : بأياديه ونعمه عليهم فناسب أن يقول هناك : { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ويُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي.
وفرعون علم على كل مَنْ مَلَكَ مصر ، كافرًا من العماليق (5) وغيرهم ، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا ، وكسرى لكل من ملك الفرس ، وتُبَّع لمن ملك اليمن كافرا [والنجاشي لمن ملك الحبشة ، وبطليموس لمن ملك الهند] (6) ويقال : كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى ، عليه السلام ، الوليد بن مصعب بن الريان ، وقيل : مصعب بن الريان ، أيا ما كان فعليه لعنة الله ، [وكان من سلالة عمليق بن داود بن إرم بن سام بن نوح ، وكنيته أبو مرة ، وأصله فارسي من استخر] (7).
__________
(1) في جـ : "بصحبة".
(2) زيادة من جـ ، ط.
(3) زيادة من جـ.
(4) في جـ ، ط : "تفصيل".
(5) في جـ : "العمالقة".
(6) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(7) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.

(1/258)


وقوله تعالى : { وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } قال ابن جرير : وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم. أي : نعمة عظيمة عليكم في ذلك (1).
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس [في] (2) قوله : { بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } قال : نعمة. وقال مجاهد : { بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } قال : نعمة من ربكم عظيمة. وكذا قال أبو العالية ، وأبو مالك ، والسدي ، وغيرهم.
وأصل البلاء : الاختبار ، وقد يكون بالخير والشر ، كما قال تعالى : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } [الأنبياء : 25] ، وقال : { وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ } [الأعراف : 168].
قال ابن جرير : وأكثر ما يقال في الشر : بلوته أبلوه بَلاءً ، وفي الخير : أبليه إبلاء وبلاء ، قال زهير بن أبي سلمى :
جزى الله بالإحسان ما فَعَلا بكُم... وأبلاهما خَيْرَ البلاءِ الذي يَبْلُو (3)
قال : فجمع بين اللغتين ؛ لأنه أراد فأنعم الله عليهما خير النعم التي يَخْتَبر بها عباده.
[وقيل : المراد بقوله : { وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ } إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء ؛ قال القرطبي : وهذا قول الجمهور ولفظه بعدما حكى القول الأول ، ثم قال : وقال الجمهور : الإشارة إلى الذبح ونحوه ، والبلاء هاهنا في الشر ، والمعنى في الذبح مكروه وامتحان] (4).
وقوله تعالى : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } معناه : وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون ، وخرجتم مع موسى ، عليه السلام ، خرج (5) فرعون في طلبكم ، ففرقنا بكم البحر ، كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلا (6) كما سيأتي في مواضعه (7) ومن أبسطها في سورة الشعراء إن شاء الله.
{ فَأَنْجَيْنَاكُمْ } أي : خلصناكم منهم ، وحجزنا بينكم وبينهم ، وأغرقناهم وأنتم تنظرون ؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم ، وأبلغ في إهانة عدوكم.
قال (8) عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمر ، عن أبي إسحاق الهَمْداني ، عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ } إلى قوله : { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } قال : لما خرج موسى ببني إسرائيل ، بلغ ذلك فرعون فقال : لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة. قال : فوالله ما صاح ليلتئذ ديك
__________
(1) في جـ : "أي نعمة عليكم عظيمة في ذلك".
(2) زيادة من جـ ، أ.
(3) البيت في تفسير الطبري (2/49).
(4) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(5) في جـ : "وخرج".
(6) في جـ : "مفصلا عن ذلك".
(7) في جـ : "مفصلا".
(8) في جـ ، ط : "وقال".

(1/259)


حتى أصبحوا ؛ فدعا بشاة فَذُبحت ، ثم قال : لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إليَّ ستمائة ألف من القبط. فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط ثم سار ، فلما أتى موسى البحر ، قال له رجل من أصحابه ، يقال له : يوشع بن نون : أين أمَرَ ربك ؟ قال : أمامك ، يشير إلى البحر. فأقحم يوشع فرسَه في البحر حتى بلغ الغَمْرَ ، فذهب به الغمر ، ثم رجع. فقال : أين أمَرَ ربك يا موسى ؟ فوالله ما كذبت ولا كُذبت (1). فعل ذلك ثلاث مرات ، ثم أوحى الله إلى موسى : { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ } فضربه { فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } [الشعراء : 63 ] ، يقول : مثل الجبل. ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم ، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم فلذلك قال : { وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } (2).
وكذلك قال غير واحد من السلف ، كما سيأتي بيانه في موضعه (3). وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء ، كما قال الإمام أحمد :
حدثنا عفان ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب ، عن عبد الله بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فقال : "ما هذا اليوم الذي تصومون ؟". قالوا : هذا يوم صالح ، هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم (4) ، فصامه موسى ، عليه السلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أنا أحق بموسى منكم". فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بصومه.
وروى هذا الحديث البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه من طرق ، عن أيوب السختياني ، به (5) نحو ما تقدم.
وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا أبو الربيع ، حدثنا سلام - يعني ابن سليم - عن زيد العَمِّيّ عن يزيد الرقاشي عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء " (6).
وهذا ضعيف من هذا الوجه فإن زيدا العَمِّيّ فيه ضعف ، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه.
__________
(1) في جـ : "ولا كذبت" ، وفي ط : "وكذبت".
(2) تفسير عبد الرزاق (1/67).
(3) في أ : "كما سيأتي في موضعه إن شاء الله".
(4) في جـ : "من الغرق ، وفي ط : "من غرقهم".
(5) المسند (1/291) وصحيح البخاري برقم (2004) وصحيح مسلم برقم (1130).
(6) مسند أبي يعلى (7/133).

(1/260)


وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

{ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) }
يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم ، لَمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه ، عند انقضاء أمَد المواعدة ، وكانت أربعين يومًا ، وهي المذكورة في الأعراف ، في قوله تعالى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } [الأعراف : 142] قيل : إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة ، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون وإنجائهم من البحر.
{ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) }
وقوله : { وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } يعني : التوراة { وَالْفُرْقَانَ } وهو ما يَفْرق بين الحق والباطل ، والهدى والضلال { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } وكان ذلك - أيضا - بعد خروجهم من البحر ، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف. ولقوله (1) تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [القصص : 43].
وقيل : الواو زائدة ، والمعنى : ولقد آتينا موسى الكتاب والفرقان وهذا غريب ، وقيل : عطف عليه وإن كان المعنى واحدًا ، كما في قول الشاعر :
وقدمت الأديم لراقشيه... فألفى قولها كذبًا ومينا...
وقال الآخر :
ألا حبذا هند وأرض بها هند... وهند أتى من دونها النأي والبعد...
فالكذب هو المين ، والنأي : هو البعد. وقال عنترة :
حييت من طلل تقادم عهده... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم...
فعطف الإقفار على الإقواء وهو هو.
{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) }.
هذه صفَةُ توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل ، قال الحسن البصري ، رحمه الله ، في قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ } فقال : ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حين قال الله تعالى : { وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا } الآية [الأعراف : 149].
قال : فذلك حين يقول موسى : { يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ }
وقال أبو العالية ، وسعيد بن جبير ، والربيع بن أنس : { فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ } أي إلى خالقكم.
قلت : وفي قوله هاهنا : { إِلَى بَارِئِكُمْ } تنبيه على عظم جرمهم ، أي : فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.
__________
(1) في جـ : " "وكقوله".

(1/261)


وروى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث يزيد بن هارون ، عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله تعالى : إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم كل من لقي من ولد ووالد (1) فيقتله بالسيف ، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم ، فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا به فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول. وهذا (2) قطعة من حديث الفُتُون ، وسيأتي في تفسير سورة طه بكماله ، إن شاء الله (3).
وقال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن الهيثم ، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار ، حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : قال أبو سعيد : عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال موسى لقومه : { فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } قال : أمر موسى قومه - من أمر ربه عز وجل - أن يقتلوا أنفسهم قال : واحتبى الذين عبدوا (4) العجل فجلسوا ، وقام الذين لم يعكفوا على العجل ، فأخذوا الخناجر بأيديهم ، وأصابتهم ظُلَّة (5) شديدة ، فجعل يقتل بعضهم بعضا ، فانجلت الظلَّة (6) عنهم ، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل ، كل من قتل منهم كانت له توبة ، وكل من بقي كانت له توبة.
وقال ابن جُرَيْج : أخبرني القاسم بن أبي بَزَّة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى : { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } قالا قام بعضهم إلى بعض بالخناجر فقتل بعضهم بعضًا ، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد ، حتى ألوى موسى بثوبه ، فطرحوا ما بأيديهم ، فكُشِفَ عن سبعين ألف قتيل. وإن الله أوحى إلى موسى : أن حَسْبي ، فقد اكتفيت ، فذلك حين ألوى موسى بثوبه ، [وروي عن علي رضي الله عنه نحو ذلك] (7).
وقال قتادة : أمر القوم بشديد من الأمر ، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضا ، حتى بلغ الله فيهم نقمته ، فسقطت الشفار من أيديهم ، فأمسك عنهم القتل ، فجعل لحيهم توبة ، وللمقتول شهادة.
وقال الحسن البصري : أصابتهم ظلمة حنْدس ، فقتل بعضهم بعضا [نقمة] (8) ثم انكشف عنهم ، فجعل توبتهم في ذلك.
وقال السدي في قوله : { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } قال : فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف ، فكان من قُتِل من الفريقين شهيدًا ، حتى كثر القتل ، حتى كادوا أن يهلكوا ، حتى قتل بينهم (9) سبعون ألفًا ، وحتى دعا موسى وهارون : ربنا أهلكت بني إسرائيل ، ربنا البقيةَ البقيةَ ،
__________
(1) في ط : "أو والد".
(2) في جـ : "وهذه".
(3) وهو في سنن النسائي الكبرى برقم (11326) وسيأتي عند الموضع الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير.
(4) في جـ ، ط ، ب : "عكفوا".
(5) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "ظلمة".
(6) في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الظلمة".
(7) زيادة من جـ ، ط ، ب ، وفي أ ، و : "وروي عن علي رحمة الله عليه نحو ذلك".
(8) زيادة من أ.
(9) في جـ ، ط ، ب : "منهم".

(1/262)


وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم ، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدًا ، ومن بقي مُكَفّرا عنه ؛ فذلك قوله : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }
وقال الزهري : لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها ، برزوا ومعهم موسى ، فاضطربوا بالسيوف ، وتطاعنوا بالخناجر ، وموسى رافع يديه ، حتى إذا أفنوا بعضهم (1) ، قالوا : يا نبي الله ، ادع الله لنا. وأخذوا بعضُديه يسندون يديه ، فلم يزل أمرهم على ذلك ، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم ، بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح ، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى الله ، جل ثناؤه ، إلى موسى : ما يحزنك ؟ أما من قتل منكم فحي عندي يرزقون ، وأما من بقي فقد قبلت توبته. فسُرّ بذلك موسى ، وبنو إسرائيل.
رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه.
وقال ابن إسحاق : لما رجع موسى إلى قومه ، وأحرق العجل وذَرّاه في اليم ، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه ، فأخذتهم الصاعقة ، ثم بُعثوا ، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل. فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم قال : فبلغني أنهم قالوا لموسى : نَصبر لأمر الله. فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يَقْتُل من عبده. فجلسوا بالأفنية وأصْلَتَ عليهم القومُ السيوف ، فجعلوا يقتلونهم ، وبكى موسى ، وَبَهَش إليه النساء والصبيان ، يطلبون العفو عنهم ، فتاب الله عليهم ، وعفا عنهم وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما رجع موسى إلى قومه ، وكان (2) سبعون (3) رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه. فقال لهم موسى : انطلقوا إلى موعد ربكم. فقالوا : يا موسى ، ما من (4) توبة ؟ قال : بلى ، { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } الآية ، فاخترطوا السيوف والجرزَة والخناجر والسكاكين. قال : وبعث عليهم ضبابة. قال : فجعلوا يتلامسون بالأيدي ، ويقتل بعضهم بعضًا. قال : ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري. قال : ويتنادون [فيها] (5) : رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه ، قال : فقتلاهم شهداء ، وتيب على أحيائهم ، ثم قرأ : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }
{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا
__________
(1) في جـ ، أ : "بعضهم بعضا".
(2) في جـ : "وكانوا".
(3) في أ : "سبعين".
(4) في أ : "هل من".
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.

(1/263)


مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) }
يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق ، إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانًا ، مما لا يستطاع (1) لكم ولا لأمثالكم ، كما قال ابن جريج ، قال ابن عباس في هذه الآية : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } قال : علانية.
وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق ، عن أبي الحويرث ، عن ابن عباس ، أنه قال في قول الله تعالى : { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } أي علانية ، أي حتى نرى الله.
وقال قتادة ، والربيع بن أنس : { حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } أي عيانا.
وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال : فسمعوا كلاما ، فقالوا : { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } قال : فسمعوا صوتًا فصعقوا ، يقول : ماتوا.
وقال مروان بن الحكم ، فيما خطب به على منبر مكة : الصاعقة : صيحة من السماء.
وقال السدي في قوله : { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } الصاعقة : نار.
وقال عروة بن رويم في قوله : { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } قال : فصعق بعضهم وبعض ينظرون (2) ، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء.
وقال السدي : { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } فماتوا ، فقام موسى يبكي ويدعو الله ، ويقول : رب ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم { لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا } [الأعراف : 155]. فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل ، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا (3) رجلٌ رجلٌ ، ينظر (4) بعضهم إلى بعض : كيف يحيون ؟ قال : فذلك قوله تعالى : { ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
وقال الربيع بن أنس : كان موتهم عقوبة لهم ، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، قال : لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل ، وقال لأخيه وللسامري ما قال ، وحَرّق العجل وذَرّاه في اليم ، اختار موسى منهم سبعين (5) رجلا الخَيِّرَ فالخير ، وقال : انطلقوا إلى الله وتوبوا إلى الله مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء (6) لميقات وقَّتَه له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم ، فقال له السبعون ، فيما ذكر لي ، حين صنعوا ما أمروا به وخرجوا للقاء الله ، قالوا : يا موسى ، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا ، فقال : أفعل. فلما دنا موسى من الجبل ، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله ، ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله (7) وقع على جبهته نور ساطع ،
__________
(1) في جـ : "يتطلع".
(2) في جـ : "ينظر".
(3) في جـ ، ط ، ب : "وعاش".
(4) في جـ ، ط ، ب : "فنظر".
(5) في جـ : "سبعون" وهو خطأ.
(6) في جـ : "الطور سينين".
(7) في جـ : "كلمه ربه".

(1/264)


لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه ، فضرب دونه (1) بالحجاب ، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا (2) فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه : افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام ، فأقبل إليهم ، فقالوا لموسى : { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } فأخذتهم الرجفة (3) ، وهي الصاعقة ، فماتوا جميعًا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ، ويقول : { رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ [وَإِيَّايَ ] (4) } [الأعراف : 155] قد سفهوا ، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا ؟ أي : إن هذا لهم هلاك. اخترتُ منهم سبعين رجلا الخَيِّر فالخير ، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا ؟ { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } [الأعراف : 156] فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ، ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم ، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل ، فقال : لا ؛ إلا أن يقتلوا أنفسهم (5).
هذا سياق محمد بن إسحاق.
وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير : لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به ، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل ، يعتذرون إليه من عبادة العجل ، ووعدهم موسى ، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عَينه ، ثم ذهب بهم ليعتذروا. وساق البقية.
[وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } والمراد السبعون المختارون منهم ، ولم يحك كثير من المفسرين سواه ، وقد أغرب فخر الدين الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين : أنهم بعد إحيائهم قالوا : يا موسى ، إنك لا تطلب من الله شيئا إلا أعطاك ، فادعه أن يجعلنا أنبياء ، فدعا بذلك فأجاب الله دعوته ، وهذا غريب جدا ، إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ثم يوشع بن نون ، وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل ، فإن موسى الكليم ، عليه السلام ، قد سأل ذلك فمنع منه فكيف يناله هؤلاء السبعون ؟
القول الثاني في الآية] (6) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية : قال لهم موسى - لما رجع من عند ربه بالألواح ، قد كتب فيها التوراة ، فوجدهم يعبدون العجل ، فأمرهم بقتل أنفسهم ، ففعلوا ، فتاب الله عليهم ، فقال : إن هذه الألواح فيها كتاب الله ، فيه (7) أمركم الذي أمركم به ونهيكم الذي نهاكم عنه. فقالوا : ومن يأخذه بقولك أنت ؟ لا والله حتى نرى الله جهرة ، حتى
__________
(1) في جـ : "دونهما".
(2) في جـ : "سجدا".
(3) في ط : "الصاعقة".
(4) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(5) تفسير الطبري (2/77).
(6) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(7) في جـ : "فيها كتاب الله الذي".

(1/265)


وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

يطلع الله علينا فيقول : هذا كتابي فخذوه ، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى! وقرأ قول الله : { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } قال : فجاءت غضبة من الله ، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة ، فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال : ثم أحياهم الله من بعد موتهم ، وقرأ قول الله : { ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله. فقالوا : لا فقال : أي شيء أصابكم ؟ فقالوا : أصابنا أنا متنا ثم حَيِينا. قال (1) : خذوا كتاب الله. قالوا : لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم.
[وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا. وقد حكى الماوردي في ذلك قولين : أحدهما : أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق ؛ والثاني : أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف ، قال القرطبي : وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم ؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات ، وهم في ذلك مكلفون وهذا واضح ، والله أعلم] (2).
{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) }
لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم ، شرع يذكرهم - أيضا - بما أسبغ عليهم من النعم ، فقال : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } وهو جمع غمامة ، سمي بذلك لأنه يَغُمّ السماء ، أي : يواريها ويسترها. وهو السحاب الأبيض ، ظُلِّلوا به في التيه ليقيهم حر الشمس. كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفُتُون ، قال : ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عمر ، والربيع بن أنس ، وأبي مجلز ، والضحاك ، والسدي ، نحو قول ابن عباس.
وقال الحسن وقتادة : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } [قال] (3) كان هذا في البرية (4) ظلل عليهم الغمام من الشمس.
وقال ابن جرير (5) قال آخرون : وهو غمام أبرد من هذا ، وأطيب.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } (6) قال : ليس بالسحاب ، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ، ولم يكن إلا لهم.
وهكذا رواه ابن جرير ، عن المثنى بن إبراهيم ، عن أبي حذيفة.
__________
(1) في جـ : "فقال".
(2) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(3) زيادة من جـ ، ط.
(4) في أ : "في التيه".
(5) في جـ ، ط : "ابن جريج".
(6) في جـ ، ط : "عليهم" وهو خطأ.

(1/266)


وكذا رواه الثوري ، وغيره ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وكأنه يريد ، والله أعلم ، أنه ليس من زِيّ هذا السحاب ، بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرا ، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } قال : غمام أبرد من هذا وأطيب ، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله : { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ } [البقرة : 210] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس : وكان معهم في التيه.
وقوله : { وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ } اختلفت عبارات المفسرين في المن : ما هو ؟ فقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : كان المن ينزل عليهم على الأشجار ، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاؤوا.
وقال مجاهد : المن : صمغة. وقال عكرمة : المن : شيء أنزله الله عليهم مثل الطل ، شبه الرِّبِ الغليظ.
وقال السدي : قالوا : يا موسى ، كيف لنا بما هاهنا ؟ أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن ، فكان يسقط على شجر (1) الزنجبيل.
وقال قتادة : كان المن ينزل عليهم في محلتهم (2) سقوط الثلج ، أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك ؛ فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق ، حتى إذا كان يوم سادسه ، ليوم جمعته ، أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه ؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا يطلبه لشيء ، وهذا كله في البرية.
وقال الربيع بن أنس : المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل ، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.
وقال وهب بن منبه - وسئل عن المن - فقال : خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النَقيِّ.
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر وهو الشعبي ، قال : عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنه العسل.
ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت ، حيث قال :
فرأى الله أنهم بمضيع... لا بذي مزرع ولا مثمورا...
فسناها عليهم غاديات... وترى مزنهم خلايا وخورا...
عسلا ناطفا وماء فراتا... وحليبا ذا بهجة مرمورا (3)
__________
(1) في ط : "الشجرة" ، وفي ب : "الشجر".
(2) في أ : "في نخلتهم".
(3) الأبيات في تفسير الطبري (2/94 ، 95).

(1/267)


فالناطف : هو السائل ، والحليب المرمور : الصافي منه.
والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن ، فمنهم من فسره بالطعام ، ومنهم من فسره بالشراب ، والظاهر ، والله أعلم ، أنه (1) كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب (2) ، وغير ذلك ، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد ، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة ، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا ، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر ، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده ؛ والدليل على ذلك قول البخاري :
حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن عبد الملك ، عن عمر بن حريث (3) عن سعيد (4) بن زيد ، رضي الله عنه ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين".
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك ، وهو ابن عمير ، به (5).
وأخرجه الجماعة في كتبهم ، إلا أبا داود ، من طرق عن عبد الملك ، وهو ابن عمير ، به (6). وقال الترمذي : حسن صحيح ، ورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم ، عن الحسن العُرَني ، عن عمرو بن حريث ، به (7).
وقال الترمذي : حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غَيْلان ، قالا حدثنا سعيد بن عامر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "العجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم ، والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" (8).
تفرد بإخراجه الترمذي ، ثم قال : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو ، وإلا من حديث سعيد (9) بن عامر ، عنه ، وفي الباب عن سعيد بن زيد ، وأبي سعيد وجابر.
كذا قال ، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره ، من طريق آخر ، عن أبي هريرة ، فقال : حدثنا أحمد بن الحسن (10) بن أحمد البصري ، حدثنا أسلم بن سهل ، حدثنا القاسم بن عيسى ، حدثنا طلحة بن عبد الرحمن ، عن قتادة (11) عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، وطلحة بن عبد الرحمن هذا سلمي واسطي ، يكنى بأبي
__________
(1) في جـ : "أن".
(2) في جـ : "أو شراب".
(3) في جـ : "حوشب".
(4) في جـ : "سفيان".
(5) صحيح البخاري برقم (4478) والمسند (1/187).
(6) صحيح البخاري برقم (4639) وصحيح مسلم برقم (2049) وسنن الترمذي برقم (2067) وسنن النسائي الكبرى برقم (6667).
(7) صحيح البخاري برقم (5708) وصحيح مسلم برقم (2049) وسنن النسائي الكبرى برقم (10988).
(8) سنن الترمذي برقم (3013).
(9) في جـ : "محمد".
(10) في جـ ، أ ، و : "الحسين".
(11) في جـ : "عبادة".

(1/268)


محمد ، وقيل : أبو سليمان المؤدب قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي : روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها (1).
ثم قال [الترمذي] (2) حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة : أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : الكمأة جدري الأرض ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين ، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
وهذا الحديث قد رواه النسائي ، عن محمد بن بشار ، به (3). وعنه ، عن غندر ، عن شعبة ، عن أبي بشر جعفر بن إياس ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، به (4). وعن محمد بن بشار ، عن عبد الأعلى ، عن خالد الحذاء ، عن شهر بن حوشب. بقصة الكمأة فقط (5).
وروى النسائي - أيضا - وابن ماجه من حديث محمد بن بشار ، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد ، عن مطر الوراق ، عن شهر : بقصة العجوة عند النسائي ، وبالقصتين عند ابن ماجه (6).
وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة فإنه لم يسمعه (7) منه ، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه ، عن علي بن الحسين الدرهمي (8) عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غَنْم ، عن أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يذكرون الكمأة ، وبعضهم يقول (9) جدري الأرض ، فقال : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين" (10).
وروي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر ، كما قال الإمام أحمد :
حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن شهر بن حوشب ، عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ، قالا قال
__________
(1) الكامل لابن عدي (4/114).
(2) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(3) هو في سنن النسائي الكبرى برقم (6671) عن نصير بن الفرج ، عن معاذ بن هشام به ، ولم أقع عليه عن محمد بن بشار ، وقد ذكره المزي عن محمد بن بشار في تحفة الأشراف (10/112).
(4) سنن النسائي الكبرى برقم (6673).
(5) سنن النسائي الكبرى برقم (6672).
(6) سنن ابن ماجة برقم (3400).
(7) في جـ : "لم يسمع".
(8) في جـ : "الدهرمي".
(9) في جـ : "وبعضهم يذكرون".
(10) سنن النسائي الكبرى برقم (6670).

(1/269)


رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم" (1).
قال (2) النسائي في الوليمة أيضا : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب ، عن أبي سعيد وجابر ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين" (3). ثم رواه - أيضا - ، وابن ماجه من طرق ، عن الأعمش ، عن أبي بشر ، عن شهر ، عنهما ، به (4).
وقد رويا (5) - أعني النسائي (6) وابن ماجه - من حديث سعيد بن مسلم (7) كلاهما عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، زاد النسائي : [وحديث] (8) جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين" (9).
ورواه ابن مردويه ، عن أحمد بن عثمان ، عن عباس الدوري ، عن لاحق بن صواب (10) عن عمار بن رزيق (11) عن الأعمش ، كابن ماجه.
وقال ابن مردويه أيضا : حدثنا أحمد بن عثمان ، حدثنا عباس الدوري ، حدثنا الحسن (12) بن الربيع ، حدثنا أبو الأحوص ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كمآت ، فقال : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين".
وأخرجه النسائي ، عن عمرو بن منصور ، عن الحسن بن الربيع (13) ثم [رواه] (14) ابن مردويه. رواه أيضا عن عبد الله بن إسحاق عن الحسن بن سلام ، عن عبيد الله بن موسى ، عن شيبان (15) عن الأعمش به ، وكذا رواه النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم ، عن عبيد الله بن موسى [به] (16) (17).
وقد روى من حديث أنس بن مالك ، رضي الله عنه كما قال ابن مردويه :
حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، حدثنا حمدون بن أحمد ، حدثنا حوثرة بن أشرس ، حدثنا حماد ، عن شعيب بن الحبحاب (18) عن أنس : أن أصحاب رسول الله (19) صلى الله عليه وسلم تدارؤوا (20) في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، فقال بعضهم : نحسبه الكمأة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ، والعجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم" (21).
__________
(1) المسند (3/48).
(2) في جـ ، ط : "وقال".
(3) لم أقع عليه في المطبوع من سنن النسائي الكبرى.
(4) سنن ابن ماجة برقم (3453) ولم أقع عليه في سنن النسائي الكبرى المطبوعة.
(5) في جـ : "وقد روياه".
(6) في جـ ، و : "النسائي من حديث جرير".
(7) في جـ : "مسلمة".
(8) زيادة من جـ ، و.
(9) سنن النسائي الكبرى برقم (6676 ، 6677) وسنن ابن ماجة برقم (3453) لكن وقع في سنن النسائي عن جرير عن الأعمش والله أعلم.
(10) في جـ : "صوان".
(11) في جـ : "زريق".
(12) في جـ : "الحسين".
(13) لم أقع عليه في المطبوع من سنن النسائي الكبرى.
(14) زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(15) في جـ : "سفيان".
(16) زيادة من جـ ، ط ، أ.
(17) سنن النسائي الكبرى برقم (6678).
(18) في جـ : "ابن الحجاب" ، وفي أ : "ابن الحجاج".
(19) في جـ : "أصحاب النبي".
(20) ف جـ : "تذاكروا".
(21) ورواه ابن عدي في الكامل (2/370) من طريق حسان بن سياه عن ثابت عن أنس بنحوه.

(1/270)


وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي والنسائي من طريقه شيئاً من هذا ، والله أعلم (1) (2).
[وقد] (3) روي عن شهر ، عن ابن عباس ، كما رواه النسائي - أيضًا - في الوليمة ، عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد ، عن عبد الله بن عون الخَرّاز ، عن أبي عبيدة الحداد ، عن عبد الجليل بن عطية ، عن شهر ، عن عبد الله بن عباس ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين" (4).
فقد اختلف - كما ترى فيه - على شهر بن حوشب ، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها ، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم ، فإن الأسانيد إليه جيدة ، وهو لا يتعمد الكذب ، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم من رواية سعيد بن زيد.
وأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : السلوى طائر شبيه بالسُّمَّانى ، كانوا يأكلون منه.
وقال السدي في خَبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس (5) من الصحابة : السلوى : طائر يشبه السُّمَّانَى.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا قرّة بن خالد ، عن جهضم ، عن ابن عباس ، قال : السلوى : هو السمَّانى.
وكذا قال مجاهد ، والشعبي ، والضحاك ، والحسن ، وعكرمة ، والربيع بن أنس ، رحمهم الله.
وعن عكرمة : أما السلوى فطير (6) كطير يكون بالجنة (7) أكبر من العصفور ، أو نحو ذلك.
وقال قتادة : السلوى من طير إلى الحمرة ، تحشُرها عليهم الريحُ الجنَوبُ. وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك ، فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده ، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته (8) أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه ؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه.
وقال وهب بن منبه : السلوى : طير سمين مثل الحمام ، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وفي رواية عن وهب ، قال : سألَتْ بنو إسرائيل موسى عليه السلام ، اللحم ، فقال الله : لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض ، فأرسل عليهم ريحًا ، فأذرت عند مساكنهم السلوى ، وهو السمانى (9) مثل ميل في ميل قيدَ رمح إلى (10) السماء فخبَّؤوا للغد فنتن اللحم وخنز الخبز.
__________
(1) في جـ : "والله تبارك أعلم".
(2) سنن الترمذي برقم (3119) وسنن النسائي الكبرى برقم (11262).
(3) زيادة من ط.
(4) سنن النسائي الكبرى برقم (6669).
(5) في جـ ، ط : "وعن أناس".
(6) في جـ : "فيطير".
(7) في و : "في الجنة".
(8) في جـ : "جمعة".
(9) في جـ : "السمان".
(10) في جـ : "في".

(1/271)


وقال السدي : لما دخل بنو إسرائيل التيه ، قالوا لموسى ، عليه السلام : كيف لنا بما هاهنا ؟ أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم الَمنّ فكان يسقط على الشجر (1) الزنجبيل ، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه ، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير ، فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه ، فقالوا : هذا الطعام فأين الشراب ؟ فَأُمِر موسى فضرب بعصاه الحجر ، فانفجرت (2) منه اثنتا عشرة عينًا ، فشرب كل سبط من عين ، فقالوا : هذا الشراب ، فأين الظل ؟ فَظَلَّل عليهم الغمام. فقالوا : هذا الظل ، فأين اللباس ؟ فكانت ثيابهم (3) تطول معهم كما يطول الصبيان ، ولا يَنْخرق لهم ثوب ، فذلك قوله تعالى : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى } وقوله { وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } [البقرة : 60].
وروي عن وهب بن منبه ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي.
وقال سُنَيْد ، عن حجاج ، عن ابن جُرَيْج ، قال : قال ابن عباس : خُلق لهم في التيه ثياب لا تخرق (4) ولا تدرن ، قال ابن جريج : فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد ، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدًا.
[قال ابن عطية : السلوى : طير بإجماع المفسرين ، وقد غلط الهذلي في قوله : إنه العسل ، وأنشد في ذلك مستشهدًا :
وقاسمها بالله جهدًا لأنتم... ألذ من السلوى إذا ما أشورها...
قال : فظن أن السلوى عسلا (5) قال القرطبي : دعوى الإجماع لا تصح ؛ لأن المؤرخ أحد علماء اللغة والتفسير قال : إنه العسل ، واستدل ببيت الهذلي هذا ، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة ؛ لأنه يسلى به ومنه عين سلوان ، وقال الجوهري : السلوى العسل ، واستشهد ببيت الهذلي - أيضا - ، والسلوانة بالضم خرزة ، كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا قال الشاعر :
شربت على سلوانة ماء مزنة... فلا وجديد العيش يا مي ما أسلو...
واسم ذلك الماء السلوان ، وقال بعضهم : السلوان دواء يشفي الحزين فيسلو والأطباء يسمونه(مُفَرِّح) ، قالوا : والسلوى جمع بلفظ - الواحد - أيضًا ، كما يقال : سمانى للمفرد والجمع ودِفْلَى كذلك ، وقال الخليل واحده سلواة ، وأنشد :
وإني لتعروني لذكراك هزة... كما انتفض السلواة من بلل القطر...
__________
(1) في جـ : "على شجر".
(2) في جـ ، ب : "فانفجر".
(3) في جـ : "لباسهم".
(4) في جـ : "لا تخلق".
(5) المحرر الوجيز لابن عطية (1/229).

(1/272)


وقال الكسائي : السلوى واحدة وجمعه سلاوي ، نقله كله القرطبي (1) ] (2).
وقوله تعالى : { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } أمر إباحة وإرشاد وامتنان. وقوله : { وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [البقرة : 57] ، أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا ، كما قال : { كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ } [سبأ : 15] فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم ، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات والمعجزات القاطعات ، وخوارق العادات ، ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (3) ورضي عنهم ، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم ، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته ، منها عام تبوك ، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد ، لم يسألوا خرق عادة ، ولا إيجاد أمر ، مع أن ذلك كان سهلا على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم ، فجاء قدر مَبْرك الشاة ، فدعا [الله] (4) فيه ، وأمرهم فملؤوا كل وعاء معهم ، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى ، فجاءت سحابة فأمطرتهم ، فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أسقيتهم. ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع : المشي مع قدر الله ، مع متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) تفسير القرطبي (1/408).
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(3) في ط : "صلوات الله وسلامه عليه.
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.

(1/273)


وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

{ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنزيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) }
يقول تعالى لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد ودخول (1) الأرض المقدسة ، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ، عليه السلام ، فأمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل ، وقتال من فيها من العماليق الكفرة ، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا ، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم ، كما ذكره تعالى في سورة المائدة ؛ ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس ، كما نص على ذلك السدي ، والرّبيع بن أنس ، وقتادة ، [وأبو مسلم الأصفهاني وغير واحد وقد قال الله تعالى : { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } الآيات] (2).[المائدة : 21 - 24]
وقال آخرون : هي أريحا [ويحكى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد] (3) وهذا بعيد ؛ لأنها ليست على طريقهم ، وهو قاصدون بيت المقدس لا أريحا [وأبعد من ذلك قول من ذهب أنها مصر ، حكاه فخر الدين في تفسيره ، والصحيح هو الأول ؛ لأنها بيت المقدس] (4). وهذا كان لما خرجوا من
__________
(1) في ب : "عن دخولهم".
(2) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(3) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.

(1/273)


التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ، عليه السلام ، وفتحها الله عليهم عشية جمعة ، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح ، وأما أريحا فقرية ليست مقصودة لبني إسرائيل ، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب - باب البلد - { سُجَّدًا } أي : شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ، وردّ بلدهم (1) إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال.
قال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله : { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا } أي ركعا.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا } قال : ركعا (2) من باب صغير.
رواه الحاكم من حديث سفيان ، به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان ، وهو الثوري ، به (3). وزاد : فدخلوا من قبل أستاههم.
[وقال الحسن البصري : أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم ، واستبعده الرازي ، وحكى عن بعضهم : أن المراد بالسجود هاهنا الخضوع لتعذر حمله على حقيقته] (4).
وقال خصيف : قال عكرمة ، قال ابن عباس : كان الباب قبل القبلة.
وقال [ابن عباس و] (5) مجاهد ، والسدي ، وقتادة ، والضحاك : هو باب الحطة من باب إيلياء ببيت المقدس ، [وحكى الرازي عن بعضهم أنه عن باب جهة من جهات القرية] (6).
وقال خَصِيف : قال عكرمة : قال ابن عباس : فدخلوا على شق ، وقال السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، عن أبي الكنُود ، عن عبد الله بن مسعود : وقيل لهم ادخلوا الباب سجدا ، فدخلوا مقنعي رؤوسهم ، أي : رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.
وقوله : { وَقُولُوا حِطَّةٌ } قال الثوري عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَقُولُوا حِطَّةٌ } قال : مغفرة ، استغفروا.
وروي عن عطاء ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحوه.
وقال الضحاك عن ابن عباس : { وَقُولُوا حِطَّةٌ } قال : قولوا : هذا الأمر حق ، كما قيل لكم.
وقال عكرمة : قولوا : لا إله إلا الله.
وقال الأوزاعي : كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه يسأله عن قوله تعالى : { وَقُولُوا حِطَّةٌ }
__________
(1) في جـ : "بلادهم".
(2) في جـ : "أي ركعا".
(3) تفسير الطبري (2/113) والمستدرك (2/262) وتفسير ابن أبي حاتم (1/182).
(4) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(5) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(6) زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.

(1/274)


فكتب إليه : أن أقروا بالذنب.
وقال الحسن وقتادة : أي احطط عنا خطايانا.
{ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنزيدُ الْمُحْسِنِينَ } هذا جواب الأمر ، أي : إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات.
وحاصل الأمر : أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول ، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها ، والشكر على النعمة عندها والمبادرة إلى ذلك من المحبوب لله تعالى ، كما قال تعالى : { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } [سورة النصر] فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار ع